هيكل سري لسلطة خامنئي لضمان ديمومة نظامه

مدة القراءة 8 د

أين المرشد الأعلى؟” يتكرّر هذا السؤال في ظل تصاعد التوترات وبدء المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران والولايات المتحدة الاميركية.

 

في الأشهر الأخيرة، قلّ ظهور آية الله علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عاماً، في العلن بشكل ملحوظ، كما عزّزت تقارير تشير إلى أنه قد يكون يعمل من مواقع آمنة تحت الأرض من حدّة التكهنات. ويرى بعض المراقبين في الغرب أنّ هذا التراجع في الظهور دليل على الخوف أو الهشاشة أو حتى احتمال وجود فراغ قيادي، لا سيما بالنظر إلى أسلوبه السلطوي المباشر تقليدياً.

غير أنّ الواقع أكثر تعقيداً، وفقاً لدراسة حديثة عن “البيت” (مكتب المرشد الأعلى)، أحد أقوى مؤسسات الجمهورية الإسلامية لكن الأقل فهماً، صدرت عن منظمة متحدون ضد إيران النووية (UANI)، وهي منظمة غير ربحية وغير حزبية تُعنى بالسياسات، تأسست لمكافحة التهديدات التي تُشكّلها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويضم مجلسها الاستشاري المتنوع خبراء في السياسات ومسؤولين حكوميين سابقين بارزين.

في هذه الدراسة، التي تُعتبر أول دراسة شاملة باللغة الإنجليزية، يكشف الباحثان سعيد غولكار، وهو مستشار أول في المنظمة، وكسرى عرابي، وهو مدير أبحاث الحرس الثوري الإسلامي فيها، النقاب عن “البيت”، المركز العصبي الخفي للجمهورية الإسلامية، مُظهرَين شبكة الظل من الأفراد والمكاتب والمؤسسات في قلب النظام الإسلامي، ويوردان تفاصيل لم تكن معروفة سابقاً إلا لأجهزة الاستخبارات.

استندت الدراسة إلى مصادر فارسية أصلية وأولية، بما في ذلك مواد تم الحصول عليها من داخل النظام، وتتناول الأصول التاريخية للبيت، وتكشف بنيته المعقدة والسرية وأفراده، وتوضح كيف يضمن سيطرة المرشد الأعلى على المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية في إيران، كما تدرس دوره خلال حرب الأيام الاثني عشر وبعدها.

غياب خامنئي، الذي يمسك بالسلطة المطلقة في الجمهورية الإسلامية، أثار تكهنات بظهور فراغ في اتخاذ القرار داخل إيران

وعن السؤال المتكرر، “أين المرشد الأعلى؟”، يرى الباحثان أنه لا ينبغي مساواة غياب المرشد الأعلى عن الساحة العامة بتراجع سلطته، بل إن سلطته لا تزال تُمارَس من خلال شبكة واسعة من المؤسسات والوسطاء الموالين له، الذين يعملون في الغالب خلف الأبواب المغلقة، مما يسمح له بالحفاظ على سيطرته، بل وتوطيدها، على الهياكل الأمنية والسياسية الأساسية للنظام، على الرغم من تصاعد التهديدات الخارجية.

خامنئي

ويعتبر الباحثان أنّ المخاوف من الاغتيال قد أثّرت في الحضور العلني لخامنئي، بعد وقت قصير من بدء إسرائيل عمليات عسكرية محددة الأهداف ضد شخصيات بارزة في النظام وبنى تحتية استراتيجية في يونيو/حزيران 2025. ويشيران إلى تقارير تفيد بأنه نُقل إلى ملجأ آمن، وبقي بعيداً إلى حد كبير عن الحياة العامة والسياسية لما يقارب ثلاثين يوماً، وهي فترة اتسمت بأهمية بالغة للجمهورية الإسلامية. ومنذ ذلك الحين، باتت إطلالاته أقل تكراراً وأكثر إحكاماً في إدارتها، في ظل الحرب وما رافقها من تهديدات لحياته، بل وحتى احتمالات اختطافه في بعض التعليقات، مع مقارنات بسيناريوهات طُرحت سابقاً بشأن الرئيس الفنزويلي نيكولا مادورو.

