لبنان الغائب منذ غاب رفيق الحريري

مدة القراءة 5 د

سؤال يقتحم مخيّلة اللبنانيّين كلّ سنة، عندما تقترب ذكرى الرابع عشر من شباط: كيف كان سيكون لبنان لو كان الرئيس رفيق الحريري لا يزال على قيد الحياة. معظم الأجوبة على هذا السؤال تفسّر قرار اغتياله، حتّى لا نقول تفهّم دوافع القتلة.

 

لو كان رفيق الحريري لا يزال حيّاً لكان شكل لبنان مختلفاً، خصوصاً لو سُمِح للرئيس الشهيد أن يبنيه على الأسس التي كان يؤمن بها، ولكان معسكر السلام بين اللبنانيّين أقوى من قوى الظلام، وصورة العمران طاغية على مشهد القرى المدمّرة، ولما كان أهلها البؤساء مشرّدين في وطنهم، ولكان لبنان قويّاً في المنطقة العربيّة والعالم، منيعاً في مرحلة تفكيك الكيانات وإعادة رسم الخرائط، عصيّاً على التلاعب بكيانه.

تحوّل جذريّ؟

يشعر المراقب الآن بأنّ علاقات لبنان مع محور الغرب والعالم الليبراليّ تصطدم بالعثرات، وإن كانت غير مقطوعة، وذلك بعكس الدفء الذي كانت تتّصف به على امتداد تاريخه السياسيّ.

لا شكّ أنّ سبب هذه البرودة في العلاقات يعود بنسبة كبيرة إلى الوجود القويّ لـ”الحزب” على أرض لبنان وتأثيره على السلطة اللبنانيّة، وتحكّمه بالعديد من الجوانب السياسيّة والعسكريّة والماليّة. ومن غرائب الصدف أنّ لبنان هو في أبعد نقطة له عن الغرب، فيما سوريا، على عكس ذلك، تعيش أفضل العلاقات مع الخليج العربيّ وأوروبا والولايات المتّحدة، خلافاً لما كانت عليه إبّان حكم البعث في نصف القرن الذي انقضى.

يدور منذ فترة طويلة صراع دوليّ حول التنقيب عن الغاز في شرق المتوسّط واستثماره. وسرت سابقاً تكهّنات مفادها أنّ روسيا ترغب بالاستئثار بهذا النشاط في المنطقة، نظراً إلى علاقتها السابقة مع نظام الأسد وامتلاكها قواعد عسكريّة في غرب سوريا.

لو كان رفيق الحريري لا يزال حيّاً لكان شكل لبنان مختلفاً، خصوصاً لو سُمِح للرئيس الشهيد أن يبنيه على الأسس التي كان يؤمن بها

حتّى إن شركة “سويوز نفت غاز” الروسيّة وقّعت سنة 2013 اتّفاقاً للتنقيب عن الغاز في الساحل السوريّ. لكن لسوء حظّ روسيا تمّ إلغاء هذا المشروع بعد عامين من توقيعه بسبب الحرب الأهليّة التي نشبت في سوريا، إذ أعلنت الشركة الروسيّة تخلّيها عن خطط التنقيب عن الطاقة في المنطقة.

في مشهد يعكس التحوّل السياسيّ الجذريذ بعد سقوط نظام الأسد، قامت حكومة الرئيس أحمد الشرع بخطوة مفاجئة عندما وقّعت قبل أسبوع اتّفاقاً للتنقيب عن النفط والغاز مع شركتَي “شيفرون” الأميركيّة و”باور” القطريّة.

شركة “شيفرون” هي شركة أميركيّة عملاقة متخصّصة في مجالات النفط والغاز الطبيعيّ. تدير من كاليفورنيا أعمالها في 180 دولة، وهي من أكبر الشركات العالميّة، وتُقدَّر إيراداتها السنويّة بما يقارب 150 مليار دولار.

