تهيّب المرشد الإيرانيّ علي خامنئي باكراً عمليّة “طوفان الأقصى” التي نفّذتها حركة حماس في غزّة، بقيادة محمد الضيف، في 7 تشرين الأوّل 2023. ظهر ذلك جليّاً بعد أسابيع، حين سرّبت طهران خبراً بشأن اللقاء الذي جمع المرشد مع رئيس المكتب السياسيّ للحركة إسماعيل هنيّة. كان ذلك في الأوّل من تشرين الثاني من العام نفسه. أراد رأس السلطة في الجمهوريّة الإسلاميّة إعلان التبرّؤ من إثم “الطوفان” بارتجال ركيك غير مقنع.
نقلت وكالة “رويترز” حينها، اعتماداً على “3 مسؤولين إيرانيّين كبار”، أنّ المرشد أنّب ضيفه “المُستدعى”، آخذاً على تنظيمه عدم إبلاغ إيران بخططه، مضيفاً الإعلان خلال الجلسة نفسها أنّ إيران لن تدخل الحرب نيابة عن “حماس”.
نفت الحركة الفلسطينيّة تلك الحكاية، من دون أن يصدر أيّ نفي عن طهران ومنابرها. جاء موقف المرشد ليرفد مواقف إيرانيّة عديدة تصدّرتها تصريحات لوزير الخارجيّة الإيرانيّ آنذاك حسين أمير عبداللهيان تركّز على “لازمة” أنّ إيران لا علاقة لها بـ”الطوفان”، حتّى إنّ الوزير الراحل راح يجوب العواصم المعنيّة، ومنها بيروت، ملوّحاً بقدرة بلاده على تهدئة الجبهات والتوسّط لإيقاف الحرب.
التّبرئة من الإثم
برّأ المرشد نفسه وبلاده من ذلك “الإثم”، ساعده في ذلك موقف صدر من واشنطن على لسان الوزير الأميركيّ داخل الإدارة الديمقراطيّة، أنتوني بلينكن. تبرّع الأخير في اليوم التالي لـ”الطوفان” بالقول إنّ بلاده لا تملك معلومات تسمح باتّهام إيران بعملية “القسّام” ضدّ غلاف غزّة. وكان مستغرباً حينها استعجال بلينكن تبرئة إيران قبل انتظار أيّة تحقيقات أو معلومات لأجهزة الاستخبارات الأميركيّة.
لم يتّخذ الأمين العامّ لـ”الحزب” الراحل السيّد حسن نصرالله قرار بدء حزبه عمليّة “إسناد” غزّة في اليوم التالي لـ”الطوفان” إلّا بناء على أوامر إيرانيّة
بدا أنّ المرشد كان حريصاً على تأكيد عدم إيرانيّة الحدث في غزّة. باشرت منابر إيران الرسميّة الحديث عن استقلاليّة “المحور” وأذرعه. حتّى إنّ إيعازاً إيرانيّاً دفع حركة حماس إلى إعلان أنّ دوافع وحيثيّات عمليّة “القسّام” فلسطينيّة وقرارها فلسطينيّ، وأنّ “كلّ أعمال المقاومة الفلسطينيّة تأتي ردّاً على وجود الاحتلال، وعدوانه المتواصل على الشعب الفلسطينيّ ومقدّساته”. مع ذلك لم يكن ذلك مقنعاً.
لم يتّخذ الأمين العامّ لـ”الحزب” الراحل السيّد حسن نصرالله قرار بدء حزبه عمليّة “إسناد” غزّة في اليوم التالي لـ”الطوفان” إلّا بناء على أوامر إيرانيّة واضحة. قبل اغتياله وبعده، لا سيما بعد استنتاج نكبة ذلك “الإسناد”، راج كثير من الروايات بشأن اضطرار نصرالله إلى مجاراة قيادته في طهران، وعدم ارتياحه للمشاركة في معركة فُرض توقيتها من “القسّام” في غزة. راجت أيضاً تقارير أنّ فكرة “الطوفان” كانت إيرانيّة، لكن على أن يجري تفعيلها بمشاركة كلّ “الساحات” في اللحظة التي يتعرّض فيها نظام الجمهوريّة الإسلاميّة لخطر وجوديّ.
ممارسات صبيانية..
بدا أنّ تهيّب المرشد كان صوريّاً. لم تتموضع الدولة الإيرانيّة وفق ما يعنيه “الطوفان” بالنسبة لمستقبل المنطقة وإيران. حدث أنّ طهران ومرشدها أرادا كالمعتاد اللعب على كلّ الحبال المتوافرة: دعم غزّة، “إسنادها” من بيروت، رفدها في البحر الأحمر من اليمن، وفي الوقت نفسه النأي بالنفس عن توقيت غزّيّ وتقديم توقيت إيرانيّ تقترح به طهران نفسها وسيطاً لتهدئة جبهات كانت وراء إشعالها. كان واضحاً أنّ طهران فقدت البوصلة وانخرطت في تمارين صبيانيّة لا ترقى إلى مستوى سلوك الدول وفلسفة مصالحها.
بدا أنّ المرشد كان حريصاً على تأكيد عدم إيرانيّة الحدث في غزّة
كان بإمكان إيران أن تدرك هول التحوّلات وتعيد برشاقة التموضع وفقها. فعلت ذلك برشاقة إثر عمليّة 11 أيلول من عام 2001. واكبت الغضب الأميركيّ، جارته وانخرطت فيه متواطئة وشريكة في إسقاط نظام طالبان في أفغانستان على حدودها الشرقيّة ونظام صدّام حسين في العراق على حدودها الغربيّة. صارت طهران عاصمة مرغوبة من قبل المنظومة الغربيّة، ومشروع تحالف مضادّ لعواصم السنّة، بعدما هاجم إرهابيّون سنّة أميركا ومسّوا كرامة الولايات المتّحدة.
إيران شاخت
لكنّ إيران شاخت. تراجعت رشاقتها وانخفضت مستويات الحذق السياسيّ فيها. زادت إيران ومرشدها حشر الذات بخطاب عقائديّ يقرأ العالم من نصوص قديمة. بدا تقرّبها من العالم العربيّ اصطناعيّاً غير مقنع. لم يكن سهلاً طيّ صفحة من حملات التحريض على دول المنطقة، وأكثرها لأسباب طائفيّة، والتحوّل إلى خطاب المودّة والتضامن والتعاون. احترمت السعوديّة، ومعها دول المنطقة، “اتّفاق بكين” لعام 2023، والتزمته إيران أيضاً لتفضح في الساعات الأخيرة حجم ذلك النفاق بصبّ أحقادها الناريّة على بلدان خليجيّة لم تسمح للقواعد الأميركيّة فيها بأيّ أنشطة معادية لإيران.
تهيّب المرشد الإيرانيّ علي خامنئي باكراً عمليّة “طوفان الأقصى” التي نفّذتها حركة حماس في غزّة، بقيادة محمد الضيف
صباح اليوم الأخير لحرب الأيّام الـ12 في حزيران الماضي، أطلّ دونالد ترامب ليُظهر، أمام إعلام العالم مباشرة، غضبه من إرسال إسرائيل مقاتلات لضرب “هدف ثمين” في إيران ما كان من شأنه الإطاحة بوقف إطلاق النار المعلن، وطالب نتنياهو باستدعاء مقاتلاته فوراً. بعد أشهر، وفي علامة على ضيق من مرشد إيران، قال ترامب: “تذكّر أني أنقذتك من الموت”.
باشرت واشنطن حربها من اللحظة التي انتهت بها في حزيران. فرضت معلومات ثمينة لقتل المرشد توقيتها لبدء ما قال ترامب إنّه “عمليّة” تستهدف نظام الوليّ الفقيه الذي غاب منذ الضربة الأولى. فيما أمعن عراقجي بعد ساعات من بدء الهجوم في الحديث عن تكرار حججه الممجوجة بشأن البرنامجين النوويّ والصاروخيّ، بدا أنّ هدف الحرب تجاوز ذلك، وبات مطلوباً تغيير سلوك رأس أو قطعه. قد يستغرق الأمر كثيراً من الوقت والدم والدمار، لكنّ نظام طهران آيل إلى الاندثار. عرف المرشد الراحل أنّه قدر حتميّ منذ صادر “طوفان” غزّة طموحات إيران إلى صناعة طوفانها.
