“الحزب” للمعركة الأخيرة وإيران بين الاستسلام والتّصعيد

مدة القراءة 5 د

لا يناور “الحزب” حين يعلن أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم أنّه لن يبقى على الحياد في حال تعرّضت الجمهوريّة الإسلاميّة لحرب. لا خيار أمام “الحزب”. أثبت أنّه لا يملك هامشاً مستقلّاً عن قرار إيران وحرسها الثوريّ ووليّها الفقيه حين كان أمينها العامّ الراحل السيّد حسن نصرالله حيّاً يرزق، حتّى راج أنّه لم يكن راضياً عن ذلك “الإسناد” الذي أجبرته طهران عليه، فما بالك بعد غيابه وتولّي ضبّاط الحرس الثوريّ إدارة “الحزب”، والسطو الكامل على قراره العسكريّ والأمنيّ والسياسيّ وهيكله القياديّ المستحدَث.

 

لا مستقبل لـ”الحزب” كما لبقيّة أذرع إيران في المنطقة إذا سقط النظام في إيران وتقادمت تجارة تصدير ثورته. وإن كانت سياقات وظروف الفصائل في العراق وجماعة الحوثيّ في اليمن، كما يبدو، تحت سقف انضباط داخل نظام مصلحة قيد التشكّل، فـ”الحزب” في لبنان مرشّح وحده للعب دور قد يحتاج إليه “المركز” في إيران مستفيداً من “الهامش” في لبنان لردّ القدر القاتم عن إمبراطوريّة تتهاوى وتتوسّل فلولها.

لا يناور “الحزب” حين يعلن أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم أنّه لن يبقى على الحياد في حال تعرّضت الجمهوريّة الإسلاميّة لحرب

تدجين الرّأس وإخضاعه؟

“الحزب” ليس جماعة، كما في العراق واليمن وغزّة، تتلقّى الدعم والرعاية من طهران. “الحزب” هو جزء بنيويّ من هيكل النظام في إيران وأداة من أدوات الدولة هناك ضاربة في السياسة والأمن والدفاع. بمعنى آخر، ضعف إيران هو ضعف “الحزب”، لكنّ زوال نظامها هو زواله. تدرك إسرائيل هذه المعادلة، وهذا ما يفسّر توقها إلى دفع إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى رفع مستوى الضغوط الراهنة على إيران لتصل إلى نهايات ينتهي معها نظام طهران وأخطاره النوويّة والصاروخيّة، وينتهي معها “الحزب” وطبعاّ كلّ الأذرع الأخرى.

فيما قد يُشتمّ قبول أميركيّ بصفقة “تقفل” ملفّ البرنامج النوويّ (من دون ملفّي الصواريخ و”الأذرع”) تتضمّن غضّ طرف عن تخصيب رمزيّ لليورانيوم، وفيما ينقل المبعوث الأميركيّ الخاصّ ستيف ويتكوف استغراب ترامب لـ”عدم استسلام” إيران على الرغم من الضغوط الهائلة، فإنّ موجة الضربات الإسرائيليّة التي طالت عدّة مناطق في لبنان توحي بأنّ واشنطن فتحت، من خلال إسرائيل، ملفّي الصواريخ والأذرع دفعة واحدة، وأنّ الحرب ضدّ “الحزب” وحلفائه في لبنان تروم التعامل الناريّ مع عناوين إيرانيّة، وتهدف، على نحو مقلوب، إلى تدجين “الرأس” وإخضاعه من خلال استكمال القضاء على ذراعه اللبنانيّة التي لم تبخل يوماً بالولاء والعطاء لإيران على حساب لبنان واللبنانيّين، لا سيما الشيعة منهم.

تربط رواية إسرائيل ضرباتها باستعدادات “الحزب” الحثيثة لـ”معركة” إيران. أما وقد أعلن أمينه العامّ أنّه غير محايد، فإنّ إسرائيل تعتبر الأمر إخلالاً بتوازن تردّ عليه بفرض توازن مضادّ. يجري الأمر تحت رعاية واشنطن وسكوت “اللجنة الخماسيّة” المعنيّة بشؤون لبنان، وكأنّه من ضمن خارطة طريق تنخرط فيها العواصم. تشمل تلك الخارطة تجميد المسار الانتخابيّ لمصلحة الدفع بإيقاعات إنهاء الحالة الشاذّة لـ”الحزب”، وتأتي من ضمن الورشة ضدّ إيران وشرطاً من شروط وضع اللمسات الأخيرة على العقد الجديد المحتمل مع طهران.

في الأيّام الأخيرة، برزت قراءات لافتة صادرة عن خبراء في الشأن الإيرانيّ عُرفوا بقربهم من طهران، وبنبرة الإعجاب التي طبعت مقارباتهم السابقة لسياساتها

لم تنتظر القيادة الإيرانيّة انتهاء مهلة ترامب لعشرة أيّام. استبقت احتمالات عقد جلسة مفاوضات جديدة، غداً الخميس، وراحت، من خلال وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي، تلوّح بمروحة تنازلات تستدرج واشنطن للاتّفاق. توحي ملاحظة ويتكوف عن استغراب ترامب بأنّ واشنطن تبعث برسالة جديدة لطهران مفادها أنّ واشنطن تريد ذلك “الاستسلام” بالمعنى الفجّ الذي يعبّر عنه الرئيس الأميركيّ عادة، وأنّ التدخّل العسكريّ الذي يستكمل تحضيراته ما يزال خياراً جدّيّاً لتفهم طهران خطوط ترامب الحمر.

لعنة التّاريخ؟

في الأيّام الأخيرة، برزت قراءات لافتة صادرة عن خبراء في الشأن الإيرانيّ عُرفوا بقربهم من طهران، وبنبرة الإعجاب التي طبعت مقارباتهم السابقة لسياساتها. يعتبر أحد هذه التحليلات أنّ إيران تفقد البوصلة، وتسيء قراءة قواعد موازين القوى، وما تزال تخطئ في التعويل على تعب الخصم وانقلاب حساباته، وتتمسّك بتكتيكات الابتزاز والتهديد والتهويل بقدرات ثبتت محدوديّتها مهما أظهرت جدارة واختراقاً. لكنّ تحليلات أخرى صدرت عمّن كان ينظّر سابقاً للمهارة الإيرانيّة وعبقريّتها، تتشكّك في مواهب إيران في التفاوض وتنفي تماماً حنكة “صانع السجّاد” التي أُلصقت بصاحب القرار في طهران على نحو أسطوريّ واهم.

إقرأ أيضاً: هل أعدّت واشنطن نظاماً إيرانيّاً بديلاً؟

فيما تحلو لعتاة أيديولوجيّي إيران، حتّى العرب منهم (لا سيما في صفوف “الحزب”)، الدعوة إلى فهم دروس التاريخ لفهم “صمود” الجمهوريّة وعدم استسلامها، وفق ملاحظة ويتكوف، يروي لنا التاريخ نفسه كيف أنّ إنهاء حكم القاجاريّين، منذ انقلاب رضا خان عام 1921 وفرض سلالة بهلوي بديلاً، تمّ بدعم خارجيّ (بريطانيّ). ثمّ تمّ فرض محمّد رضا بهلوي بعد الإطاحة بوالده عام 1941 بدعم خارجيّ (بريطانيّ-سوفيتيّ). تمّت الإطاحة بحكومة محمّد مصدّق عام 1953 وإعادة محمد رضا شاه إلى الحكم بتدخّل خارجيّ أيضاً (بريطانيّ-أميركيّ). فيما تدخّل هذا الخارج عام 1978 بالامتناع عن دعم الشاه الحليف، في مواجهة انتفاضة الشارع، وتسهيل عودة الخميني من منفاه الفرنسيّ لحكم البلاد.

في ذاكرة الحاكمين في طهران كثير من الوقائع والدروس من تاريخ نشوء نظام الجمهوريّة الإسلاميّة، ومن تاريخ نشوء أنظمة الحكم في بلادهم في العصر الحديث، ومن تاريخ تحوّلات المنطقة في العقود الأخيرة التي طالت بلداناً وأنظمة حكم. وتخشى طهران بوجل من تلك الذاكرة ولعنة التاريخ الذي يعيد نفسه.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

السويداء: بين هيبة الدولة وحسابات الإقليم

هل ما يجري في السويداء أزمة أمنية عابرة أم منعطف سياسي يعيد رسم موقع المحافظة في الدولة السورية؟ هل تسعى دمشق إلى استعادة السيطرة الكاملة…

التحالف الخيالي لنتنياهو

حين يكون الهدف المركزي لحروب نتنياهو إلغاء الدولة الفلسطينية، فإن أقصى ما يستطيع تأجيل قيامها بعد أن بلور العالم كله مقدّماتٍ سياسيةً وعمليةً لحتمية قيامها،…

أذرع إيران لن تنجو..

هل تقع الحرب أم لن تقع؟ ثمّ هل هي حرب بين طرفين أم حرب أميركيّة على إيران؟ ثمّ لمن المصلحة الغالبة في الحرب؟ لأميركا أم…

إخفاء خامنئي مخرج لحفظ النّظام بالتّنازل؟

هل تستلحق تصريحات وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي بأنّ “التوصّل لاتّفاق مع واشنطن ما يزال متاحاً”، الخطّ البيانيّ المتصاعد لإنذارات دونالد ترامب بالحرب؟ يتوقّف الجواب…