لم تكن سلمى مرشاق، في الوعي العام، مجرد “والدة” لقمان سليم. منذ لحظة اغتياله في 4 شباط من العام 2021، تحوّلت إلى صوت موازٍ لصوته، بل إلى امتداد أخلاقي له. ففي الوقت الذي كان يُتوقّع فيه أن تنزلق إلى خطاب الثأر، أو أن تُغلق على نفسها أبواب الحزن، اختارت مساراً مختلفاً تماماً: مساءلة الجريمة لا الانتقام منها، والتساؤل عن معنى الخسارة بدل الاكتفاء بوصفها.
بهذا المعنى، كانت الراحلة آنذاك تُعيد تعريف الضحية: لا بوصفها منكسرة، بل بوصفها شاهدة. شاهدة على زمنين: زمنٍ آمن بالعلم والفكر والأخلاق، وزمنٍ يُعيد إنتاج العنف بوصفه لغة سياسية وثقافية.
في رحيلها، لا نقف فقط أمام خسارة شخصية مؤلمة، بل أمام لحظة كاشفة لمعنى أعمق يتصل بلبنان نفسه، وبفكرة الثقافة في زمنٍ يتآكل فيه المجال العام، وتضيق فيه المساحات التي كانت يوماً تتسع للاختلاف والمعنى. هذا الرحيل لا يُقرأ كخبر نعي، بل كنصٍّ سياسي ـ ثقافي مكتمل، يُضاف إلى النص الأصلي الذي بدأ يوم اغتيال لقمان سليم، ويستمر اليوم، مع غياب الأم التي تحوّلت، بهدوء نادر، إلى أحد أهم شهود هذه المرحلة.
عبارتها التي أطلقتها في دارة آل سليم بمنطقة الغبيري من الضاحية الجنوبية لبيروت: “ماذا استفادوا؟ أضاعوا طاقة كانت موجودة للبنان”، لم تكن مجرد جملة عاطفية، بل كانت تفكيكاً هادئاً لفكرة الاغتيال نفسها. فهي لا ترى في القتل انتصاراً، بل إفلاساً. ولا تعتبره تعبيراً عن قوة، بل عن عجز بنيوي عن التعايش مع المختلف. وبهذا المعنى، كانت تُعيد تعريف موقع الضحية: ليس بوصفها الطرف الأضعف، بل بوصفها الطرف الذي يمتلك القدرة على كشف خواء الجريمة.
لم تكن سلمى مرشاق، في الوعي العام، مجرد “والدة” لقمان سليم. منذ لحظة اغتياله في 4 شباط من العام 2021، تحوّلت إلى صوت موازٍ لصوته
هوية مركبة في مواجهة الانغلاق
هذا التحوّل في موقعها، من أمّ ثكلى إلى شاهدة فكرية، لم يكن طارئاً. إنه امتداد لسيرة شخصية وثقافية مركبة، تنتمي إلى ما يمكن وصفه بجيلٍ عربيٍّ تشكّل خارج الحدود الضيقة للهويات المغلقة. انتماؤها إلى “شوام مصر” ليس تفصيلاً اجتماعياً، بل مفتاحاً لفهم بنيتها الفكرية. هناك، في تلك المساحة التاريخية التي جمعت الشام بمصر، تبلورت أنماط من العيش المشترك، ومن الانفتاح الثقافي، ومن التداخل بين الديني والمدني، أنتجت شخصيات لا ترى في الاختلاف تهديداً، بل شرطاً طبيعياً للحياة.
من أبويْن مسيحيين، إلى ارتباطها برجل مسلم شيعي، إلى تربية أبنائها في بيئة مدنية علمانية، تتجسد في تجربتها فكرة الهوية المركّبة التي لا تختزل الإنسان في تعريفٍ واحدٍ. لم تكن هذه “شعارات” بالنسبة لها، بل ممارسة يومية، هادئة، غير استعراضية. وهذا بالضبط ما جعلها تنتمي إلى زمنٍ آخر: زمنٍ لم يكن يحتاج إلى الدفاع النظري المستمر عن التعدد، لأنه كان يعيش هذا التعدد كأمر بديهي.
مصر كفضاء ثقافي لا كجغرافيا
كانت حين تتحدث عن مصر، وعن حبها لها، وعن زيارتها السنوية، لا يبدو الأمر كحنين نوستالجي بسيط، بل كإقرار بدور المكان في تشكيل الوعي. مصر، بالنسبة لها، لم تكن فقط محطة جغرافية، بل فضاءً ثقافياً رحباً، ساهم في صقل شخصيتها. في المقابل، ظلّت جذورها الشامية حاضرة، لا كهوية مغلقة، بل كذاكرة. هذا التوازن بين الانتماءات، من دون صراع بينها، هو ما يجعل تجربتها نقيضاً مباشراً للواقع الراهن، حيث تتحول الهويات إلى خطوط تماس.
