كسر قبضة طهران على بغداد: 3 سّيناريوهات للعراق

مدة القراءة 7 د

يرى ضابطان أميركيّان متقاعدان خدما في بغداد أنّ سقوط النظام الإيرانيّ، إن حدث، سيحمل للعراق مخاطر جسيمة وفرصاً تاريخيّة في آنٍ واحد. إذ قد يفتح الخروج المتزامن للتأثيرين الأميركيّ والإيرانيّ المجال أمام العراق لتقرير مصيره بنفسه للمرّة الأولى منذ عقود. غير أنّ النجاح في اغتنام هذه الفرصة سيتوقّف على سياسة وقدرة القيادة العراقيّة.

 

في مقال نشر في منصة أميركية متخصصة بالاستراتيجية الدفاعية بعنوان “كسر قبضة طهران على بغداد”، يستعرض الضابطان الباحثان، اللواء المتقاعد كيث فيليبس، الذي تولّى منصبَ كبيرِ مسؤولي الدفاع والملحق العسكريّ في العراق من عام 2021 إلى 2023، وستيوارت ويلش، الضابط المتقاعد في سلاح الجوّ الذي عمل مع فيليبس في بغداد من عام 2022 إلى 2023 ملحقاً جوّيّاً ورئيس عمليّات الملحقين في السفارة الأميركيّة، كيف يمكن لأيّ تغيير في النظام في إيران أن يعيد تشكيل المشهدين السياسيّ والأمنيّ في العراق بشكل جذريّ.

يؤكّد الكاتبان أنّ أيّ تحوّل في طهران ستكون له انعكاسات فوريّة على بغداد والمنطقة بأسرها، وهو ما يجعل استقرار العراق عنصراً أساسيّاً في أيّ حسابات استراتيجيّة مستقبليّة، وأنّ أيّ اضطراب في طهران سيرتدّ فوراً على العراق، حيث النفوذ الإيرانيّ متجذّر بعمق في مؤسّسات الدولة والشبكات المسلّحة.

يلفتان إلى أنّه، على الرغم من المخاطر الكبيرة لاحتمال حدوث فوضى في إيران، قد تتيح هذه اللحظة للعراق فرصة نادرة لاستعادة سيادته وفكّ ارتباطه وتبعيّته لإيران، لا سيما عبر معالجة معضلة “قوّات الحشد الشعبيّ” التي لا يزال العديد من فصائلها الأقوى يحافظ على علاقات وثيقة مع إيران ويعمل باستقلاليّة كبيرة عن بغداد. مع اقتراب المهمّة العسكريّة الأميركيّة في العراق من نهايتها هذا العام، قد يمنح تقليص نفوذ إيران في العراق، عن طريق نزع سلاح هذه الميليشيات، العراقَ فرصةً لممارسة سيادته وتحديد مصيره بطريقة لم يشهدها منذ عقود.

 اختيار شخصيّة إصلاحيّة حازمة سيكون ضروريّاً لقيادة البلاد خلال هذه المرحلة الحسّاسة

يطرح الكاتبان ثلاثة سيناريوات رئيسة لكيفيّة انعكاس أيّ تغيير في النظام في إيران على العراق:

1- الانهيار والفوضى العابرة للحدود

هو السيناريو الأسوأ، بحسب الكاتبين. في هذا السيناريو، يسقط النظام الإيرانيّ بشكل مفاجئ وعنيف فيؤدّي ذلك إلى تداعيات خطِرة على العراق، منها:

– تدفّق مسؤولين إيرانيّين، بمن فيهم عناصر من الحرس الثوريّ، إلى داخل العراق طلباً للملاذ.

– عودة مقاتلين عراقيّين من الميليشيات الشيعيّة كانوا قد دخلوا إيران لدعم النظام.

– ضغط هائل على الحدود العراقيّة–الإيرانيّة الطويلة والمليئة بالمعابر غير الرسميّة.

– استمرار التهديد على الحدود الغربيّة مع سوريا، حيث لا يزال تنظيم الدولة الإسلاميّة يشكّل خطراً أمنيّاً.

داخليّاً، قد تتفاقم التوتّرات الطائفيّة. النفوذ الإيرانيّ لطالما كان عامل انقسام داخل المجتمع العراقيّ. قد يؤدّي انهيار النظام في طهران إلى احتجاجات أو صدامات بين فصائل مؤيّدة وأخرى معارضة لإيران. يمثّل هذا السيناريو أخطر النتائج: صدمة إقليميّة تمتدّ مباشرة إلى الداخل العراقيّ وتزعزع الاستقرار السياسيّ والأمنيّ.

2- الشّلل السّياسيّ في بغداد

يرى الكاتبان أنّ هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً. وفي هذه الحالة:

– تختار القيادة العراقيّة الحذر والامتناع عن اتّخاذ قرارات حاسمة.

– يحاول القادة تجنّب الانحياز لأيّ طرف.

– تراهن بغداد على أن تبقى تداعيات الأزمة الإيرانيّة محدودة.

قد يمنع هذا النهج مواجهة مباشرة في المدى القصير، لكنّه يحمل مخاطر طويلة الأمد، إذ قد تضيع فرصة تقليص النفوذ الإيرانيّ وتعزيز سيادة الدولة. قد تحتفظ الفصائل المرتبطة بطهران بنفوذها واستقلاليّتها. بذلك يبقى العراق عالقاً في شبكة التوازنات ذاتها التي حكمت سياسته لسنوات.

مع اقتراب انتهاء الوجود العسكريّ الأميركيّ في العراق هذا العام، سيتراجع نفوذ واشنطن

3- فرصة استراتيجيّة لاستعادة السّيادة

هو السيناريو الأكثر تفاؤلاً، لكنّه الأقلّ احتمالاً في رأي الباحثين، الذي يدرك من خلاله القادة العراقيّون والمجتمع العراقيّ أنّ التغيير في طهران يمثّل فرصة تاريخيّة لـ:

– منع انتقال الفوضى عبر الحدود.

– احتواء أيّ اضطرابات داخليّة. من المرجّح أن تلعب مواقف المرجعيّات الدينيّة، وعلى رأسها المرجع الأعلى علي السيستاني، دوراً حاسماً في تهدئة الشارع أو تأجيجه.

– التحرّك الجادّ نحو تفكيك أو نزع سلاح الفصائل المرتبطة بإيران ضمن قوّات الحشد الشعبيّ، خصوصاً الجماعات المتشدّدة مثل كتائب “حزب الله” وحركة “النجباء”.

لكنّ تحقيق هذا السيناريو يتطلّب:

– قيادة سياسيّة قويّة وغير طائفيّة.

– إدارة فعّالة لأمن الحدود.

– قدرة على ضبط الاستقرار الداخليّ.

– دعماً مدروساً من أطراف خارجيّة مثل الولايات المتّحدة.

إذا نجح فقد يتمكّن العراق أخيراً من تثبيت سيادته الكاملة بعد سنوات من النفوذ الخارجيّ.

قيادة إصلاحيّة

في رأي الكاتبَين، تحدّد القيادة السياسيّة أيّ السيناريوات سيتحقّق. مع اقتراب انتهاء الوجود العسكريّ الأميركيّ في العراق هذا العام، سيتراجع نفوذ واشنطن. إذا تزامن ذلك مع سقوط النظام الإيرانيّ، فإنّ قوّتين شكّلتا المشهد العراقيّ لعقود ستتراجعان في الوقت نفسه. عندها سيحظى العراق بفرصة فريدة لممارسة سيادته الوطنيّة وتحديد مصيره بنفسه، وهو أمر لم يشهده منذ سقوط صدّام حسين.

غير أنّ النجاح في اغتنام هذه الفرصة سيتوقّف، بحسب الكاتبين، على قدرة القيادة العراقيّة على توحيد الصفوف، وعلى جاهزيّة المؤسّسات الأمنيّة، وعلى التزام الشركاء الدوليّين دعم الاستقرار دون التدخّل المفرط. ستكون قيادة قويّة غير طائفيّة، تضع المصلحة الوطنيّة فوق الحسابات الفئويّة، شرطاً أساسيّاً لنجاح أيّ تحوّل. رئيس الوزراء العراقيّ، بوصفه القائد العامّ للقوّات المسلّحة والمسؤول عن الأجهزة الأمنيّة، هو الذي يمتلك الصلاحيّات لتوجيه الاستجابة الأمنيّة والسياسيّة.

يطرح الكاتبان ثلاثة سيناريوات رئيسة لكيفيّة انعكاس أيّ تغيير في النظام في إيران على العراق

لذا اختيار شخصيّة إصلاحيّة حازمة سيكون ضروريّاً لقيادة البلاد خلال هذه المرحلة الحسّاسة. أمّا إعادة تدوير شخصيّات مرتبطة بالفساد أو بالمحاصصة الطائفيّة فلن تحقّق النجاح المطلوب.

دور الأطراف الخارجيّة فينبغي أن يظلّ داعماً لا موجِّهاً، لأنّ أيّ تغيير في طهران لن يبقى محصوراً داخل حدودها، بل سيكون له تأثير مباشر وفوريّ على بغداد والمنطقة ككلّ، وبالنظر إلى الخسائر الهائلة في دماء الأميركيّين في العراق على مدى السنوات الـ23 الماضية، يجب على الولايات المتّحدة أن تعترف بهذا الواقع، وأن تدمج استقرار العراق في أيّ استراتيجية تتعلّق بإيران، وأن تعمل على تقديم دعم استخباريّ ودبلوماسيّ سريع في حال حدوث تغيير مفاجئ، مع الضغط على دول المنطقة لعدم استغلال هشاشة العراق.

* “War on the Rocks” منصّة أميركيّة للتحليل والنقاش في الاستراتيجية والدفاع والشؤون الخارجيّة. يكتب فيها باحثون وخبراء بارزون في دراسات الحرب والسياسة الدوليّة، بمن فيهم دبلوماسيّون سابقون، حزبيّون، ضبّاط، ضبّاط صفّ، خبراء استخبارات، وعسكريّون خدموا أو عملوا في مناطق النزاع.

مواضيع ذات صلة

فريدمان لترامب وليهود أميركا: لا تدعوا نتنياهو يخدعكم

انتقد الكاتب والمحلّل السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان بشدّة سياسات رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، معتبراً أنّه يستهزئ بالرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وباليهود الأميركيّين على حدّ…

سوريا: السّاعات الأخيرة لـ”ملك موهوم ومهووس”

في مقال مطوّل تحت عنوان “سقوط آل الأسد”، روى الكاتب في مجلّة “ذا أتلانتيك” روبرت وورث الساعات الأخيرة لبشّار الأسد نقلاً عن أحد أعضاء حاشية…

فضيحة أبي عمر… كما ترويها “الفايننشيل تايمز”

“هي قصّة مذهلة تدلّ على مدى هشاشة النخبة السياسيّة اللبنانيّة ومدى سهولة التلاعب بها”، هكذا وصفت صحيفة “فايننشيل تايمز” البريطانيّة قصّة “أبي عمر”، الشخص الذي…

روسيا: الخليج بديل استراتيجيّ لتخفيف المخاطر الإيرانيّة

في ظلّ التهديد المتكرّر بمواجهة إيرانيّة – أميركيّة وتداعياتها المحتملة على النظام التجاريّ العالميّ، ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسيّة وتراجع موثوقيّة بعض الممرّات الحيويّة، وفي مقدّمها…