معركة وراثة ترامب: فانس ضدّ روبيو

مدة القراءة 8 د

بينما يستقرّ دونالد ترامب في ولايته الثانية، يطفو سؤال واحد فوق المشهد الجمهوريّ: من سيرث حركة “ماغا”؟

 

حركة “ماغا” التي أعادت تشكيل الحزب الجمهوريّ على مدى عقد كامل لم تعد خطاباً انتخابيّاً وحسب، بل أصبحت هويّة سياسيّة كاملة. لذلك لن تكون معركة “ما بعد ترامب” انتقالاً عاديّاً للقيادة، بل صراع على تعريف الترامبيّة نفسها: هل تبقى حركة شعبويّة صداميّة أم تتحوّل إلى تيّار محافظ أكثر مأسسة وانضباطاً؟

في قلب هذا السباق المبكر يبرز اسمان كأكثر المرشّحين جدّيّة: نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجيّة ماركو روبيو. كلاهما يعمل داخل الإدارة، وكلاهما يقدّم نفسه كامتداد للرئيس، لكنّ كلّاً منهما يمثّل نسخة مختلفة من الترامبيّة المقبلة.

لم يمنح ترامب بعد “ختم الوراثة” رسميّاً، لكنّه أرسل ما يشبه الإشارة. فقد وصف فانس في أكثر من مناسبة بأنّه الوريث الأكثر احتمالاً لحركة “ماغا”، وإن كان بطريقته المعتادة قد أبقى الباب مفتوحاً أمام سيناريوات أخرى.

في تعليقات حديثة، طرح ترامب فكرة تذكرة انتخابيّة محتملة لعام 2028 تجمع الرجلين: فانس – روبيو، واصفاً كليهما بأنّهما “رائعان”، ومقترحاً أنّهما قد “يجتمعان بشكل ما”. إنّها سياسة ترامب التقليديّة: توسيع الخيارات وإبقاء الجميع في حالة ترقّب.

لكن خلف المواربة، تبدو الحقيقة أكثر مباشرة: الميزة الهيكليّة تميل بوضوح إلى فانس، إذ يمتلك منصب نائب الرئيس منصّة الانطلاق التقليديّة لأيّ سباق رئاسيّ.

حركة “ماغا” التي أعادت تشكيل الحزب الجمهوريّ على مدى عقد كامل لم تعد خطاباً انتخابيّاً وحسب، بل أصبحت هويّة سياسيّة كاملة

تعكس استطلاعات الرأي وأسواق التنبّؤ هذه الأفضليّة:

  • تمنح Polymarket فانس فرصةً تقارب 55% للفوز بترشيح الحزب الجمهوريّ عام 2028.
  • فيما أظهر استطلاع Economist/YouGov أنّ 43% من الجمهوريّين يرون فانس مرشّحهم المثاليّ لعام 2028، مقابل 4% فقط لروبيو.

في هذه المرحلة المبكرة، لا يبدو السباق متقارباً، بل يبدو أنّ فانس يتقدّم بما يشبه الفارق الساحق داخل القاعدة.

يعزّز هذا التقدّم حصوله على دعم مبكر من منظومة “ماغا” المؤسّسيّة. فقد أعلنت إريكا كيرك، رئيسة منظّمة Turning Point USA وأرملة تشارلي كيرك الذي اغتيل في مهرجان داعم لـ”ماغا”، تأييدها لترشّح فانس المحتمل، وهي إشارة ثقيلة الوزن داخل التيّار الشعبويّ المحافظ الذي يصنع المزاج الانتخابيّ للجمهوريّين.

في المقابل، يلعب روبيو أوراقه بحذر، فهو يكرّر علناً أنّه إذا ترشّح فانس “فسيكون مرشّحنا”، وأنّه سيكون من أوائل الداعمين له.

ليست هذه الصيغة موقفاً أخلاقيّاً فحسب، بل تكتيك سياسيّ محسوب:

  • يحميه من غضب القاعدة.
  • يظهره كصاحب “وحدة حزبيّة”.
  • يترك له هامشاً للمناورة إذا تغيّرت الظروف.

يمتلك روبيو، الذي يشغل منصب وزير الخارجيّة الأميركيّ، مزايا لا يملكها فانس: قبول أعلى لدى المستقلّين وخطاب خارجيّ أكثر دبلوماسيّة مقارنة بالخطاب القاعديّ. وعلى المنصّة الدوليّة تجلّى هذا بوضوح في كلمته أمام مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، حيث سعى إلى طمأنة الحلفاء الأوروبيّين بعد توتّرات السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد خطاب فانس في المؤتمر ذاته العام الماضي حين استفزّ الحلفاء الأوروبيّين، مؤكّداً أنّ الولايات المتّحدة وأوروبا “تنتميان بعضها إلى بعض” وأنّ واشنطن لا تنوي التخلّي عن شراكتها مع حلفائها التقليديّين، لكنّه ربط ذلك بشرط إعادة تفعيل التحالف عبر الأطلسيّ وفق مصالح مشتركة في ظلّ التحوّلات العالميّة، ودعا إلى إصلاح المؤسّسات الدوليّة بدل إزالتها، مع الحفاظ على القيم المشتركة التي تربط الديمقراطيّات الغربيّة.

