التكنولوجيا تنتصر على الأيديولوجيا..

مدة القراءة 6 د

لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو بحجم الجيوش، بل بقدرة الدول على تسخير التكنولوجيا والبيانات في إدارة المعركة. في المواجهة الحاليّة مع إيران، تبدو الصورة وكأنّها صراع بين سلاطين مختلفين: أيديولوجية سياسيّة – دينيّة ترى الحرب صراعاً طويل النفس، في مقابل تكنولوجيا متقدّمة تسعى إلى حسم سريع ودقيق.

 

منذ قيام الجمهوريّة الإسلاميّة، بنت طهران استراتيجيّتها الإقليميّة على عقيدة سياسيّة – أمنيّة – دينيّة تقوم على تصدير النفوذ عبر شبكة من الحلفاء والفاعلين، مستغلّة عقيدة التشيّع للتجنيد، على مبدأ الصبر الاستراتيجيّ وحروب الاستنزاف. غير أنّ المواجهة العسكريّة الأخيرة كشفت أنّ خصوم إيران، وعلى رأسهم الولايات المتّحدة وإسرائيل، يراهنون على معادلة مختلفة تماماً: التفوّق التكنولوجيّ واستخدام الذكاء الاصطناعيّ لتسريع العمليّات العسكريّة وتحديد الأهداف بدقّة غير مسبوقة.

بهذا المعنى، لا تدور المواجهة الحاليّة فقط في سماء الشرق الأوسط أو مياهه، بل أيضاً داخل غرف العمليّات الرقميّة، حيث تُدار المعركة بواسطة “الخوارزميّات” بقدر ما تُدار بواسطة الطائرات والصواريخ.

حرب تُدار بالخوارزميّات

أحد أبرز مظاهر هذا التحوّل هو استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعيّ لتحليل البيانات الاستخباريّة الصادرة عن الأقمار الصناعيّة والطائرات المسيّرة ووسائل التنصّت الإلكترونيّ. في قلب هذه المنظومة يقف برنامج Project Maven، الذي طوّرته وزارة الدفاع الأميركيّة بهدف تسريع تحليل الصور والبيانات العسكريّة باستخدام تقنيّات التعلّم الآليّ. بدأ البرنامج أساساً كمشروع لتحليل صور الطائرات المسيّرة، لكنّه تطوّر تدريجاً ليصبح منصّة متكاملة قادرة على دمج البيانات من مصادر متعدّدة وتقديم صورة عمليّاتيّة شبه فوريّة لساحة المعركة.

تكمن المفارقة في هذه المواجهة في أنّ إيران لا تخوض الحرب وفق المنطق التكنولوجيّ نفسه

الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ يدخل ساحة القتال

التطوّر الأكثر لفتاً للنظر في الحرب الحاليّة هو إدخال نماذج الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ إلى هذه المنظومة. أشارت تقارير صحافيّة، بينها تقارير لصحيفة “واشنطن بوست”، إلى استخدام نموذج الذكاء الاصطناعيّ Claude ضمن منظومة التحليل العسكريّ المرتبطة بـ Maven.

يقوم هذا النظام بمساعدة المحلّلين العسكريّين على معالجة كميّات ضخمة من المعلومات بسرعة كبيرة، وربط البيانات المختلفة لاستخلاص أنماط وتحليلات عمليّاتيّة تساعد القادة العسكريّين على اتّخاذ القرار.

إيران

أصبح الذكاء الاصطناعيّ بذلك جزءاً ممّا يسمّيه العسكريّون “سلسلة القتل” (Kill Chain)، أي المراحل التي تبدأ باكتشاف الهدف، مروراً بتحليل البيانات وتقويم التهديد، وصولاً إلى تنفيذ الضربة. في حين كان تحليل المعلومات الاستخباريّة يستغرق في السابق ساعات طويلة أو أيّاماً من العمل البشريّ، تستطيع “الخوارزميّات” اليوم القيام بجزء كبير من هذه العمليّة خلال دقائق.

الميزة الأساسيّة لهذه الأنظمة هي تسريع وتيرة العمليّات العسكريّة بشكل غير مسبوق. القوّة التي تستطيع تحليل البيانات بسرعة أكبر تصبح قادرة على تحديد الأهداف وضربها قبل أن يتمكّن الخصم من إعادة تنظيم دفاعاته.

في العمليّات الأخيرة، ساعدت هذه المنظومات على ترتيب أولويّات عدد كبير من الأهداف خلال فترة زمنيّة قصيرة، سامحةً بتنفيذ ضربات متتابعة بدقّة عالية. يعني هذا التحوّل أنّ التفوّق العسكريّ لم يعد مرتبطاً فقط بامتلاك السلاح، بل بامتلاك القدرة على معالجة المعلومات واتّخاذ القرار بسرعة الخوارزميّات.

تراهن إيران على الزمن السياسيّ أكثر ممّا تراهن على التفوّق التكنولوجيّ

أيديولوجية الزّمن الطّويل

تكمن المفارقة في هذه المواجهة في أنّ إيران لا تخوض الحرب وفق المنطق التكنولوجيّ نفسه. تقوم استراتيجية طهران منذ سنوات على مبدأ مختلف: حرب طويلة النفس تقوم على الاستنزاف وتعدّد الجبهات. بدلاً من السعي إلى تفوّق عسكريّ تقليديّ، ركّزت إيران على بناء شبكة إقليميّة من الحلفاء واستخدام أدوات غير متماثلة مثل الطائرات المسيّرة المنخفضة الكلفة والصواريخ البالستيّة والحروب غير المباشرة.

بهذا المعنى، تراهن إيران على الزمن السياسيّ أكثر ممّا تراهن على التفوّق التكنولوجيّ. ترى الصراع باعتباره مواجهة طويلة يمكن من خلالها إنهاك الخصوم سياسيّاً واقتصاديّاً. هنا تحديداً يظهر التناقض الجوهريّ في هذه الحرب: أيديولوجية تراهن على الصبر والاستنزاف في مواجهة تكنولوجيا تسعى إلى الحسم السريع.

لكنّ إدخال الذكاء الاصطناعيّ إلى العمليّات العسكريّة لا يغيّر فقط طبيعة هذه الحرب، بل يفتح الباب أمام سباق تسلّح عالميّ جديد. قد تصبح القدرة على تطوير الخوارزميّات العسكريّة وتحليل البيانات في المستقبل عاملاً حاسماً في ميزان القوّة بين الدول، وربّما أكثر تأثيراً من عدد الطائرات أو الصواريخ.

لهذا السبب تستثمر القوى الكبرى اليوم، من الولايات المتّحدة إلى الصين وروسيا وإسرائيل، مليارات الدولارات في تطوير منظومات عسكريّة تعتمد على الذكاء الاصطناعيّ.

ما يعنيه ذلك للشّرق الأوسط

قد يكون الشرق الأوسط أحد أوّل ميادين اختبار هذا التحوّل. اعتمدت الحروب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية بدرجة كبيرة على الصواريخ والميليشيات والحروب غير التقليديّة. لكنّ دخول الذكاء الاصطناعيّ إلى ساحة القتال غيّر قواعد اللعبة. قد تكتسب الدول التي تمتلك القدرة على تطوير الأنظمة التكنولوجيّة المتقدّمة تفوّقاً كبيراً على خصوم يعتمدون على أدوات عسكريّة تقليدية أو غير متماثلة.

في هذا السياق، قد تجد إيران نفسها أمام تحدٍّ استراتيجيّ جديد: كيف يمكن مواجهة خصم يمتلك تفوّقاً تكنولوجيّاً متزايداً فيما لا تزال استراتيجيّتها تقوم أساساً على أدوات الحرب غير المتماثلة؟

مهما كانت نتائج المواجهة الحاليّة، يبدو أنّ درسها الأبرز يتجاوز حدود إيران أو الشرق الأوسط

مهما كانت نتائج المواجهة الحاليّة، يبدو أنّ درسها الأبرز يتجاوز حدود إيران أو الشرق الأوسط. تكشف الحرب عن انتقال العالم إلى مرحلة جديدة من الصراعات، حيث تلعب البيانات و”الخوارزميّات” دوراً لا يقلّ أهميّة عن الطائرات والصواريخ. في هذا العالم الجديد، قد لا يكون السؤال الأساسيّ من يمتلك السلاح الأقوى، بل من يمتلك “الخوارزميّة” الأذكى.

إقرأ أيضاً: هل ينقذ الرّهان على الوقت النّظام الإيرانيّ؟

هكذا تكشف الحرب الحاليّة مع إيران عن معادلة قد تحدّد طبيعة الصراعات في السنوات المقبلة: أيديولوجية للصمود… وتكنولوجيا للحسم السريع.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

الشّرق الأوسط في حضرة المجهول

في السباق المحموم بين الصفقة والحرب، نجح العقائديّون في تل أبيب وواشنطن في وأد الصفقة قبل أن تولد، وفتحوا آخر أبواب الجحيم في طهران. قتلت…

من ينتحل صفة المقاومة؟

ليس مستغرباً انضمام “الحزب” إلى إيران في حربها الدفاعيّة الوجوديّة بعد يومين فقط من بدء الحرب الأميركيّة- الإسرائيليّة عليها. لكنّ الأعجب هو صبره الاستراتيجيّ طوال…

“الأمن الخليجيّ” إلى الرّدع المتوازن

وأخيراً، بعد أن أكد المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش أنّ صوت المنطقة هو صوت الهدوء والعقلانية وأنّ المنطقة لا تحتاج حقاً إلى حرب…

جنوب لبنان غزّة أخرى… بفضل “الحرس الثّوريّ”!

إذا كانت “حرب إسناد غزّة” أدّت إلى عودة الاحتلال الإسرائيليّ إلى جنوب لبنان، فإنّ الحرب الجديدة التي قرّر “الحرس الثوريّ” الإيرانيّ خوضها انطلاقاً من جنوب…