في هذا السياق، يصبح اغتيال لقمان سليم أكثر من جريمة سياسية. إنه محاولة لاغتيال هذا النموذج نفسه: نموذج الإنسان المركّب، الذي يرفض الانغلاق، ويصرّ على التفكير خارج القوالب الجاهزة. وحين نضع رحيل سلمى مرشاق إلى جانب تلك الجريمة، يتضح أننا لا نخسر أفراداً فقط، بل نخسر طبقة كاملة من المعنى، ومن الذاكرة، ومن الإمكان.
الحزن الخاص والخطاب العام
لكن ما يمنح هذه السيرة ثقلها الاستثنائي، ليس فقط خلفيتها الثقافية، بل الطريقة التي واجهت بها الفقد. في واحدة من أكثر لحظات صدقها، تقول: “لست أكبر من المصيبة”. هنا، تنكسر الصورة النمطية للأم التي تتجاوز الألم، لنعود إلى حقيقة بسيطة: الحزن لا يُهزم. هو يُعاش، يُحتمل، يُدار، لكنه لا يختفي.
مع ذلك، لم تسمح لهذا الحزن أن يتحول إلى خطاب عام. احتفظت به كمساحة شخصية. في المقابل، كان خطابها العلني مختلفاً تماماً: متماسك، عقلاني، موجّه نحو المجتمع لا نحو الذات. هذا الفصل بين الخاص والعام ليس تفصيلاً، بل موقف بحد ذاته. إنه رفض لتحويل المأساة إلى أداة، ورفض لاستثمار الألم في سوق الانقسامات.
ففي بيئة سياسية وثقافية تميل إلى استهلاك المآسي، تبدو هذه المسافة التي حافظت عليها فعلاً نادراً. فهي لم تُحوّل دم ابنها إلى شعار، ولم تستخدمه كذخيرة خطابية. بل على العكس، أعادت النقاش إلى مستوى أعمق: ماذا يعني أن نخسر مفكراً؟ ماذا يعني أن يُقتل المختلف؟ ماذا يحدث لمجتمع حين تصبح هذه الأفعال ممكنة، بل ومبرَّرة أحياناً؟
من هنا، يمكن قراءة اغتيال لقمان سليم بوصفه اغتيالاً للمعنى قبل أن يكون اغتيالاً لشخص. ورحيل والدته يأتي ليؤكد أن الخسارة ليست لحظية، بل تراكمية، تُصيب الذاكرة كما تُصيب الحاضر.
لا يمكن فصل الحزن على سلمى مرشاق عن الحزن على فكرة أوسع: فكرة لبنان كمساحة للعيش المشترك، لا كشعار، بل كممارسة
لبنان الممكن… ولبنان المتراجع
لبنان، الذي شكّل يوماً مساحة نسبية لهذا النموذج، يبدو اليوم عاجزاً عن حمايته. لا يتعلق الأمر فقط بضعف الدولة، بل بتآكل البنية الثقافية التي كانت تسمح بوجود هذا التوازن. اغتيال لقمان سليم كان مؤشراً حاداً على هذا التحول، ورحيل والدته يأتي ليؤكد أن الخسارة لا تتوقف عند حدود اللحظة، بل تتراكم، طبقة فوق أخرى.
إقرأ أيضاً: محسن دلّول… رجلُ الممرّات الخلفيّة في تاريخٍ صاخب
رحيل سلمى مرشاق ليس مجرد نهاية سيرة، بل اختبار لما إذا كان هذا الصوت سيبقى ممكناً. ليس بصيغته الفردية، بل كجزء من نسيج عام يمكن أن يُعاد بناؤه، أو يُترك ليتلاشى. وقد لا يكون الحزن هو المدخل الأنسب لقراءة هذا الرحيل، رغم حضوره الطاغي. لكن المدخل الأجدى ربما هو السؤال: ماذا نفعل بكل هذا المعنى الذي تتركه خلفها؟ كيف نحفظه من التبديد، في بيئة تتقن إهدار كل ما هو ثمين؟
سلمى مرشاق سليم لم تكن “أكبر من المصيبة”، كما قالت. لكنها، في طريقة مواجهتها لها، كانت أكبر من كثير من الخطابات التي أحاطت بها. وهذا، في حد ذاته، يكفي ليجعل رحيلها حدثاً يتجاوزها، ويمسّنا جميعاً، بوصفه تذكيراً قاسياً بأن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد القتل، بل ضد فقدان المعنى الذي يسبقه ويليه.
لمتابعة الكاتب على X: