أثارت المسوّدة الأولى لمشروع الدستور المؤقّت لدولة فلسطين جدلاً واسعاً على المستويات القانونيّة والدستوريّة والسياسيّة، عقب نشرها للرأي العامّ لاستقبال الملاحظات عليها لمدّة 60 يوماً.
تتألّف المسوّدة، التي تمّ الاطّلاع عليها، من ديباجة و13 باباً و162 مادّة. نصّت الديباجة على أنّ الدستور يستند إلى فلسفة وثيقة إعلان الاستقلال لعام 1988، ويهدف إلى احترام قرارات الأمم المتّحدة ومبادئ القانون الدوليّ وحقوق الإنسان.
يستعرض الباب الأوّل “الأحكام العامّة” المبادئ الأساسيّة، بما في ذلك اعتبار فلسطين جزءاً من الوطن العربيّ، واعتماد نظام حكم جمهوريّ ديمقراطيّ قائم على فصل السلطات، واختيار القدس عاصمةً للدولة، والإسلام ديناً رسميّاً مع احترام باقي الديانات.
إلّا أنّ غياب تحديد حدود الدولة الفلسطينيّة وعدم وضوح وجودها الفعليّ على الأرض يشيران إلى أنّ الهدف الأساسيّ لم يكن تشريع دستور لدولة مستقلّة قائمة فعليّاً، بل تقديم وثيقة تتواءم مع الضغوط الخارجيّة.
أثارت المسوّدة الأولى لمشروع الدستور المؤقّت لدولة فلسطين جدلاً واسعاً على المستويات القانونيّة والدستوريّة والسياسيّة
حازت الموادّ المتعلّقة بالرئاسة، ولا سيما الموادّ 74 و79 و84، اهتمام الخبراء، إذ عُدِّلت مدّة الرئاسة إلى خمس سنوات، ومُنح الرئيس حقّ تعيين نائب له وتحديد مهامّه وإعفائه، إضافة إلى صلاحيّة حلّ مجلس النوّاب التي أثارت مخاوف جدّيّة من تمركز السلطة بشكل مفرط في يد الرئيس. أمّا في ما يتعلّق بالحقوق والحرّيات العامّة فقد لوحظ غياب التأكيد الصريح لحقّ العودة للّاجئين الفلسطينيّين، وعدم التطرّق إلى مناهضة عقوبة الإعدام على الرغم من الالتزامات الدوليّة، إلى جانب غياب تحديد مواعيد الانتخابات في المادّة 17، وهو ما يخلق فراغاً دستوريّاً يعكس استمرار التحكّم السياسيّ.
في الباب الثالث، الذي يتعلّق بالنظام السياسيّ وصلاحيّات الرئيس، يبرز تركيز واضح على تمكين الرئيس من سلطات واسعة، بما يعزّز قدرته على إدارة الشأن السياسيّ دون رقابة حقيقيّة من البرلمان أو المجتمع المدنيّ. وفي الأبواب من الرابع إلى السادس، الخاصّة بالسلطة التشريعيّة والقضائيّة والتنفيذيّة، يُلاحظ غياب الفصل الكامل بين السلطات الثلاث، وعدم وضوح العلاقة بين الحكومة والسلطة الفلسطينيّة ومنظّمة التحرير، وهو ما يجعل الوثيقة أقرب إلى أداة لإدارة السلطة القائمة.
من الأبواب السابعة إلى التاسعة المتعلّقة بالانتخابات والحرّيات العامّة والدفاع والأمن، لوحظ غياب نصوص تفصيليّة تكفل حماية حقوق المواطنين والأقليّات، وعدم وضع جداول زمنيّة دقيقة للانتخابات، إلى جانب غموض تنظيم العلاقة بين مؤسّسات الدولة والأجهزة الأمنيّة.
أمّا البابان العاشر والحادي عشر، الخاصّان بالإدارة المحليّة والتعديلات الدستوريّة، فقد منحا الرئيس أولويّة اقتراح التعديلات الدستوريّة دون اشتراط استشارة الشعب، بما يقيّد المشاركة الشعبيّة ويعزّز هيمنة السلطة التنفيذيّة.
لم تحدّد المسوّدة في البابين الثاني عشر والثالث عشر بدقّة آليّات إدارة شغور المنصب الرئاسيّ أو حالات الإقالة، إذ تنصّ المادّة 162 على اعتماد الدستور عبر استفتاء شعبيّ، وهو ما يثير تساؤلات عن مدى توافق ذلك مع المعايير الدوليّة، ولا سيما في ظلّ الاحتلال والضغوط الخارجيّة. يبرز أيضاً تساؤل جوهريّ عن المرجعيّة الدستوريّة العليا للشعب الفلسطينيّ، وعن استمرار منظّمة التحرير والمجلس الوطنيّ بكونهما المرجعيّة السياسيّة العليا للدولة.
قال الدكتور رشاد توام، أستاذ القانون الدستوريّ، إنّ مسوّدة الدستور المؤقّت لدولة فلسطين جاءت بصياغات إيجابيّة في كفالة الحقوق والحرّيات. وهو أمر لا بدّ من الإشارة إليه بداية، إنصافاً لجهد اللجنة. ولكن مع ذلك يصعب غضّ الطرف عن حقيقة تشكيلها بسلطة منفردة من الرئيس، وبدون حوار وطنيّ سابق لذلك، وافتقادها بالتالي للشرعيّة الشعبيّة.
غياب تحديد حدود الدولة الفلسطينيّة وعدم وضوح وجودها الفعليّ على الأرض يشيران إلى أنّ الهدف الأساسيّ لم يكن تشريع دستور لدولة مستقلّة قائمة فعليّاً، بل تقديم وثيقة تتواءم مع الضغوط الخارجيّة
أكّد توام أنّ آليّة الاستفتاء الشعبيّ لإقرار الدستور (وفقاً لما جاء في المادّة 162/1) تحاول معالجة هذه الثغرة، لكنّها لا تحلّ المشكلة، إذ سيكون الاستفتاء على أساس “نعم” أو “لا” فقط، دون تمكين المواطنين من مناقشة التفاصيل، وغالباً ما ستستخدم أدوات تحشيد مكثّفة لتوجيه الرأي العامّ نحو التصويت بنعم. وتابع توام أنّ “إجراء الاستفتاء في الواقع ليس مؤكّداً، فالمسوّدات السابقة كانت تمنح المجلس الوطنيّ أو المركزيّ صلاحيّة إقرار الدستور، بدلاً من الاستفتاء، بداعي تعذّر إجرائه واقعيّاً. ولدى القيادة حجّة جاهزة استخدمتها عام 2021، وهي “تعذّر” إجراء الاقتراع في القدس. وأشار توام إلى أنّ الخيار الأكثر ديمقراطيّة هو انتخاب هيئة تأسيسيّة لوضع الدستور، مع إمكانيّة الاستفتاء الشعبيّ عليه لاحقاً أو حتّى بدونه.
عرض توام أبرز الملاحظات التفصيليّة على المسوّدة:
1- العلاقة بين منظّمة التحرير ودولة فلسطين: لا تزال ملتبسة وهناك تناقض بين الديباجة والمادّة 11 من جهة، والمادّة 12 التي أناطت بالدولة دوراً هو بالأساس للمنظّمة، وهو “تحقيق الاستقلال وإنهاء الاحتلال وضمان حقّ اللاجئين في العودة وفق قرارات الشرعية الدولية”، من جهة أخرى.
2- المقاومة: تحظر المسوّدة ضمنيّاً المقاومة المسلّحة بحظرها الأحزاب “ذات الطابع العسكريّ وشبه العسكريّ والسرّيّ” (المادّة 49). هذا حظر شائع ومقبول، بل مطلوب، في دساتير دول مستقلّة، لكن في السياق التحرّريّ الفلسطينيّ يتوجّب الوقوف عنده.
إقرأ أيضاً: الهزيمة والنّصر في أدبيّات حروبنا
3- نائب الرئيس: يوجد منصب بهذا المسمّى في المسوّدة (وهو المنصب الذي استُحدث في الواقع أخيراً)، لكنّه ليس منصباً ثابتاً، بل تُرك إشغاله لتقدير الرئيس الذي له “أن يعيّن نائباً له”. ولم يجر منح نائب الرئيس اختصاصات محدّدة، بل ما يكلّفه به الرئيس من مهامّ (المادّة 79/1). أمّا من يتولّى منصب الرئيس حال الشغور، فليس نائبه وإنّما رئيس مجلس النوّاب أو رئيس المحكمة الدستوريّة في حال كان مجلس النوّاب غير قائم (المادّة 79/2-3). لكنّ أحكام سدّ الشغور هذه لا تنفّذ إلّا بعد انتخاب مجلس النوّاب (المادّة 160). معنى ذلك أنّ نائب الرئيس الحاليّ، في حال صدر الدستور وشغر منصب الرئيس، بإمكانه تولّي الرئاسة حتّى انتخاب مجلس النوّاب على الأقلّ.
