الرّياض تفضّل إيران الدّولة على إيران الفوضى

مدة القراءة 6 د

لم تعد المملكة العربيّة السعوديّة تنظر إلى إيران بوصفها خصماً يجب إضعافه أو إسقاطه، بل بوصفها دولة يجب منع انهيارها. المفارقة تبدو صارخة، لكنّها في الواقع تعكس تحوّلاً عميقاً في العقيدة الاستراتيجيّة السعوديّة: لم تعُد الأولويّة لهزيمة الخصوم، بل لمنع سقوط الدول. تدرك الرياض أنّ تفكيك الدولة المركزيّة وغيابها هما الكارثة الجيوسياسيّة التي لا يمكن التعافي منها بسهولة، والتي تمتدّ آثارها السلبيّة إلى جوارها الواسع.

 

 

تقف اليوم الرياض، التي خاضت صراعات مفتوحة حارة وباردة مع الجمهوريّة الإسلاميّة لعقود، في موقع المعارض لأيّ ضربة عسكريّة تستهدف إسقاط النظام في طهران، ليس دفاعاً عن النظام الإيرانيّ، بل دفاعاً عن مفهوم الدولة نفسه في منطقة تحوّلت فيها الفوضى إلى أداة جيوسياسيّة لإعادة رسم الخرائط وإعادة توزيع النفوذ.

تعرف المملكة السعوديّة، من تجربتها المباشرة، أنّ أخطر ما يمكن أن يواجه المنطقة ليس قوّة الخصوم، بل انهيارهم. سقوط نظام صدّام حسين في العراق عام 2003 لم ينتج عراقاً ضعيفاً فحسب، بل أنتج فراغاً استراتيجيّاً هائلاً تمدّدت فيه إيران، وازدهرت فيه الميليشيات والكيانات المسلّحة العابرة للحدود، وتفكّكت فيه الدولة، واستفحل فيه الفساد، وتحوّل إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار الإقليميّ. يومئذٍ لم يكن سقوط بغداد مكسباً للرياض، بل بداية لعصر التهديدات المفتوحة على حدودها.

لم تعد المملكة العربيّة السعوديّة تنظر إلى إيران بوصفها خصماً يجب إضعافه أو إسقاطه، بل بوصفها دولة يجب منع انهيارها

بقاء الدّولة أقلّ خطراً من انهيارها

لم يُنسَ درس العراق، بل تحوّل إلى عقيدة، وهو ذاته الذي يحكم، على ما يبدو، السلوك السعوديّ في رفضه القاطع لأيّ مغامرة عسكريّة تستهدف إيران بحجّة تسريع إسقاط النظام. وذلك ليس دفاعاً عن طهران، بل انطلاقاً من قناعة بأنّ البديل المرجَّح لن يكون نظاماً مستقرّاً، بل فوضى شاملة قادرة على تقويض أسس الأمن الإقليميّ وتهديد مرتكزات التنمية والاستقرار والإنتاج والانتقال إلى الحداثة وعصر التكنولوجيا.

تدرك المملكة السعوديّة أيضاً أنّ أيّ حرب على إيران لن تكون جراحة محدودة، بل صراع إقليميّ مفتوح يشمل الخليج ومضيق هرمز يضع أمنها الوطني واقتصادها في قلب المواجهة المباشرة، وهو ثمن لا يتناسب مع أيّ مكسب محتمل.

ليست إيران دولة هامشيّة يمكن احتواء تداعيات انهيارها، بل مركز ثقل جيوسياسيّ، وانفجارها من الداخل لن يؤدّي بالضرورة إلى ولادة نظام صديق للغرب أو للخليج، بل إلى تشظّيها إلى كيانات متصارعة، وإلى إطلاق موجات من الفوضى تمتدّ من الخليج إلى المتوسّط.

الأخطر من ذلك أنّ انهيار إيران سيطلق العنان لقوى غير الدول: ميليشيات، تنظيمات عابرة للحدود، واقتصادات ظلّ، وهي قوى لا يمكن ردعها ولا احتواؤها ولا التفاوض معها.

لم تعُد القراءة السعوديّة الجديدة تقديراً نظريّاً وحسب، بل تجسّدت في تحرّكات دبلوماسيّة مباشرة مع الإدارة الأميركيّة، ومع البيت الأبيض خصوصاً، على اعتبار أنّ أيّ محاولة لإسقاط النظام الإيرانيّ ستؤدّي إلى زعزعة أسواق النفط وإلى ارتدادات اقتصاديّة وأمنيّة تطال الخليج والاقتصاد الأميركيّ معاً. بل ذهبت الرياض أبعد من ذلك بتثبيت المصالحة مع طهران ورفض تحويل الجغرافيا السعوديّة إلى منصّة صدام مع الجارة الكبرى.

ترافق ذلك مع تغييرات داخليّة تحمل دلالات سياسيّة ومجتمعيّة، مثل تعيين “الشيعي” فهد بن عبدالجلال بن علي السيف وزيراً للاستثمار في حكومة وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان، في خطوة عكست توجّهاً نحو إعادة تعريف العلاقة مع المكوّنات الداخليّة والخارجيّة على السواء. هكذا تعيد الرياض صياغة العداوة والصداقة وفق معيار المصلحة، لا الاصطفاف الأيديولوجيّ، متجاوزة سياسات حافة الهاوية التي حوّلت الإقليم إلى ساحة صدام مفتوح.

باتت المملكة السعوديّة، وفق هذا المنطق، تنظر إلى المنطقة كساحة استثمار واستقرار طويل المدى، ولم تعُد ترى في استراتيجية “قطع رأس الأفعى” سوى ممرّ لإنتاج كيانات صغيرة أكثر تفلّتاً من منطق الدولة، حتّى لو كانت راديكاليّة، وهو ما يجعل الحفاظ على الدولة الإيرانيّة، على الرغم من الخصومة معها، أقلّ كلفة من انهيارها. لا تعني هذه المقاربة أنّ المملكة السعوديّة وثقت بإيران أو تخلّت عن شكوكها العميقة تجاهها، بل تعني أنّها أعادت ترتيب أولويّاتها: لم يعد الخطر في وجود خصم قويّ، بل في غياب الدولة نفسها.

إلى ذلك، لا يحتمل المشهد الإقليميّ، الذي يتّسم بالتعقيد والترابط، تحرّكاً غير محسوب العواقب، ولا يمكن أن ينجرّ إلى صراعات مفتوحة قد تحرق الأخضر واليابس.

ليست إيران دولة هامشيّة يمكن احتواء تداعيات انهيارها، بل مركز ثقل جيوسياسيّ، وانفجارها من الداخل لن يؤدّي بالضرورة إلى ولادة نظام صديق للغرب أو للخليج، بل إلى تشظّيها إلى كيانات متصارعة

الأمن السّعوديّ يتجاوز الخليج

لا يمكن فصل ما يجري في الخليج شرقاً عمّا يجري غرباً على ضفاف بحر العرب والبحر الأحمر وصولاً إلى مجاري النيل وشرق البحر المتوسّط. هذا الامتداد كتلة جغرافيّة وبشريّة متماسكة، تتقاطع فيها الجغرافيا بالتاريخ، والمصالح بالتحوّلات البنيويّة في النظام الدوليّ.

هكذا لم تقف المراجعة عند الملفّ الإيرانيّ، بل تتجاوزه إلى مراجعة أكثر حساسيّة تجاه مصادر التهديد، ولا سيما المتأتّية من المشروع الإسرائيليّ، الذي لم يكتفِ بإحداث كارثة إنسانيّة كبرى في غزّة، بل توجّه نحو الضفّة الغربيّة لإضعاف السلطة الفلسطينيّة وتفكيكها كآخر إطار تمثيليّ فلسطينيّ معترف به عربيّاً ودوليّاً، بما يفتح الباب أمام انفجارات غير قابلة للاحتواء.

من هنا كان إصرار الرياض على جعل إقامة الدولة الفلسطينيّة شرطاً لازماً لأيّ مسعى أميركيّ للتطبيع مع إسرائيل. لا يقف المشروع الإسرائيليّ عند حدود فلسطين التاريخيّة، بل تجاوزها إلى لبنان وسوريا، وذهب أبعد إلى العمق العربيّ برّاً وبحراً، بما يمسّ الأمن القوميّ العربيّ في الصميم، والمملكة في القلب منه.

في هذا السياق، تكتسب ساحتا اليمن والقرن الإفريقيّ أهميّة خاصّة في الحسابات السعوديّة الاستراتيجية. ذلك أنّ تفكيك السلطة المركزيّة في جنوب اليمن، محاولات إضفاء شرعيّة على كيان منفصل في أرض الصومال، وتقسيم السودان تعيد رسم خرائط السيطرة على باب المندب وخطوط الملاحة الحيويّة.

 إقرأ أيضاً: إيران بين اللّاءات الإسرائيليّة ودبلوماسيّة واشنطن؟

من حراسة التّوازنات إلى هندسة المحاور

أمام هذه التحوّلات، لم تعُد المملكة السعوديّة تكتفي بدور المتلقّي أو حارس التوازنات، بل بدأت الانتقال إلى دور الفاعل في إعادة تشكيل البيئة الإقليميّة. تحرّكت نحو بناء شبكات تعاون مع قوى إقليميّة كبرى، في محاولة لتشكيل كتلة قادرة على منع تفكّك الدول، ووقف تحويل الفوضى إلى أداة لإعادة رسم خرائط النفوذ.

لا يقوم هذا التوجّه على تحالفات أيديولوجيّة، بل على مصلحة مشتركة هي حماية الدولة الوطنيّة.

مواضيع ذات صلة

هل أعدّت واشنطن نظاماً إيرانيّاً بديلاً؟

بعد ساعات من انتهاء جلسة المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة الأخيرة في جنيف، وبعد التصريحات المملّة من وفدَي البلدين عن التقدّم، التفاؤل، ووضع إطار… وما يشبه ذلك،…

واشنطن تثبّت الشّرع: تعديل حكوميّ… وانسحاب عسكريّ

بين حديث إعلاميّ عن ورشة لتشكيل حكومة سوريّة جديدة بصلاحيّات موسّعة وأسماء طُرحت لرئاسة الوزراء، رسم تقرير i24NEWS صورة حكومة شاملة قد تعيد ترتيب المشهد…

مجلس السّلام: معاني إقصاء السلطة الفلسطينية

نصّب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب نفسه راعياً لـ”السلام” في الاجتماع الأوّل لـ”مجلس السلام العالميّ” في واشنطن، مستعرضاً سيلاً من السيناريوات عن “اليوم التالي” في المنطقة،…

في لبنان “الحزب حزبان” وفي طهران “إيرانان”؟

تزداد القناعة بأنّ “الحزب” في لبنان بات “حزبين”، لكلّ منهما توجّهه حيال تحوّلات المنطقة، واستطراداً حيال خطّة الحكومة لحصر سلاحه بيد الدولة. يوازي ذلك الانطباع…