كما تفيد الدراسة أنّ إقامة خامنئي المطوّلة في ملاجئ تحت الأرض حملت تبعات رمزية داخل إيران، فقد أطلق عليه بعض الإيرانيين لقباً ساخراً هو “موشيه علي” (Moushe-Ali)، أو “الفأر علي”، في إشارة تهكمية إلى التصور بأنه يختبئ من الخطر بدل مواجهته علناً. وهذا الوصف، الذي يتداول أساساً في الأوساط غير الرسمية والمعارضة، يعكس كيف يمكن للغياب عن الأنظار أن يُشكّل السرديات الشعبية والسخرية السياسية، حتى وإن بقيت السلطة الرسمية على حالها.

 تفيد الدراسة أنّ إقامة خامنئي المطوّلة في ملاجئ تحت الأرض حملت تبعات رمزية داخل إيران، فقد أطلق عليه بعض الإيرانيين لقباً ساخراً

وبحسب الدراسة، فإن غياب خامنئي، الذي يمسك بالسلطة المطلقة في الجمهورية الإسلامية، أثار تكهنات بظهور فراغ في اتخاذ القرار داخل إيران، وذهبت تقارير غربية إلى أنّ هذا الوضع الجديد قد يقود إلى تحول جذري في نهج صنع السياسات وإعادة ترتيب داخل النخبة الحاكمة. فقد قالت مجلة The Economist بجرأة إن سلطة خامنئي “تتضاءل” نتيجة “تلاشيه في الظلال”، كما زعمت صحيفة The New York Times أنّه في غيابه “كان السياسيون والقادة العسكريون يشكّلون تحالفات ويتنافسون على السلطة”، وأشارت إلى أنّ حضوره المتراجع قد يشجّع مجموعات أو فصائل أخرى داخل النظام. ومؤخراً، زعم حساب على منصة “إكس” منسوب إلى الموساد أنّ قياديين في الحرس الثوري الإيراني، هما اللواء محمد باكبور واللواء السابق محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني حالياً، “يتخذان قرارات” بمعزل عن خامنئي.

وتشير الدراسة إلى تطورات ملموسة عززت هذه التكهنات، من بينها تعيين علي لاريجاني، المحافظ التقليدي المعروف لكثير من الدبلوماسيين الغربيين، أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، وإنشاء مجلس دفاع جديد. كما شملت هذه التطورات تغيّراً في خطاب بعض النخب، مثل دعوة حسن روحاني، للمرة الأولى، إلى وقف مؤقت لتخصيب اليورانيوم، فضلاً عن تصريحات حديثة لوزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف تدعو إلى “نهج جديد قائم على إصلاح داخلي” والتفاوض المرتبط بوقف التخصيب.

لكن لا ينبغي، وفقاً للباحثين غولكار وعرابي، تضخيم هذه المؤشرات باعتبارها دليلاً على تغيير جوهري في هيكل السلطة داخل الجمهورية الإسلامية، فالحقيقة أكثر دقة وتعقيداً. إذ تواصل شبكة كثيفة وموالية العمل خلف الكواليس لحماية سلطة المرشد الأعلى، وضمان بقاء قبضته على النظام راسخة، حتى عندما يقلّ ظهوره في الساحتين العامة والسياسية.

في الأشهر الأخيرة، قلّ ظهور آية الله علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عاماً، في العلن بشكل ملحوظ

ويوضحان أنّه، على مدى أكثر من ثلاثة عقود، كان “بيت القيادة”، المعروف أيضاً باسم “البيت”، أي مكتب المرشد الأعلى، الكيان الأهم في عملية صنع القرار داخل الجمهورية الإسلامية. وعلى الرغم من مركزيته وكثرة الإشارات إليه من قبل المراقبين الإيرانيين، فإن المعلومات العلنية حول هذه المؤسسة السرية والمعقدة نادرة بشكل لافت، كما أنّ الاهتمام الأكاديمي بها محدود نسبياً. وبجذوره الممتدة في العقيدة الدينية، أتاح “البيت” لخامنئي ليس فقط التأثير في كل قرار رئيسي، بل أيضاً تخصيص مفاصل القوة الأساسية في مختلف أنحاء الجمهورية الإسلامية. وخلافاً لما يبدو على السطح، فمنذ حرب الأيام الاثني عشر، وبالرغم من أنّ المرشد الأعلى نفسه قد يكون غائباً عن المشهدين العام والسياسي، فإنه يمارس السلطة عبر “بيته”، الذي لم يزدد إلا إحكاماً لقبضته الحديدية على النظام.

*منظمة “متحدون ضد إيران النووية” (UANI) *هي منظمة غير ربحية وغير حزبية تأسست لمكافحة التهديدات التي تُشكلها الجمهورية الإسلامية الإيرانية. يضم مجلسها الاستشاري المتنوع خبراء في السياسات ومسؤولين حكوميين سابقين بارزين. “تُعنى بتوعية الجمهور وصناع القرار وقطاع الأعمال حول الخطر الذي يُمثله النظام الإيراني، وتُصمم برامج لضمان عزله اقتصادياً ودبلوماسياً إلى أن يتخلى عن سعيه لامتلاك أسلحة نووية، ودعمه للإرهاب، وزعزعته للاستقرار الإقليمي، وانتهاكاته لحقوق الإنسان.

* سعيد غولكار مستشار أول في المنظمة وأستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية بجامعة تينيسي في تشاتانوغا. حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة طهران عام 2008، وانتقل إلى الولايات المتحدة عام 2010. شغل غولكار مناصب بحثية وتدريسية في مؤسسات مرموقة مثل جامعة ستانفورد وجامعة نورث وسترن. تكمن خبرته في السياسة الدولية والمقارنة، مع التركيز على الأنظمة الاستبدادية، لا سيما في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يُعرف أيضًا بخبرته في شؤون ميليشيا الباسيج والحرس الثوري الإسلامي. حاز كتابه “المجتمع الأسير: ميليشيا الباسيج والسيطرة الاجتماعية في إيران ما بعد الثورة” (منشورات جامعة كولومبيا، 2015) على الميدالية الفضية من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

إقرأ أيضاً: المهمّة الدينيّة للسّفير الأميركيّ في إسرائيل

*كسرى عرابي هو مدير أبحاث الحرس الثوري الإسلامي في المنظمة وهو متخصص في الأمن العسكري الإيراني، وجهاز الاستخبارات، بالإضافة إلى التطرف الشيعي. شغل سابقاً منصب رئيس برنامج إيران في معهد توني بلير للتغيير العالمي، ومستشاراً لشؤون إيران لدى الرئيس التنفيذي، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير. كان أيضًا باحثًا غير مقيم في معهد الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة. يُستعان بكاسرا بانتظام كمستشار من قبل الحكومات وصناع السياسات والمسؤولين العسكريين والمنظمات غير الحكومية. وقد أدلى بشهادته بشأن إيران أمام العديد من البرلمانات، وهو كاتب دائم في وسائل الإعلام الدولية.

 

للاطلاع على الدراسة كاملة: إضغط هنا

مواضيع ذات صلة

بترايوس يحذّر: ضربة إيران ليست نزهة

حذّر قادة عسكريّون أميركيّون سابقون من المخاطر التي قد تواجه القوّات الأميركيّة والقوى الحليفة لها في المنطقة إذا أعطى الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الضوء الأخضر…

الحمام المسيّر أحدث أسلحة بوتين ضدّ أوكرانيا

يُتوقّع أن تضُمّ روسيا “طيور الحمام” إلى ترسانتها المتنامية من الأسلحة غير التقليديّة في ساحة المعركة الأوكرانيّة، وأن تستخدمها لأغراض التجسّس والعمل العسكريّ، لا سيما…

قلق إسرائيليّ من شبكات “سنّيّة” للحرس الثوري في الجنوب

تشهد الساحة الجنوبيّة في لبنان تحوّلات لافتة تعيد رسم ملامح المشهدين الأمنيّ والسياسيّ على الحدود مع إسرائيل. إلى جانب “الحزب”، الذي لطالما شكّل العنوان الأبرز…

كسر قبضة طهران على بغداد: 3 سّيناريوهات للعراق

يرى ضابطان أميركيّان متقاعدان خدما في بغداد أنّ سقوط النظام الإيرانيّ، إن حدث، سيحمل للعراق مخاطر جسيمة وفرصاً تاريخيّة في آنٍ واحد. إذ قد يفتح…