السويداء: بين هيبة الدولة وحسابات الإقليم

مدة القراءة 4 د

هل ما يجري في السويداء أزمة أمنية عابرة أم منعطف سياسي يعيد رسم موقع المحافظة في الدولة السورية؟ هل تسعى دمشق إلى استعادة السيطرة الكاملة تحت عنوان “هيبة القانون”، أم أن الجنوب بات ساحة اختبار لتوازنات إقليمية أوسع؟ وماذا تفعل إسرائيل في هذا المشهد: هل تكتفي بالردع والرسائل، أم تتحضّر لدور أبعد إذا اختلّ ميزان القوى؟ بين هذه الأسئلة، تقف السويداء عند تقاطع حساس تتداخل فيه الحسابات المحلية بالرهانات الإقليمية، في لحظة قد تحدّد شكل العلاقة بين الدولة وأحد أكثر مكوّناتها تعقيداً.

 

شكّلت أحداث تموز نقطة تحوّل مفصلية في مسار السويداء. الاشتباكات التي اندلعت بين مسلحين دروز ومقاتلين من العشائر، قبل أن تتوسّع بدخول قوات حكومية ومسلحين من العشائر، لم تبقَ في إطارها المحلي. أكثر من ألفي قتيل، وعشرات القرى الخارجة عن السيطرة، ومئات الأسرى، ونزوح تجاوز – وفق تقديرات مختلفة – ما بين 120 ألفاً و187 ألف شخص، كلّها مؤشرات إلى عمق الانفجار.

تشابك الساحتين؟

القصف الإسرائيلي الذي تخلّل المواجهات تحت عنوان “حماية الدروز” أضفى بعداً إقليمياً مباشراً على الصراع. ومنذ ذلك الحين، تحوّلت المحافظة إلى مساحة مغلقة نسبياً، تتقاذفها اتهامات الحصار من جهة، ونفي رسمي من دمشق من جهة أخرى.

في الداخل، برز ما يشبه “إدارة أمر واقع” يقودها ما يُعرف بالحرس الوطني التابع للشيخ حكمت الهجري. تتحدث مصادر حكومية عن احتجاز شخصيات مؤثرة ومنع مغادرتها، وعن وجود عناصر مرتبطة بالنظام السابق أو متورطة في شبكات تهريب ومخدرات. في المقابل، يرى مقربون من الهجري أن ما يجري هو محاولة لحماية المجتمع المحلي من انزلاق أمني أكبر، ورفضٌ لأي فرض خارجي أو تغيير في المرجعية الدينية.

التظاهرات التي شهدتها ساحة الكرامة تحت شعار “نكون أو لا نكون”، وتزامنها مع تحرك درزي في تل أبيب، عكست تشابك الساحتين. وبينما تصف دمشق ما يجري بأنه انقسام داخلي يمكن معالجته ضمن إطار الدولة، ترى أطراف أخرى أن المحافظة تواجه ضغوطاً سياسية وأمنية تتجاوزها.

القصف الإسرائيلي الذي تخلّل المواجهات تحت عنوان “حماية الدروز” أضفى بعداً إقليمياً مباشراً على الصراع

وساطات هادئة ورسائل ساخنة

على خط موازٍ، دخل العامل الدولي على نحو أكثر وضوحاً. مؤتمر في واشنطن بدعوة شخصيات درزية، بمشاركة أعضاء في الكونغرس، وحديث عن محاسبة النظام الجديد، كلها عناصر تشير إلى تدويل غير معلن للملف. في المقابل، نفت مصادر أميركية لـ”أساس” وجود رعاية رسمية لتحركات بعض الشخصيات، مع معلومات عن وساطة هادئة يقودها السفير الأميركي توم باراك لتخفيف التوتر بين السويداء ودمشق.

إقليمياً، عيّن الجيش الإسرائيلي الجنرال غسان عليان منسقاً للملف الدرزي في القيادة الشمالية، في خطوة فسّرتها تل أبيب على أنها تنظيم لقنوات التواصل، فيما اعتبرتها دمشق إجراءً سياسياً يهدف إلى تثبيت حضور إسرائيلي غير مباشر في المعادلة الجنوبية.

في الوقت نفسه، تصاعدت التحذيرات من سيناريوات أمنية أخطر: تحركات مشبوهة في البادية، مخاوف من تسلل خلايا لتنظيم داعش، واستعدادات عسكرية مرتفعة. هذه المعطيات تجعل أي قرار بدخول القوات الحكومية إلى المدينة خطوة محفوفة بمخاطر واسعة، داخلياً.

في المقابل، حذر الزعيم الدرزي وليد جنبلاط من “مشروع انعزال درزي تديره اسرائيل، عبر جمهورية باشان الديمقراطية الشعبية، التي تريد سلخ تاريخ بني معروف من الاسلام ومن العروبة”، موجهًا رسالة مباشرة الى الزعيم الروحي للدروز في اسرائيل موفق طريف، قال له فيها: “اهتم بشؤون الطائفة الاجتماعية والثقافية داخل فلسطين المحتلة، ولا تحرض أهل جبل العرب، أو قسم صغير منه، للالتحاق باسرائيل”.

وسط ذلك، تتباين القراءات:

  • دمشق ترى أن استعادة السيطرة مسألة وقت، وأن السويداء جزء لا يتجزأ من الدولة.
  • قيادات محلية تحذّر من فرض حلول بالقوة وتدعو إلى معالجة داخلية.
  • إسرائيل تراقب، ترسل الرسائل، وتحتفظ بهامش التدخل إذا شعرت بتغيّر ميزان القوى.

إقرأ أيضاً: واشنطن تثبّت الشّرع: تعديل حكوميّ… وانسحاب عسكريّ

السويداء اليوم ليست تفصيلاً في المشهد السوري. إنها عقدة تتقاطع عندها أسئلة السيادة، والهوية، والتوازنات الإقليمية. إما تسوية تعيد صياغة العلاقة بين دمشق والمكوّن الدرزي ضمن إطار الدولة، وإما تصعيد قد يفتح الباب أمام تدخلات أوسع ويحوّل الجنوب إلى ساحة صراع مفتوح.

يبقى السؤال: هل تُدار المعركة على حدود السويداء فقط، أم على حدود سوريا… والإقليم بأسره؟

 

لمتابعة الكاتب على X:

@LaraMounif

مواضيع ذات صلة

“الحزب” للمعركة الأخيرة وإيران بين الاستسلام والتّصعيد

لا يناور “الحزب” حين يعلن أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم أنّه لن يبقى على الحياد في حال تعرّضت الجمهوريّة الإسلاميّة لحرب. لا خيار أمام “الحزب”….

التحالف الخيالي لنتنياهو

حين يكون الهدف المركزي لحروب نتنياهو إلغاء الدولة الفلسطينية، فإن أقصى ما يستطيع تأجيل قيامها بعد أن بلور العالم كله مقدّماتٍ سياسيةً وعمليةً لحتمية قيامها،…

أذرع إيران لن تنجو..

هل تقع الحرب أم لن تقع؟ ثمّ هل هي حرب بين طرفين أم حرب أميركيّة على إيران؟ ثمّ لمن المصلحة الغالبة في الحرب؟ لأميركا أم…

إخفاء خامنئي مخرج لحفظ النّظام بالتّنازل؟

هل تستلحق تصريحات وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي بأنّ “التوصّل لاتّفاق مع واشنطن ما يزال متاحاً”، الخطّ البيانيّ المتصاعد لإنذارات دونالد ترامب بالحرب؟ يتوقّف الجواب…