تعكس هذه النبرة، التي أبعدت الخطاب عن صداميّة الداخل، محاولة روبيو أن يقدّم ترامبيّة دبلوماسيّة أو خطاباً يمكن أن يجذب المستقلّين والمحافظين التقليديّين على حدّ سواء.

يمتلك روبيو، الذي يشغل منصب وزير الخارجيّة الأميركيّ، مزايا لا يملكها فانس: قبول أعلى لدى المستقلّين وخطاب خارجيّ أكثر دبلوماسيّة مقارنة بالخطاب القاعديّ

منافسة أم تحالف؟

يقدّم الرجلان علناً جبهة موحّدة. وتقول تقارير سياسيّة إنّ مكتبَي فانس وروبيو متقاربان داخل البيت الأبيض، وإنّهما يجتمعان باستمرار ويشاركان في صنع قرارات كبرى في السياسة الخارجيّة والأمن القوميّ.

مرشّحون آخرون في الظّلّ ينتظرون “خطأ الكبار”

على الرغم من أنّ فانس وروبيو يتصدّران المشهد، لن يكون سباق 2028 داخل الحزب الجمهوريّ بالضرورة ثنائيّاً. لا تحبّ السياسة الأميركيّة الفراغ، وكلّ اهتزاز في أداء الإدارة أو نتائج الانتخابات النصفيّة قد يفتح الباب أمام أسماء أخرى تمتلك قواعد حزبيّة أو منصّات تنفيذيّة أو شبكات تمويل جاهزة. من أبرز هؤلاء:

  • كريستي نويم، وزيرة الأمن الداخليّ الأميركيّة في إدارة ترامب، التي تدير واحدة من أكثر الوزارات حساسيّة في ملفّات الحدود والهجرة والأمن الداخليّ. وجودها في قلب أجندة ترامب يجعلها مرشّحة طبيعيّة إذا أرادت القاعدة وجهاً “أمنيّاً” يحمل راية التشدّد دون أن يكون فانس.
  • رون ديسانتيس، الحاكم السابق لفلوريدا والمنافس الجمهوريّ الأبرز لترامب في الدورة الماضية. ما يزال يمتلك ماكينة سياسيّة قويّة وشبكة مانحين، وقد يعود إذا بدا أنّ الحزب يريد “ترامبيّة أكثر انضباطاً” وأقلّ صداماً شخصيّاً.
  • نيكي هايلي السفيرة الأميركيّة السابقة لدى الأمم المتّحدة والمرشّحة القويّة في الانتخابات التمهيديّة الأخيرة. تُطرح كخيار يراهن على تعب الناخبين من المواجهة الدائمة، وعلى الحاجة إلى مرشّح قادر على استعادة الضواحي والنساء والمستقلّين.
  • تيم سكوت، سناتور ساوث كارولاينا، صاحب حضور قويّ لدى المموّلين والجناح المحافظ التقليديّ. قد يظهر كمرشّح “توافقيّ” إذا انقسمت القاعدة بين الشعبويّة الخالصة والبراغماتيّة الانتخابيّة.
  • غلين يونغكن، الحاكم السابق لفيرجينيا، يُنظر إليه كوجه يمكنه مخاطبة الضواحي والولايات المتأرجحة بلغة محافظة حديثة، من دون الدخول في صدامات ماغا اليوميّة.
  • تولسي غابارد مديرة الاستخبارات الوطنيّة (Director of National Intelligence) في إدارة ترامب، وحالة سياسيّة خاصّة: كانت عضواً في الحزب الديمقراطيّ قبل أن تنتقل إلى الجناح الجمهوريّ، وتمثّل خطاب “تفكيك المؤسّسة” من موقع استخباريّ رسميّ.

ليس هؤلاء أسماء هامشيّة بل احتياط استراتيجيّ للحزب: كلّ واحد منهم قد يتحوّل إلى خيار جدّيّ إذا تعثّر فانس، أو إذا قرّر الجمهوريّون بعد 2026 أنّ الفوز في الولايات المتأرجحة أهمّ من نقاء “ماغا”.

يمثّل الصراع بين فانس وروبيو نقاشاً أعمق داخل الحزب: ما هي “ماغا” أصلاً؟

يجسّد فانس النواة الصلبة للحركة: خطاب هجوميّ، عداء صريح للمؤسّسة، وتماهٍ كامل مع الحرب الثقافيّة. يصفه مراقبون بأنّه ينقل الترامبيّة “بحماسة المتحوّل”: هو مؤمن عقائديّاً وليس سياسيّاً براغماتيّاً وحسب. ارتباطه بشخصيّات مثل تاكر كارلسون يعزّز صورته كمرشّح الجناح الأكثر تصلّباً داخل “ماغا”. لكنّ هذه الأصالة، على الرغم من قوّتها داخل القاعدة، تثير قلقاً لدى بعض المحافظين التقليديّين: هل يستطيع الفوز فعلاً في الانتخابات العامّة؟

أمّا روبيو فقد تحوّل خلال السنوات الأخيرة من خصم لترامب إلى واحد من أكثر رجاله انضباطاً. تبنّى سياسات ترامب في الهجرة والتجارة والسياسة الخارجيّة، لكنّه يقدّمها بلغة محافظة تقليديّة أقلّ استفزازاً وأكثر قابليّة للتسويق أمام الناخبين المتردّدين. إنّه يراهن على أنّ الترامبيّة يمكن أن تصبح مشروعاً دائماً ومنظّماً لا حركة مرتبطة بشخص ترامب فقط.

يجسّد فانس النواة الصلبة للحركة: خطاب هجوميّ، عداء صريح للمؤسّسة، وتماهٍ كامل مع الحرب الثقافيّة

الاستفتاء الذي سيحدّد الوريث

قد لا يُحسم سباق الوراثة داخل الحزب في 2028، بل في 2026، إذ ستكون الانتخابات النصفيّة المقبلة اختباراً مبكراً لثلاثة أسئلة مصيريّة:

1) أما زالت ماغا قادرة على تعبئة القاعدة؟

إذا حقّق الجمهوريّون مكاسب واضحة فسيُقرأ ذلك كإقرار بأنّ الترامبيّة ما تزال رابحة، وسيمنح ذلك فانس زخماً إضافيّاً باعتباره الوريث الطبيعيّ لإدارة ناجحة.

2) هل تعب الناخبون من المواجهة؟

إذا خسر الجمهوريّون أو تراجعوا في الضواحي والولايات المتأرجحة، فستبدأ الأسئلة: هل يحتاج الحزب إلى مرشّح مقبول أكثر؟ هنا قد يبرز روبيو، وربّما هايلي أو يونغكن، كبدائل “قابلة للفوز”.

3) هل يصبح الحزب منقسماً بين “القاعدة” و”الوسط”؟

في حال جاءت النتائج متناقضة، سيبدأ كلّ جناح بتفسيرها وفق مصالحه:

  • فانس سيقول إنّ المشكلة في التعبئة.
  • روبيو سيقول إنّ المشكلة في الصورة العامّة أمام المستقلّين.

 إقرأ أيضاً: روبيو في ميونيخ: الاتّهام المخمليّ لأوروبا

الطّريق إلى 2028 يبدأ الآن

لا يستطيع أيّ من الرجلين الانتظار حتّى 2028. من الآن حتّى 2028، سيصبح كلّ قرار داخل الإدارة مادّة سياسيّة، وكلّ ملفّ خارجيّ اختباراً للقيادة.

فانس سيحاول تقديم نفسه كحارس للترامبيّة: صوت القاعدة داخل البيت الأبيض.

أمّا روبيو فسيحاول بناء سرديّة رجل الدولة: الكفاءة والانضباط والقدرة على إدارة التحالفات.

في الوقت الحالي، يمتلك فانس المسار الأوضح. لكنّ السياسة الأميركيّة مليئة بالمفاجآت. وقد يصبح قبول روبيو لدى المستقلّين وخبرته في السياسة الخارجيّة أكثر أهميّة ممّا توحي به استطلاعات اليوم، خصوصاً إذا قرّر الجمهوريّون أنّ معيار 2028 ليس “مَن الأكثر ترامبيّة”، بل مَن الأكثر قدرة على الفوز.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

روبيو في ميونيخ: الاتّهام المخمليّ لأوروبا

رسم وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، في الخطاب الرئيس الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، قبل أيّام، الخطوط العريضة لرؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب…

إيران وأميركا: طبول الحرب وآفاق التّسوية

تصاعدت وتيرة التحضيرات لعمليّة عسكريّة أميركيّة واسعة النطاق في إيران، ووصلت حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة في مشهد غير مسبوق يختلف نوعيّاً عن أجواء الاحتقان…

رفيق الحريري… قراءة في المسار لا في الحدث

تمرّ إحدى وعشرون سنة على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولا يزال ذلك اليوم من شباط 2005 يبدو كأنّه اللحظة الفاصلة التي انكسر عندها إيقاع لبنان…

هل يصمد مجلس التّعاون بعد سقوط مبرّر وجوده التأسيسي؟

لم يتأسس مجلس التّعاون لدول الخليج العربية عام 1981 كمشروع اندماجٍ اقتصادي على النمط الأوروبي، بل كآلية ردعٍ جماعي في ظل صدمة الثورة الإيرانية واحتدام…