واشنطن – طهران: الفوضى الخلّاقة وخيار شمشون

مدة القراءة 5 د

تملك إيران وحدها أدقّ المعطيات وأصدق المعلومات بشأن الحرب. تصدر عن واشنطن وعواصم أخرى وكبريات الصحف الدوليّة المواقف والتحليلات والمطالب والأهداف. غير أنّ طهران من دون كلّ العواصم تعلم ما لا يعلمه الآخرون، وعلى الأقلّ تدرك ما تأخّرت عواصم مثل باريس ولندن وبرلين في إدراكه. 

 

تلقّت إيران كتاب “إعدام” النظام الذي حكم البلد منذ عام 1979. انتهت صلاحيّة الجمهوريّة الإسلاميّة، وتعمل طهران بنهج عدميّ لمنع تنفيذ الحكم أو تأجيله.

أدرك وزير خارجيّة سلطنة عُمان بدر البوسعيدي هذه الحقيقة. حين هرع إلى واشنطن لإنقاذ جلسات مفاوضات في جنيف بان فشلها، اعتقد أنّه يحمل الترياق الشافي الذي يقفل أبواب الحرب ويفتح أبواباً رحبة للحلّ. سلّم نائب الرئيس الأميركيّ جيه دي فانس ملفّاً سرّيّاً ممهوراً بختم من طهران. ثمّ كشف للإعلام الأميركيّ أنّ طهران “استسلمت” وقدّمت التنازلات التي لطالما كان ترامب يطالب بها، وفوق ذلك هي مستعدّة للمزيد.

قال ترامب: “It’s too late”. فهمت طهران أنّ قرار الحرب متّخذ، وأنّ جنيف وقبلها مسقط مسارح زائفة لتوفير الذرائع والوقت للتحضير لليوم الكبير. هو قتال حتّى الموت هذه المرّة بدأ بقطع رأس نظام الجمهوريّة منذ اللحظة الأولى.

تملك إيران وحدها أدقّ المعطيات وأصدق المعلومات بشأن الحرب. تصدر عن واشنطن وعواصم أخرى وكبريات الصحف الدوليّة المواقف والتحليلات والمطالب والأهداف

حان القطاف

مات الوليّ الفقيه. قتلُ المرشد علي خامنئي يفضح من دون حرج أنّ الحكاية ليست مخزون تخصيب ومستوياته، وليست مديات الصواريخ وبرامجها. اكتشف نظام الملالي هراء التذاكي وجوف العقائد الواهمة، وأنّ نظريّة ابن خلدون في سقوط الدول تنطبق بحذافيرها على “الرأس الذي أينع وحان قطافه”.

قبل أن يتنبّه رئيس الوزراء البريطانيّ كير ستارمر والرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون إلى حقيقة الأهداف الأميركيّة، كانت طهران بقيادتها المجهولة المعالم تطلق هجوماً مضادّاً شيطانيّاً يعبّر عن يأس الغارق أكثر من فطنة الحكماء: خيار شمشون في هدم المعبد على الجميع.. وليس على الأعداء فقط. هذا تماماً ما يفعله “حزبها” في لبنان. يردّد الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين مقولته في كلّ مناسبة: “لماذا نحتاج إلى العالم إذا لم تكن فيه روسيا؟”. بدا أنّ إيران الجريحة تُغني هذه القصيدة بفكرة مفادها: “موتوا معي فلا عالم من بعدي”.

حين سُئل وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي عن الحكمة من وراء قصف الأهداف المدنيّة داخل البلدان الخليجيّة الجارة، تقصّد أن يردّ على السؤال مبتسماً، مزهوّاً، مدّعياً فقدان الاتّصالات بين القيادة المركزيّة والفرق العسكريّة في الأطراف، ملمّحاً إلى أنّ الأمر تصرّف فرديّ، من دون أن يستنكر الفعلة أو يدينها، وأكمل تصريحاته بحبور.

إطلاق عبثيّ للصّواريخ

أوحى الرجل أنّ الجنود من دون قيادة، تقودهم غرائزهم الحاقدة إلى قصف دبي وأبوظبي والكويت والدوحة و”أرامكو” في المملكة السعوديّة. كذب الوزير. هو يعرف والعالم يعرف أنّه أمرُ عمليّات صدر من طهران بإطلاق عبثيّ للصواريخ وتوسيع الجحيم بحيث يطال الموت أيضاً قبرص وتركيا وآذربيجان وحاضرات أخرى.

قرّرت الولايات المتّحدة إنهاء “حالة” إيرانيّة تفاقمت أورامها. ما تزال واشنطن لم تعلن ذلك جهاراً. لكنّ قدراتها الناريّة الجبّارة تقوم بالشراكة مع إسرائيل بعمليّة لا علاقة لها بمسلسل التفاوض وشروطه.

يخبرنا دونالد ترامب تارة أنّ النظام شيطان ويفخر بقتل سيّده. وتارة يخبرنا وزير الخارجيّة ماركو روبيو أنّ هدف الحرب حرمان إيران من برنامجها الصاروخيّ بعد خصيْ ذلك النوويّ. حين يلتقي المستشار الألمانيّ فريدريتش ميرتس بترامب في المكتب البيضاويّ في البيت الأبيض، يخرج للهمس للصحافيّين بأن “لا خطّة أميركيّة لما بعد الحرب في إيران”.

تلقّت إيران كتاب “إعدام” النظام الذي حكم البلد منذ عام 1979. انتهت صلاحيّة الجمهوريّة الإسلاميّة، وتعمل طهران بنهج عدميّ لمنع تنفيذ الحكم أو تأجيله

ماذا يعني ذلك؟

يعني أنّ الهدف هو القضاء على النظام الحاليّ من دون أيّ قلق ممّا بعده. لا بأس أن تشهد إيران الخراب، ذلك أنّ أثمانه تبقى أقلّ من أثمان بقاء النظام. لا بأس من تحريك ورقة الأكراد والإيحاء بأنّ تواصل ترامب مع إربيل في كردستان العراق قد يشعل ضوءاً أخضر لحراك قوميّ مسلّح يستدرج قوميّات إيران الأخرى، وما أكثرها. يصف مصدر من المعارضة الإيرانيّة هذا الخيار بأنّه “وصفة لحرب أهليّة قد توحّد الإيرانيّين حول النظام”.

تستعيد واشنطن نظريّة “الفوضى الخلّاقة” وتوحي باستحسانها، حتّى إذا أدّت إلى تفتيت البلد، وتفضيلها بديلاً عن حالة نافرة لا تشبه حتّى عبث كوريا الشماليّة ودكتاتورها. حسمت واشنطن أنّ الحاكم الجديد لن يأتي من الخارج، وأنّ على إيران، نظاماً أو شعباً (موحّداً أو متشظّياً)، أن تجد رأساً لنظامها الجديد أو المستحدَث، وإلّا فإنّ ترامب متطوّع لاختياره عنهم أو معهم.

فهمت عواصم العالم متأخّرة ما فهمته طهران منذ اللحظة الأولى. لم يستبعد رئيس الوزراء الكنديّ المشاركة العسكريّة. أيّد مستشار ألمانيا السعي الأميركيّ. تراجع رئيس وزراء بريطانيا عن تعفّفه وحرده، فأعاد حساباته وقرّر بعناوين ملتوية الالتحاق بالموسم، فيما وزير دفاعه بات لا يستبعد المشاركة في قصف إيران. حتّى الرئيس الفرنسيّ حرّك حاملة الطائرات الوحيدة (شارل ديغول) للنهل من مواعيد القطاف.

إقرأ أيضاً: يوم أدرك المرشد نذير “الطّوفان” على إيران..

اعتادت واشنطن، على الأقلّ في أمثلة حرب تحرير الكويت (1991) وحربَيْ أفغانستان (2001) والعراق (2003)، بناء التحالفات الدوليّة قبل الحرب. هذه المرّة تتدافع البلدان المعنيّة واحدة تلو أخرى، بعد دلال وتمنّع، لتكون جزءاً من “زلزال” تجد لها في ما بعده المكان والمكانة والدور والحصص المتاحة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

ذاكرة الأزمات تركي الفيصل يحذّر من “3 أجندات كارثيّة”

في مقابلة مع الإعلاميّة كريستيان أمانبور “CNN”، قدّم الأمير تركي الفيصل “الخزان العميق لذاكرة الحروب الشرق أوسطيّة والحافظ لمسارات الرئاسات الأميركيّة تجاه المنطقة” تصوّراً نادراً…

هل ينقذ لبنان التّمثيل الوزاريّ في التّفاوض؟

سيعود لبنان إلى الدوّامة نفسها من الألاعيب الإيرانيّة، كما حصل عام 2024 إبّان المحاولات الأميركيّة والفرنسيّة لوقف الحرب عليه. ستكون الحصيلة المزيد من الدمار والقتل…

يوم أدرك المرشد نذير “الطّوفان” على إيران..

تهيّب المرشد الإيرانيّ علي خامنئي باكراً عمليّة “طوفان الأقصى” التي نفّذتها حركة حماس في غزّة، بقيادة محمد الضيف، في 7 تشرين الأوّل 2023. ظهر ذلك…

رسالة الصّاروخ: جسّ نبض تركيا أم انتحار إيرانيّ؟

لم تغيّر حادثة إسقاط صاروخ إيرانيّ كان يقترب من الحدود الجنوبيّة لتركيا قواعد الاشتباك بين البلدين، لكنّها كشفت النقاب عن الوضع الإقليميّ الهشّ والقابل للانفجار…