الخطر الأكبر

على صعيد العلاقات السوريّة ـ السعوديّة، لسنا بحاجة إلى مراجعة المؤشّرات الاقتصاديّة السعوديّة ولا إلى استذكار المناسبات التي تألّقت فيها المملكة في السنوات والأشهر الأخيرة لتأكيد أهمّيّتها على الصعيدين العربيّ والدوليّ. تكفي الإشارة إلى التقرير الذي نشره صندوق النقد الدوليّ قبل نحو أسبوعين، بعنوان “الإصلاحات البنيويّة في المملكة العربيّة السعودية منذ سنة 2016″، والذي قدّم تحليلاً للخطوات التي قطعتها المملكة على طريق تنفيذ خطّة الأمير محمد بن سلمان “رؤية السعوديّة 2030″، التي أعلنها وليّ العهد السعوديّ سنة 2016.

ذكر التقرير، المعزّز بالأرقام والبيانات، أنّ حكومة المملكة ساهمت منذ إعلان الخطّة في تعزيز النموّ الاقتصاديّ وتخفيض منسوب البطالة وتنويع مصادر الدخل الوطنيّ. فنموّ الناتج المحلّي غير النفطي تقدّم بقوّة على الرغم من تذبذب أسعار النفط، وأصبحت الصادرات والإيرادات العموميّة السعوديّة أكثر تنوّعاً مع تراجع اعتماد كلّ منها على النفط. وأشار التقرير إلى النتائج الباهرة لمؤشّرات سوق العمل، حيث انخفض معدّل البطالة إلى 6.3% في بداية العام الماضي، بحيث اقترب من المستوى المستهدَف، وهو 5%، وقد تضاعف معدّل العمالة بين النساء.

أكبر خطر على لبنان أن يكون معزولاً خلال رسم التحالفات وترسيم الحدود بين التكتّلات الإقليميّة والدوليّة

وقّعت الحكومة السوريّة الأسبوع الماضي مع الحكومة السعوديّة عدداً من العقود الاستراتيجيّة في قطاعات الطيران والاتّصالات والبنية التحتيّة والمبادرات التنمويّة، على حدّ قول وزير الاستثمار السعوديّ الذي وقّع الاتّفاقيّات بالنيابة عن حكومته.

من العقود المهمّة التي جرى توقيعها “اتفاقيّة البنية التحتيّة للاتّصالات” بين وزارة الاتّصالات والمعلومات السوريّة وشركة “الاتّصالات السعوديّة”. من شأن هذه الاتّفاقيّة تعزيز خدمات الإنترنت وتأهيل سوريا لتصبح مركزاً إقليميّاً لنقل البيانات والاتّصال الدوليّ.

إقرأ أيضاً: رفيق الحريري… قراءة في المسار لا في الحدث

أكبر خطر على لبنان أن يكون معزولاً خلال رسم التحالفات وترسيم الحدود بين التكتّلات الإقليميّة والدوليّة. أكبر خطر عليه أن يكون مقعده شاغراً على طاولة المفاوضات والمساومات. ولا أحد يملأ موقعه ومقعده مثل الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

مواضيع ذات صلة

روبيو في ميونيخ: الاتّهام المخمليّ لأوروبا

رسم وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، في الخطاب الرئيس الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، قبل أيّام، الخطوط العريضة لرؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب…

إيران وأميركا: طبول الحرب وآفاق التّسوية

تصاعدت وتيرة التحضيرات لعمليّة عسكريّة أميركيّة واسعة النطاق في إيران، ووصلت حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة في مشهد غير مسبوق يختلف نوعيّاً عن أجواء الاحتقان…

معركة وراثة ترامب: فانس ضدّ روبيو

بينما يستقرّ دونالد ترامب في ولايته الثانية، يطفو سؤال واحد فوق المشهد الجمهوريّ: من سيرث حركة “ماغا”؟   حركة “ماغا” التي أعادت تشكيل الحزب الجمهوريّ…

رفيق الحريري… قراءة في المسار لا في الحدث

تمرّ إحدى وعشرون سنة على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولا يزال ذلك اليوم من شباط 2005 يبدو كأنّه اللحظة الفاصلة التي انكسر عندها إيقاع لبنان…