ليس سهلاً اختصار حياة محسن دلول الذي رحل عن ثلاثة وتسعين عاماً، في توصيف سياسيّ مباشر، ولا في سيرة تقليديّة تُعدّد المناصب والسنوات. الرجل الذي عبر الحرب الأهليّة اللبنانيّة، وشارك في ولادة مرحلة ما بعد الطائف، وعمل في أكثر الملفّات حساسيّة، لم يكن وزيراً أو نائباً أو مسؤولاً حزبيّاً وحسب، بل كان واحداً من أولئك السياسيّين الذين عاشوا في المنطقة الرماديّة من التاريخ: حيث لا تصنع البطولات العلنيّة، بل تُصاغ التسويات الصامتة. أقرب إلى رجل المهمّات الدقيقة، والسياسيّ الذي يجلس بين خصمين ليقنعهما بأنّ خسارة نصف المعركة أفضل من خسارة الوطن.
في تلك المسافة التي تفصل بين قرار الحرب وإمكان تأجيلها، بين الانفجار والاتّفاق، بين الميليشيا والدولة، وبين الخطاب العلنيّ والحوار السرّيّ، تشكّلت شخصيّته السياسيّة، وبرزت أدواره التي غالباً ما بقيت خارج الضوء. في بلدٍ كلبنان، لا يُصنع التاريخ دائماً على المنابر أو في ساحات الخطابة. كثيراً ما يُصنع في الغرف المغلقة، وفي الممرّات الخلفيّة، وفي لحظات الصمت بين جملتين متناقضتين. هناك، حيث تُحمل الرسائل الصعبة، وتُصاغ التسويات التي لا يجرؤ أحد على إعلانها. في تلك المساحة الرماديّة عاش محسن دلول معظم حياته السياسيّة، وترك أثره الحقيقيّ.
من الفقر إلى السّياسة
وُلد محسن دلول عام 1933 في بلدة علي النهري في البقاع، في بيئة ريفيّة متواضعة. كان والده فلّاحاً بسيطاً، وكانت حياة العائلة مشدودة إلى إيقاع الأرض ورزقها سواء قَلَّ أو كَثُر. لم يكن طريق التعليم مفروشاً أمامه، بل كاد الفقر أن يقطعه في بداياته، لولا إصرار بعض أساتذته في “الكليّة الشرقيّة” بزحلة على متابعة دراسته.
دخل محسن دلّول إلى البرلمان للمرّة الأولى عام 1991 نائباً عن بعلبك ـ الهرمل، في مرحلة إعادة تكوين السلطة بعد الحرب
تابع تعليمه في زحلة، ثمّ نال إجازة في علم الاجتماع مكّنتهُ من فهم “أبنية” لبنان السياسيّة والاجتماعيّة والأهليّة. هذه الخلفيّة لم تكن تفصيلاً عابراً في مسيرته، بل شكّلت زاوية نظره إلى السياسة. لم يرَ الشأن العامّ بوصفه صراعاً على السلطة، بل باعتباره شبكة معقّدة من المصالح والهويّات والذاكرات الجماعيّة، تحتاج إلى إدارة هادئة أكثر ممّا تحتاج إلى خطابات حماسيّة.
بدأ حياته المهنيّة مُعلّماً في البقاع ثمّ في بيروت. لكنّه سرعان ما انجذب إلى الصحافة، فعمل في عدد من الصحف والمجلّات، وانتسب إلى نقابة المحرّرين. في تلك المرحلة، تبلورت شخصيّته كقارئ ومثقّف، ينهل من الأدب العربيّ والفكر النهضويّ، ويجمع بين الكتابة والعمل العامّ.
الطّريق إلى الحزب التّقدّميّ الاشتراكيّ
في مطلع شبابه، انضمّ إلى الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ عام 1951، في زمن كان فيه الحزب مساحة فكريّة وسياسيّة تتجاوز الطوائف. هناك، وجد دلول البيئة التي تتقاطع مع اهتماماته الفكريّة والاجتماعيّة.
مع الوقت، أصبح من الحلقة الضيّقة حول كمال جنبلاط، قبل أن يصل لاحقاً إلى موقع نائب رئيس الحزب.
كان وجوده في الحزب يعكس أيضاً تركيبته الخاصّة: رجل شيعيّ في حزب يقوده زعيم درزيّ، وفي بيئة سياسيّة يغلب عليها الاصطفاف الطائفيّ. هذا الموقع جعله بطبيعته رجلاً جسوراً، لا رجل متاريس.
بين الصّحافة والسّياسة
في سنوات ما قبل الحرب الأهليّة، كان دلّول يتحرّك بين الصحافة والعمل السياسيّ، وهو مزيج صاغ شخصيّته. فالصحافة منحته حسّاً نقديّاً وقدرة على قراءة المشهد، بينما منحته السياسة شبكة علاقات واسعة، لبنانيّة وعربيّة.
مع اندلاع الحرب سنة 1975، دخل مرحلة مختلفة من حياته. لم يظهر كقائد ميدانيّ، ولا كصاحب ميليشيا، بل كوسيط بين أطراف متخاصمة، يحمل الرسائل، ويبحث عن ثغرات في جدران الصراع.
في سنوات ما قبل الحرب الأهليّة، كان دلّول يتحرّك بين الصحافة والعمل السياسيّ، وهو مزيج صاغ شخصيّته
أبواب الدّولة… في البرلمان والوزارات
بعد اتّفاق الطائف، دخل دلول بقوّة إلى مؤسّسات الدولة. تولّى وزارة الزراعة بين عامَي 1989 و1992. لكنّ حضوره الأبرز جاء عندما تولّى وزارة الدفاع بين عامَي 1992 و1998، في حكومات الرئيس رفيق الحريري.
في تلك المرحلة، تولّى ملفّات شديدة التعقيد: الحوار مع القوى المسلّحة لتسليم سلاحها، إعادة تنظيم المؤسّسة العسكريّة، التواصل مع القوى السياسيّة المتنازعة، والمشاركة في الاتّصالات المرتبطة بإنهاء التمرّد الذي قاده آنذاك الجنرال ميشال عون ضدّ اتّفاق الطائف. لم يكن وزيراً استعراضيّاً. لم يرتبط اسمه بقرارات دراماتيكيّة، بل بعمليّة طويلة ومعقّدة من التفاوض، الإقناع، وإدارة التوازنات.
دخل محسن دلّول إلى البرلمان للمرّة الأولى عام 1991 نائباً عن بعلبك ـ الهرمل، في مرحلة إعادة تكوين السلطة بعد الحرب. ثمّ انتُخب نائباً عن زحلة في دورات 1992 و1996 و2000، ليصبح أحد الوجوه البارزة في الحياة النيابيّة في التسعينيّات. لم يكن نائباً صاخباً تحت قبّة البرلمان، بل كان أقرب إلى رجل الاتّصالات السياسيّة، الذي يتحرّك خارج الجلسات أكثر ممّا يتحرّك داخلها.
الوسيط الذي حمل رسائل ثقيلة
من أكثر جوانب سيرته إثارة للجدل، علاقته الوثيقة بسوريا. تعود هذه العلاقة إلى خمسينيّات القرن الماضي، حين كان يحمل رسائل من كمال جنبلاط إلى مسؤولين سوريّين خلال أحداث 1958.
لاحقاً، ومع تعاظم الدور السوريّ في لبنان، أصبح دلّول أحد أبرز الوجوه التي تربط بين دمشق وبعض القوى اللبنانيّة. رأى فيه خصومه رمزاً للنفوذ السوريّ، بينما اعتبره مؤيّدوه رجل اتّصال. هو نفسه كان يقول إنّه لم يشعر يوماً بأنّه يعمل ضدّ قناعاته، بل كان يرى في العلاقة مع سوريا جزءاً من توازن لبنان في محيطه العربيّ.
وُلد محسن دلول عام 1933 في بلدة علي النهري في البقاع، في بيئة ريفيّة متواضعة
في بعض أحاديثه، كان دلّول يستعيد لحظات مفصليّة في حياته، أبرزها الرسائل التي حملها إلى شخصيّات لبنانيّة كبرى في أوقات حرجة. كان يقول إنّه حمل “رسالتين ثقيلتين” في حياته، إحداهما إلى كمال جنبلاط: “لا تحاول قطع الخيط كي لا يقطعك”، والأخرى إلى رفيق الحريري تقول “فل”، محذّراً من مخاطر محدقة. الرجلان لم يأخذا برسائله، فاستشهدا.
لم يكن يرى نفسه صانع قرارات كبرى، بل ناقل تحذيرات، أو “محطة” إنذار مبكر. ربّما لهذا السبب، ظلّ طوال حياته يشعر بأنّه يعمل في الظلّ، حيث لا يُكافأ المرء على ما يفعله، بل على ما ينجح في منعه.
كان من أولئك الذين تُقرأ أدوارهم في ما لم يقع أكثر ممّا تُقرأ في ما وقع: في الحروب التي تأخّرت، وفي الانفجارات التي أُجِّلت، وفي التسويات التي مرّت بلا ضجيج.
رجل التّسويات الصّامتة
هذه الشخصيّة جعلته عرضة للنقد أحياناً، والاتّهام أحياناً أخرى. لكن في الوقت نفسه جعلته حاضراً في لحظات مفصليّة من تاريخ لبنان المعاصر. ولم يكن اسمه يتصدّر العناوين، لكنّه كان حاضراً في الكواليس: في لقاءات سرّيّة، في اتّصالات معقّدة، وفي مهمّات لم يكن أحد يرغب في تحمّلها.
رحيل رجل من زمن آخر
برحيل محسن دلّول، يختفي نموذج من السياسيّين اللبنانيّين الذين نشأوا في زمن الأحزاب الفكريّة، وعاشوا الحرب، ثمّ شاركوا في إعادة تركيب الدولة بعد الطائف.
ليس سهلاً اختصار حياة محسن دلول الذي رحل عن ثلاثة وتسعين عاماً، في توصيف سياسيّ مباشر، ولا في سيرة تقليديّة تُعدّد المناصب والسنوات
كان من جيلٍ يرى السياسة فنّاً للتسوية لا صراعاً على السلطة، جيلٍ يعتبر أنّ إنجاز السياسيّ لا يقاس فقط بما يعلنه، بل بما يمنع وقوعه.
لهذا يصعب اختصار سيرته في منصب أو لقب. كان الرجل الذي تنقّل بين التعليم والصحافة والحزب والوزارة والنيابة في جوهره وسيطاً دائماً بين أطراف متخاصمة، وبين مشاريع متناقضة.
إقرأ أيضاً: رحل محسن دلّول.. ناقل بريد السّياسيّين
في تلك المسافة تحديداً، حيث لا تُرفع الأعلام ولا تُكتب الخطب، تتشكّل أدوار كثيرة في تاريخ لبنان… ثمّ تختفي بصمت، كما اختفى هو.
لمتابعة الكاتب على X: