ملتسبة وصعبة هي الكتابة عن محسن دلول، تماماً كحياته. فهي كتابةٌ تورّطك قبل أن تصنع في آخر الورطة مخرجاً، وتحرجك حين تتحوّل الحقائق إلى ألغام قد تنفجر بك في أيّ لحظة.
93 عاماً عاشها محسن دلول بطولها وعرضها، رافق الكبار في سيّاراتهم ومكاتبهم خلال حياتهم، ومشى خلف نعوشهم بعد وفاتهم… حتّى يمكن القول إنّه مشى في جنازة الجميع وهو المدرك لماذا قُتلوا ومن قتلهم!
لم يخاصم محسن دلول أحداً في حياته، لكنّ الجميع كان حذراً منه، متحفّظاً بعلاقته معه. فصله وليد جنبلاط من الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ عام 1977، ثمّ طلب منه العودة إلى الحزب ففضّل المكوث في خانة المفصولين.
صاهر الرئيس رفيق الحريري وقضى سنواته معه كالعصفور الخشبيّ في ساعة الحائط، تارة يخرج مقترباً، وتارة أخرى ينكفئ.
ناقل بريد السّياسيّين
“أبو نزار” كما يخاطبه الكثيرون اشتُهر بنقل الرسائل. والبعض الكاره له كان يقول عنه إنّه “كبير كتبة التقارير”. إلّا أنّ الحقيقة الصادمة للكثيرين أنّه كان حاجة ملحّة للكثيرين من السياسيّين. هو أكثر العابرين على الحدود اللبنانيّة السوريّة وأكثر العالمين بخبايا تلك الحدود وهويّات العابرين.
نقل رسالة إلى كمال جنبلاط من وزير خارجيّة تونس الراحل الحبيب الشطي الذي كان زميلاً لجنبلاط في الدراسة في فرنسا يبلغه فيها أن ينتبه ولا يحاول قطع الخيوط التي تسير لأنّها تقطعه. نظر إليه جنبلاط ملتبساً من دون أن يعلّق، حتّى اغتيل عام 1977 على مفرق قرية دير دوريت بأصابع أسديّة وتكليف من قصر المهاجرين.
يطوي معه محسن دلّول قصص 93 عاماً وقد سقط كلّ من عاصره قاتلاً وقتيلاً. الرجل انتهى عمله قبل سنة وليس بالأمس القريب
صداقته لجنبلاط لم تمنعه من نشر الضباب حول حقيقة الاغتيال. قال إنّ من اغتاله هم كلّ العرب والعالم لأنّ الاغتيال لا يكون بقرار فرديّ. وكي يقرّر لنفسه ضبابيّة الحقيقة روى في كتاب له أنّ القاضي حسن قواص، الذي كُلّف كمحقّق عدليّ في قضيّة اغتيال كمال جنبلاط، زار شيخ عقل الطائفة الدرزيّة في حينه محمّد أبو شقرا، ثمّ زار وليد حنبلاط لإبلاغهما بهويّة القاتل. قال له أبو شقرا: “اغلق الملفّ فليست لنا مصلحة بمعرفة من قتل كمال جنبلاط”. ثمّ تسلّم منه جنبلاط ملفّ التحقيق وحمله ورماه في الموقد أمامه طالباً تجاوز كلّ الآلام ووجع السنين. حمل أيضاً رسالة من عبدالحليم خدّام إلى رفيق الحريري طالباً منه السفر والرحيل، ومصدر تلك الرسالة عبدالحليم خدّام أبو جمال صديق الحريري وأحد رموز حلفاء الأسد الغاضبين.
تعجّب رفيق الحريري من مضمون الرسالة فاتّصل بخدّام بوجود دلّول، فقال له خدّام: “انصت لما يقوله أبو نزار، فالوضع خطِر”.
أمّا عن تهمة كتابة التقارير فاللافت أنّ حياته السياسيّة بدأت بكتابة تقرير تحدّث عنه عندما سُئل: ماذا لفت كمال جنبلاط بشابّ في عمره؟ فقال: “ثقافتي على الأرجح. ولاحقاً أحبّ رفقتي. وفي ثورة 1958 كلّفني بمهمّة إعداد تقرير أسبوعيّ عن حراك جمال عبدالناصر. كنت أنتقل على القدمين كي لا يلتقطوا التقارير التي بحوزتي”.
93 عاماً عاشها محسن دلول بطولها وعرضها، رافق الكبار في سيّاراتهم ومكاتبهم خلال حياتهم
صفحة طُويت
يطوي معه محسن دلّول قصص 93 عاماً وقد سقط كلّ من عاصره قاتلاً وقتيلاً. الرجل انتهى عمله قبل سنة وليس بالأمس القريب. انقطع عمره السياسي عندما سقط نظام الأسد فنظر حوله وقد بلغ من العمر عتيّاً، وهمس في سرّه: لم يعد لي صديق، فغاب عن السمع واللقاء والكتابة مكتفياً بسلسلة الكتب التي أصدرها، وليس فيها كثيرٌ ممّا يعرف، بل على الرغم من ضخامتها احتوت على القليل القليل.
كان محسن دلّول أحببته أم لم تحبّه حاضراً في تاريخنا القريب، شاهداً صامتاً لم يقبل يوماً أن يدلي بشهادته لتمييز الحقيقة عن التضليل.
إقرأ أيضاً: الشيخ المهزوم والدولة العاجزة
يرحل تاركاً خلفه التباساً كبيراً من الصعب على أحد أن يفكّ شيفرته في وقت قصير. سيكتب التاريخ كثيراً عمّا حصل، لكن ستبقى أسرار محسن دلّول مكتومة عن الكثيرين.
لمتابعة الكاتب على X: