انتهت الحروب بالوكالة… هل يعود الإرهاب؟

مدة القراءة 6 د

على مدى أكثر من أربعة عقود، شكّلت الحروب بالوكالة إحدى السمات الأكثر ثباتاً في صراعات الشرق الأوسط. بدلاً من المواجهة المباشرة بين الدول، اعتمدت قوى إقليميّة على شبكات من التنظيمات المسلّحة والميليشيات لخوض معاركها وتحقيق أهدافها الاستراتيجيّة. سمح هذا النموذج بإدارة الصراعات من خلف الستار، وخفّف كلفة المواجهة المباشرة بين الدول. لكنّ التطوّرات العسكريّة والتكنولوجيّة والسياسيّة التي تشهدها المنطقة اليوم تطرح سؤالاً متزايد الحضور في دوائر القرار: هل اقترب عصر الحروب بالوكالة من نهايته؟ وما احتمالات عودة الإرهاب العابر للحدود؟

 

منذ قيام الجمهوريّة الإسلاميّة عام 1979، بنت إيران استراتيجيتها الإقليميّة على هذا النموذج. بدلاً من الدخول في مواجهة تقليديّة مع الولايات المتّحدة أو إسرائيل، استثمرت في بناء شبكة من الحلفاء المسلّحين تمتدّ من لبنان إلى العراق واليمن وغزّة. في هذا الإطار برزت تنظيمات مثل “الحزب” في لبنان، “أنصار الله” في اليمن، إلى جانب فصائل مسلّحة في العراق، وتنظيمات فلسطينيّة مثل الجهاد الإسلاميّ، ودعم حركة حماس.

وفّرت هذه الشبكة لطهران ما يشبه “العمق الاستراتيجيّ المتقدّم”. إذ تسمح لها بفتح جبهات متعدّدة ضدّ خصومها، وممارسة الضغط عليهم من دون الانخراط في حرب تقليديّة شاملة. تمنحها أيضاً هامشاً واسعاً من الإنكار السياسيّ، إذ يمكن دائماً تقديم هذه التنظيمات على أنّها قوى محلّيّة مستقلّة وليست أدوات مباشرة للسياسة الإيرانيّة.

لكنّ المواجهات التي تشهدها المنطقة اليوم تكشف نهاية هذا النموذج. غيّرت التطوّرات التكنولوجيّة في مجالات الاستخبارات العسكريّة والذكاء الاصطناعيّ والقدرات السيبرانيّة طبيعة الحرب الحديثة بشكل جذريّ. أصبح من الممكن تحليل كميّات هائلة من البيانات، تعقّب الاتّصالات، ورصد التحرّكات بدقّة عالية. تقلّص هذه القدرة المساحة التي كانت تتحرّك فيها التنظيمات المسلّحة تحت غطاء الغموض والسرّيّة.

في ظلّ هذه المعادلة الجديدة، تواجه الحروب بالوكالة تحدّياً حقيقيّاً

استراتيجية “ضرب الرّأس”

إلى جانب ذلك، برزت خلال السنوات الأخيرة عقيدة عسكريّة جديدة تقوم على استهداف مراكز القيادة في التنظيمات المسلّحة. تقوم هذه المقاربة، التي يمكن وصفها باستراتيجية “ضرب الرأس”، على توجيه ضربات دقيقة للقيادات العسكريّة والسياسيّة بهدف إرباك البنية التنظيميّة وشلّ قدرتها على اتّخاذ القرار. أصبحت هذه السياسة أكثر وضوحاً في العمليّات التي تستهدف القيادات الميدانيّة في المنطقة، في إطار مقاربة استراتيجيّة يتبنّاها قادة مثل رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركيّ دونالد ترامب تقوم على حسم الصراع عبر استهداف القيادة بدلاً من الانخراط في حروب استنزاف طويلة.

في ظلّ هذه المعادلة الجديدة، تواجه الحروب بالوكالة تحدّياً حقيقيّاً. قد تكون الميليشيات والتنظيمات المسلّحة قادرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة وإرباك خصومها، لكنّها تبقى أكثر هشاشة أمام التفوّق التكنولوجيّ والاستخباريّ للدول المتقدّمة عسكريّاً. مع تزايد الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعيّ في تحليل المعلومات وتحديد الأهداف، يصبح من الصعب على هذه التنظيمات الحفاظ على شبكاتها القياديّة واللوجستيّة لفترات طويلة.

غير أنّ تراجع فعّاليّة نموذج “الوكلاء” لا يعني بالضرورة أنّ المنطقة ستدخل مرحلة أكثر استقراراً. يُظهر التاريخ الحديث أنّ تفكّك الشبكات المسلّحة أو تراجع نفوذها قد يفتح الباب أمام تجدّد ظاهرة أخرى أكثر خطورة: الإرهاب العابر للحدود. في لحظات التحوّل الاستراتيجيّ غالباً ما تظهر مجموعات أكثر تطرّفاً وأقلّ ارتباطاً بالدول، تتحرّك خارج الحسابات السياسيّة التقليديّة.

شهد العالم نموذجاً مشابهاً بعد تفكّك بعض شبكات الجهاد في أفغانستان خلال التسعينيّات، فبرز تنظيم  “القاعدة” الذي نقل العمليّات الإرهابيّة إلى نطاق عالميّ. بعد سنوات، استغلّ تنظيم “داعش” الفوضى التي أعقبت الحروب في العراق وسوريا ليؤسّس كياناً عابراً للحدود هدّد الأمن الدوليّ لسنوات.

على مدى أكثر من أربعة عقود، شكّلت الحروب بالوكالة إحدى السمات الأكثر ثباتاً في صراعات الشرق الأوسط

صعود شبكات أكثر تطرّفاً

يطرح هذا الاحتمال تحدّياً استراتيجيّاً جديداً أمام المجتمع الدوليّ. إذا كانت الحروب بالوكالة قد وفّرت نوعاً من “الضبط السياسيّ” للصراعات لأنّها كانت مرتبطة بحسابات دول، فإنّ انهيار هذا النموذج قد يؤدّي إلى صعود شبكات أكثر تطرّفاً وأقلّ انضباطاً. في بيئة إقليميّة تعاني من ضعف الدولة والأزمات الاقتصاديّة والانقسامات الطائفيّة، يمكن لمثل هذه التنظيمات أن تجد أرضاً خصبة لإعادة تنظيم نفسها.

الحروب

في الوقت نفسه، قد تجد إيران نفسها مضطرّة إلى إعادة تقويم استراتيجيتها الإقليميّة. إذا أصبح نموذج الوكلاء أقلّ قدرة على تحقيق الردع أو فرض التوازن، فقد تضطرّ طهران إلى البحث عن أدوات جديدة لمواجهة خصومها، سواء عبر تطوير قدراتها التكنولوجيّة والسيبرانيّة، وهي عملية تحتاج إلى وقت طويل غير متوفر أو عبر إعادة صياغة أصولها الإقليميّة.

مرحلة انتقاليّة

إذاً تقف المنطقة أمام مرحلة انتقاليّة. النظام الإقليميّ الذي تشكّل خلال العقود الماضية على أساس الحروب غير المباشرة قد يكون في طريقه إلى التحوّل. إذا كان الشرق الأوسط قد عرف خلال العقود الماضية “حروب الظلّ” التي تديرها شبكات من الوكلاء، فقد تشهد المرحلة المقبلة نمطاً مختلفاً من الصراعات يجمع بين المواجهات المباشرة بين الدول وبين تهديدات أمنيّة عابرة للحدود.

إنّ الحروب بالوكالة، مع قدرتها على إطالة أمد الصراعات، لم تعد تضمن تحقيق النصر السياسيّ. مع الثورة التكنولوجيّة التي تعيد تشكيل طبيعة الحرب، يبدو أنّ الشرق الأوسط يقف على أعتاب نهاية مرحلة طويلة من الصراعات غير المباشرة.

إقرأ أيضاً: التكنولوجيا تنتصر على الأيديولوجيا..

لكنّ السؤال الذي سيحدّد شكل المنطقة في السنوات المقبلة لا يتعلّق فقط بمن سينتصر في الحرب الحاليّة، بل بما إذا كان نموذج الحروب بالوكالة الذي حكم الشرق الأوسط لعقود قد انتهى فعلاً، وما إذا كان العالم مستعدّاً للتعامل مع المرحلة الأكثر تعقيداً التي قد تأتي بعده.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

إيران… كوبا الكبرى في الشّرق الأوسط

ما هو شكل النصر على إيران فعليّاً؟ هذا هو السؤال الرئيس الذي يؤرّق غرف العمليّات من واشنطن إلى تل أبيب ومن الخليج إلى الصين وأوروبا…

الأردن: لا تصعيد بل ردع وحماية الحدود..

يدرك الأردن جيّداً أنّه يعيش في منطقة لا تعرف الهدوء طويلاً. كلّما هدأت جبهة اشتعلت أخرى، وكلّما بدا أنّ التوتّر يتراجع، ظهرت تهديدات جديدة بأشكال…

انهيار النظام الإيرانيّ حتميّ… وهذه مؤشّراته

بعيداً عن التمنّيات، تشير الوقائع والأدلّة إلى أنّها “الجولة الأخيرة” في المعركة الطويلة مع النظام الإيرانيّ، لا لأنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب قال ذلك، ولا…

ذاكرة الأزمات تركي الفيصل يحذّر من “3 أجندات كارثيّة”

في مقابلة مع الإعلاميّة كريستيان أمانبور “CNN”، قدّم الأمير تركي الفيصل “الخزان العميق لذاكرة الحروب الشرق أوسطيّة والحافظ لمسارات الرئاسات الأميركيّة تجاه المنطقة” تصوّراً نادراً…