الحمام المسيّر أحدث أسلحة بوتين ضدّ أوكرانيا

مدة القراءة 7 د

يُتوقّع أن تضُمّ روسيا “طيور الحمام” إلى ترسانتها المتنامية من الأسلحة غير التقليديّة في ساحة المعركة الأوكرانيّة، وأن تستخدمها لأغراض التجسّس والعمل العسكريّ، لا سيما في المناطق الحضريّة. أفادت تقارير لصحف “التايمز” و”التلغراف” و”ذا ويك” البريطانيّة أنّ علماء روساً خبراء في التقنيّات العصبيّة ينكبّون حاليّاً على تحويل الحمام الحيّ إلى “طائرات مسيّرة بيولوجيّة” يمكن التحكّم بها عن بُعد، لاستخدامها في المراقبة السرّيّة والتجسّس، وحتّى العمليّات العسكريّة.

 

طوّرت هذه التقنيّة شركة “نييري غروب” (Neiry)، وهي شركة ناشئة مقرّها موسكو، ولها علاقات وثيقة بكاترينا تيخونوفا التي يقال إنّها الابنة الثانية للرئيس فلاديمير بوتين، من خلال شراكات مع معهد الذكاء الاصطناعيّ التابع لها في جامعة موسكو الحكوميّة. تلقّت الشركة تمويلاً ضخماً بشكل غير معتاد من مصادر مرتبطة بالكرملين، وهو ما يثير الشكوك في وجود مصلحة حكوميّة في هذه التقنيّة.

يتمّ ذلك في إطار مشروع يحمل الاسم الرمزيّ PJN-1، حيث تُزرع أقطاب كهربائيّة صغيرة في جماجم الطيور، وتُوصّل بجهاز تحفيز مثبّت على رؤوسها، وهو ما يسمح للمُشغّلين بتوجيهها في الاتّجاهات كافّة عن طريق جهاز تحكم عن بُعد. بينما تُثبّت على ظهر الطير حقيبة تعمل بالطاقة الشمسيّة لوحدة تحكّم بالطيران، وتتّصل بكاميرا مثبّتة على صدره.

طول المدى والقدرة على التّحمّل

تصف شركة “نييري” هذه الطيور بأنّها “طائرات مسيّرة حيويّة” (Bio-drones)، وتقدّمها بوصفها فئة جديدة من أنظمة الطيران غير المأهولة التي تعتمد على كائنات حيّة بدلاً من الطائرات الآليّة. تزعم الشركة أنّ الحمام يتفوّق على الطائرات بدون طيّار التقليديّة بفضل مداه الأطول، وقدرته العالية على التحمّل، وإمكانيّة وصوله إلى المواقع الوعرة.

بحسب التقارير الصحافيّة، يثير مشروع شركة “نييري” مخاوف خطيرة بشأن الآثار الأوسع لتطبيع زرع رقاقات دماغيّة بغرض التحكّم

تقول الشركة إنّ “طائرات الحمام المسيّرة” قادرة على قطع مسافة تزيد على 400 كيلومتر يوميّاً من دون الحاجة إلى إعادة شحن، ويمكن استخدامها لمراقبة البنية التحتيّة، وتفتيش المواقع الصناعيّة، والعمل في المجال الجوّيّ المحظور، ويمكنها الاندماج بشكل طبيعيّ في البيئات الحضريّة أو الريفيّة من دون إثارة الشبهات.

بينما تدّعي الشركة أنّ هذه التقنيّة مخصّصة للاستخدامات المدنيّة مثل دعم عمليّات البحث والإنقاذ والمراقبة الصناعيّة، أشار عدّة خبراء، بحسب التقارير الصحافيّة، إلى أنّ هذه التكنولوجيا بطبيعتها ذات “استخدام مزدوج”. القدرات نفسها التي تُستخدم للعثور على المفقودين أو مراقبة خطوط الأنابيب، يمكن تكييفها بسهولة لأغراض عسكريّة واستخباريّة، ولا سيما في المدن حيث لا يثير وجود الطيور أيّ شكوك.

وفقاً لجيمس جيوردانو، أستاذ علم الأعصاب الفخريّ في جامعة جورجتاون ومستشار العلوم في البنتاغون، يمكن “من الناحية النظريّة” استخدام هذه الطائرات المسيّرة البيولوجيّة لنقل الأمراض إلى أراضي العدوّ.

التّمويل حكوميّ؟

لكنّ أحد أكثر جوانب القصّة إثارة للانتباه، بحسب التقارير، هو مستوى التمويل الحكوميّ الذي حصلت عليه شركة “نييري”. وفقاً لطبيب أعصاب نقلت عنه منصّة T-invariant، وهي مؤسّسة مستقلّة مناهضة للحرب أسّسها علماء وصحافيّون علميّون روس في المنفى، تلقّت الشركة تمويلاً يقارب مليار روبل (ما يعادل 10 ملايين جنيه إسترليني تقريباً)، معظمه من مصادر مرتبطة بالكرملين، وهو تمويل غير مسبوق في مجال علوم الأعصاب في روسيا، الأمر الذي يعزّز الشكوك في كون المشروع ذا أهميّة استراتيجيّة كبرى للدولة.

الحمام

من بين الجهات الداعمة للشركة “المبادرة الوطنيّة للتكنولوجيا”، وهي صندوق أُنشئ بأمر من الرئيس فلاديمير بوتين عام 2014 لدعم التقنيّات الحيويّة لمستقبل روسيا. تلقّت الشركة دعماً من صندوق رأس المال الاستثماريّ Voskhod الذي أسّسه رجل الأعمال الروسيّ الخاضع للعقوبات فلاديمير بوتانين. للشركة صلات بمعهد الذكاء الاصطناعيّ التابع لجامعة موسكو الحكوميّة، الذي تديره كاترينا تيخونوفا، ابنة بوتين الصغرى التي تقود أيضاً صندوق الأبحاث المدعوم من الكرملين Innopraktika، والذي يلعب دوراً مهمّاً في الترويج للتقنيّات المتقدّمة في روسيا.

الحمام يتفوّق على الطائرات بدون طيّار التقليديّة بفضل مداه الأطول، وقدرته العالية على التحمّل

تشير التقارير الصحافيّة أيضاً إلى المواقف السياسيّة والأيديولوجيّة لمؤسّس الشركة، ألكسندر بانوف. هو من المؤيّدين الصريحين للحرب ضدّ أوكرانيا، وقد أعرب عن أسفه لما وصفه بـ”الأسلوب اللطيف” لما يُسمّى “العمليّة العسكريّة الخاصّة”، وأدلى بتصريحات مثيرة للقلق عن استخدام التكنولوجيا العصبيّة لـ”إعادة برمجة” البشر، بمن فيهم الأوكرانيّون، بعد الحرب، معتبراً أنّ ذلك سيكون أقلّ كلفة من تربية الناس داخل الثقافة الروسيّة نفسها.

ذهنيّة سلطويّة لاإنسانيّة

تُبرز هذه التصريحات، بحسب التقارير، الذهنيّة السلطويّة واللاإنسانيّة التي يرى منتقدو المشروع أنّها تقف خلف عمل شركة “نييري”، ويعتبرون أنّ طموحاتها تعكس بعضاً من أكثر مشاريع الحرب الباردة إثارة للجدل أخلاقيّاً وعلميّاً.

تذكّر التقارير في هذا السياق بتجارب وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة (CIA) للتحكّم بالحيوانات لأغراض التجسّس، التي شملت محاولات زرع أجهزة في أدمغة الكلاب لتحويلها إلى “كلاب قاتلة”، ومشروع “القطّ الصوتيّ” (Acoustic Kitty)، الذي جُهّز فيه قطّ بميكروفون وجهاز إرسال للتجسّس على أهداف سوفياتيّة.

بحسب التقارير الصحافيّة، يثير مشروع شركة “نييري” مخاوف خطيرة بشأن الآثار الأوسع لتطبيع زرع رقاقات دماغيّة بغرض التحكّم. تزعم الشركة أنّها تجاوزت مرحلة التجارب المخبريّة ووصلت إلى مرحلة “الإنتاج على نطاق واسع”. إذا صحّ هذا الادّعاء، فسيمثّل تصعيداً كبيراً من البحث التجريبيّ إلى الاستخدام العمليّ، وربّما يصبح جزءاً من الأسلحة غير التقليديّة في الميدان. تنشر روسيا بالفعل دلافين مدرّبة لحماية قاعدتها البحريّة في البحر الأسود، وورد أنّها قامت بتركيب محطّات “ستارلينك” على الخيول لتوسيع تغطية الإنترنت على طول خطّ الجبهة.

يُتوقّع أن تضُمّ روسيا “طيور الحمام” إلى ترسانتها المتنامية من الأسلحة غير التقليديّة في ساحة المعركة الأوكرانيّة

بحسب ألكسندر بانوف، تخطّط الشركة لتكييف نظام “الحمام المسيّر” مع أنواع أخرى قادرة على حمل حمولات أثقل أو التمويه في بيئات مختلفة، وقال إنّ “الحمام ليس سوى البداية”. بحسب طبيعة البيئة والحمولة المطلوبة، تخطّط الشركة لتجربة أنواع أخرى، إذ سيتمّ استخدام الغربان لحمل حمولات أكبر، وطيور النورس لمراقبة المنشآت الساحليّة. أمّا في المناطق البحريّة الأوسع فسيتمّ استخدام طيور القطرس. وادّعى أنّ “الطائرات المسيّرة البيولوجيّة” جذبت اهتمام دبي والهند، بما في ذلك اقتراح لاستخدامها في مراقبة خطوط الكهرباء.

تجارب على حيوانات أخرى

كشف مؤسّس “نييري” عن تجارب أُجريت على حيوانات أخرى مثل الفئران والأبقار. في كانون الثاني 2025، أنتجت الشركة ما زعم أنّه أوّل فأر في العالم متّصل بالذكاء الاصطناعيّ، وهو ما يتيح له الوصول إلى المعلومات عبر الإنترنت والإجابة على الأسئلة باستخدام لوحة مفاتيح. هذا وعدّلت الشركة سابقاً أدمغة الأبقار لزيادة إنتاج الحليب، وهو ما يدلّ على وجود برنامج أوسع يهدف إلى تطوير تقنيّات الربط بين الدماغ والآلة (BCI) عبر أنواع متعدّدة من الكائنات.

إقرأ أيضاً: قلق إسرائيليّ من شبكات “سنّيّة” للحرس الثوري في الجنوب

إذا نجحت تجارب “نييري” فستصبح روسيا من الدول القليلة التي تمتلك تقنيّة “الطائرات الحيويّة”، علماً أنّ علماء صينيّين ابتكرو العام الماضي نحلاً آليّاً يستخدم وحدات تحكّم دماغيّة فائقة الخفّة لتوجيه طيران الحشرات.

مواضيع ذات صلة

قلق إسرائيليّ من شبكات “سنّيّة” للحرس الثوري في الجنوب

تشهد الساحة الجنوبيّة في لبنان تحوّلات لافتة تعيد رسم ملامح المشهدين الأمنيّ والسياسيّ على الحدود مع إسرائيل. إلى جانب “الحزب”، الذي لطالما شكّل العنوان الأبرز…

كسر قبضة طهران على بغداد: 3 سّيناريوهات للعراق

يرى ضابطان أميركيّان متقاعدان خدما في بغداد أنّ سقوط النظام الإيرانيّ، إن حدث، سيحمل للعراق مخاطر جسيمة وفرصاً تاريخيّة في آنٍ واحد. إذ قد يفتح…

فريدمان لترامب وليهود أميركا: لا تدعوا نتنياهو يخدعكم

انتقد الكاتب والمحلّل السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان بشدّة سياسات رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، معتبراً أنّه يستهزئ بالرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وباليهود الأميركيّين على حدّ…

سوريا: السّاعات الأخيرة لـ”ملك موهوم ومهووس”

في مقال مطوّل تحت عنوان “سقوط آل الأسد”، روى الكاتب في مجلّة “ذا أتلانتيك” روبرت وورث الساعات الأخيرة لبشّار الأسد نقلاً عن أحد أعضاء حاشية…