هل يواجه وزير الخارجيّة دعوى جزائيّة؟

مدة القراءة 7 د

على جدول أعمال مجلس الوزراء بند يبدو إداريّاً في ظاهره: تعديل مركز عمل السفيرة جان مراد (التي عيّنها رئيس الجمهوريّة جوزف عون مستشارة دبلوماسيّة في بداية عهده) من سفارة لبنان في قبرص إلى الإدارة المركزيّة، وتعيين سفيرة أخرى مكانها. غير أنّ هذا البند، بتوقيته ومضمونه، يضع وزير الخارجيّة يوسف رجّي في قلب مواجهة قانونيّة مفتوحة قد لا تتوقّف عند حدود الطعن الإداريّ، بل قد تصل إلى دعوى جزائيّة تلاحقه حتّى بعد خروجه من الوزارة.

 

لم تعد المسألة خلافاً على مناقلة دبلوماسيّة، بل باتت اختباراً مباشراً لاحترام حكم قضائيّ مبرم وقرار صادر عن مجلس الوزراء ولحدود السلطة التقديريّة في مواجهة مبدأ المشروعيّة.

تسلسل يكشف مكمن الخلل

لفهم خطورة المآل، لا بد من استعادة الوقائع:

1- 14 أيلول 2023: قرار استدعاء جان مراد من مركزها في نيويورك إلى الإدارة المركزيّة.

2- 9 كانون الثاني 2025: تعيين السفيرة جان مراد مستشارة للشؤون الدبلوماسيّة في القصر الجمهوريّ لغاية صدور قرار تعيينها في قبرص.

3- 18 تشرين الثاني 2025: مجلس شورى الدولة يُبطل القرار ويعتبره كأن لم يكن، ويمنحه مفعولاً رجعيّاً، ملزماً الإدارة بمحو آثاره.

4- 16 حزيران 2025: مجلس الوزراء يقرّ تعيينها رئيسةً لبعثة لبنان في قبرص برتبة سفير.

5- 7 آب 2025: وزارة الخارجيّة تُبرز قرار التعيين في قبرص أمام مجلس شورى الدولة ضمن مرافعاتها، باعتباره جزءاً من معالجة النزاع.

6- 22 كانون الثاني 2026: صدور مرسوم يصحّح وضعها الإداريّ تنفيذاً للحكم القضائيّ.

7- اليوم: الوزير يمتنع عن توقيع مرسوم تعيينها في قبرص حصراً، ويطرح تعديل مركز عملها، فيما باشر زملاؤها الـ13 مهامّهم في الخارج بلا عوائق.

لا يشي هذا التسلسل باجتهاد إداريّ عاديّ، بل يطرح شبهة تعطيل قرار نافذ بعد اكتمال عناصره الدستوريّة والإداريّة، وبعد نيل موافقة الدولة المضيفة وتوقيع رئيس الجمهوريّة كتب الاعتماد، وإدراج اسم السفيرة مراد ضمن لائحة بروتوكول وزارة الخارجيّة القبرصيّة للجسم الدبلوماسيّ الأجنبيّ المعتمَد في نيقوسيا.

لم تعد المسألة خلافاً على مناقلة دبلوماسيّة، بل باتت اختباراً مباشراً لاحترام حكم قضائيّ مبرم وقرار صادر عن مجلس الوزراء

حكم “الشّورى”: تنفيذ أم التفاف؟

لم يكتفِ قرار مجلس شورى الدولة بإبطال الاستدعاء، بل ألغاه بأثر رجعيّ، أي أنّه أعدم الأساس القانونيّ الذي بُني عليه بقاؤها في الإدارة.

عندما يصبح التنفيذ المادّيّ مستحيلاً كإعادتها إلى نيويورك يتحقّق التنفيذ القانونيّ بإعادة الاعتبار إليها عبر إلحاقها بمركز خارجيّ مماثل. هذا ما فعله مجلس الوزراء بتعيينها في قبرص.

الامتناع عن توقيع مرسوم تعيينها اليوم لا يمكن عزله عن هذا السياق. فإمّا أن يُعتبر تنفيذاً منقوصاً يفرغ الحكم من مضمونه، وإمّا أن يُفسَّر كتحدٍّ مباشر لمفاعيل حكم قضائيّ مبرم.

انتقائيّة في تطبيق القواعد؟

يبرّر الوزير موقفه بأنّ مفاعيل حكم “الشورى” تعني أنّها لم تمضِ عامين فعليَّين في الإدارة، وبالتالي يسقط مبرّر نقلها إلى الخارج.

غير أنّ هذا التفسير لا يُطبَّق على سواها، فالدبلوماسيّون الثلاثة عشر الذين شملتهم الدورة نفسها لم يُلزَموا بقضاء مدّة مماثلة في الإدارة، ووافق مجلس الخدمة المدنيّة على ذلك، موضحاً أنّه أمام قرار مجلس الوزراء تسقط المهل، والأمر سيّان بالنسبة لمراد أسوة بزملائها، ووقّع الوزير مراسيمهم بلا تحفّظ، باستثناء مرسوم السفيرة مراد الذي حفظه في الأدراج منذ شهر حزيران 2025، تاريخ صدور قرار مجلس الوزراء بتعيينها في قبرص. هذا والاسم المطروح لتعيينه مكانها عاد حديثاً إلى الوزارة بعد خدمة خارجيّة طويلة ولم يقضِ فترة السنتين التي يتحجّج بها رجّي.

حين تُطبَّق القاعدة على موظّف دون غيره، تتحوّل السلطة التقديريّة إلى سلطة انتقائيّة، وتدخل في دائرة الانحراف بالسلطة.

ما يقضي به مجلس شورى الدولة يجب الأخذ به بصورة نهائيّة باعتباره غير قابل لإعادة النظر

من التّعطيل إلى المسؤوليّة الجزائيّة

كلّ من يواجه تهمة التعطيل في تنفيذ أحكام القانون يواجه تداعيات قانونيّة، أبرزها:

1- دعوى إداريّة جديدة:

قد تُرفع أمام مجلس شورى الدولة لإبطال قرار الامتناع أو تعديل مركز العمل، استناداً إلى:

– مخالفة مبدأ المساواة.

– إساءة استعمال السلطة.

– مخالفة حكم قضائيّ مبرم.

وقد يرافقها طلب غرامات إكراهيّة على الإدارة.

2- دعوى جزائيّة محتملة:

المادّة 371 من قانون العقوبات واضحة: كلّ موظّف يستعمل سلطته أو نفوذه ليعوق أو يؤخّر تنفيذ قرار قضائيّ أو أمر صادر عن سلطة ذات صلاحيّة يُعاقب بالحبس.

إذا اعتُبر الامتناع عن توقيع مرسوم التعيين عرقلةً لتنفيذ حكم “الشورى” أو تعطيلاً لقرار مجلس الوزراء، يصبح الإخبار الجزائيّ خياراً مطروحاً.

المسؤوليّة الجزائيّة شخصيّة، ولا تسقط بانتهاء الولاية الوزاريّة. أيّ ملاحقة، إذا سلكت مسارها، سترافق الوزير حتّى بعد مغادرته منصبه ما لم يُحسم الملفّ قبل ذلك.

استدعاء مقنّع أم رسالة سياسيّة؟

إلغاء تعيين دبلوماسيّة ربحت دعوى ضدّ الوزارة، بعد استكمال كلّ الإجراءات، يطرح سؤالاً قاسياً: هل نحن أمام قرار إداريّ أم أمام رسالة عقابيّة مقنّعة؟

التراجع عن قرار أبرزته الوزارة نفسها أمام القضاء كجزء من الحلّ، ومذكور في متن الحكم، يضرب مبدأ الثقة المشروعة واستقرار القرارات الإداريّة.

في هذه الحالة، لا يعود النقاش تقنيّاً، بل يتحوّل إلى مسألة تتّصل بهيبة القضاء وبمدى استعداد السلطة التنفيذيّة لالتزام أحكامه.

لم يكتفِ قرار مجلس شورى الدولة بإبطال الاستدعاء، بل ألغاه بأثر رجعيّ، أي أنّه أعدم الأساس القانونيّ الذي بُني عليه بقاؤها في الإدارة

ما الخيارات المطروحة؟

أمام هذا المشهد، يتحدّث المعنيّون بالملفّ عن خيارات محدّدة:

1- تنفيذ وتوقيع الوزير لمرسوم تعيينها في قبرص تصحيحاً للوضع وتنفيذاً لقرار مجلس الوزراء وروحيّة الحكم القضائيّ.

2- طلب تفسير الحكم من مجلس شورى الدولة إذا كان ثمّة التباس في فهم مفاعيله.

3- المضيّ في مسار قضائيّ جديد قد يفتح الباب أمام مساءلة إداريّة وجزائيّة سيواجهها حتّى بعد خروجه من الحكم.

استقرّ اجتهاد مجلس شورى الدولة على أنّ قراراته هي قرارات قضائيّة ملزِمة وتتمتّع بقوّة القضيّة المحكمة، وهي تبعاً لذلك ملزِمة للإدارة التي لا خيار ولا سلطة استنسابيّة لها في تنفيذها أو في عدم تنفيذها، وأنّ ما يقضي به مجلس شورى الدولة يجب الأخذ به بصورة نهائيّة باعتباره غير قابل لإعادة النظر، وأحكامه القضائيّة لا تقع تحت رقابة وتقدير الإدارة، وأنّ الإدارة ملزَمة بصورة نهائيّة وفي جميع الأحوال بأن تنفّذ الأحكام القضائيّة بحسن نيّة وعلى وجهها الصحيح، وأنّ امتناعها عن تطبيق الأحكام المبرَمة وتجاهلها لقوّة القضيّة المحكمة أو تقاعسها في التنفيذ أو تغييرها لهذه الأحكام يُعتبر عملاً غير شرعيّ ويشكّل بالتالي تجاوزاً لحدّ السلطة.

لمّا كان واجباً تنفيذ قرارات مجلس شورى الدولة بصورة كاملة وبدون أيّ تجزئة، لأنّها تشكّل وحدة قانونيّة متماسكة منسجمة لا تتجزّأ، وبالتالي يستحيل على الإدارة أن تنفّذ الحكم بصورة جزئيّة وتمتنع عن تنفيذ بعض حيثيّات الحكم بشكل مغاير لمضمون الحكم ومتناقض معه، فإذا جاء التنفيذ ناقصاً أو لا يتّفق مع مضمون الحكم فإنّ ذلك لا يُعتبر تنفيذاً للحكم.

إقرأ أيضاً: ورشة “الحزب”: من إقالة صفا إلى المجلس الجهاديّ

اختبار قاسٍ لشعار “دولة القانون”

القضيّة اليوم أبعد من نزاع وظيفيّ. إنّها مواجهة بين منطقين: منطق يعتبر الأحكام القضائيّة ملزِمة ونهائيّة، ومنطق يرى في السلطة التقديريّة مساحة للتعليق أو التعطيل.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@josephinedeeb

مواضيع ذات صلة

أسرار إدراج الكويت 8 مستشفيات لبنانيّة على القائمة السّوداء

لا يأتي قرار الكويت إدراج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمتها الخاصّة بمكافحة الإرهاب من خارج السياق. سبق لوزير داخليّتها الشيخ فهد اليوسف أن كان واضحاً…

انتخابات بلا قانون بانتظار هيئة التشريع

مساران قضائيان، انضما حديثاً إلى الملف الانتخابي، ومن شأنهما إما وضع خارطة طريق تساهم في تكريس إجراء الانتخابات في موعدها بعد نزع الألغام التي لا…

“رأي” هيئة التّشريع غير المُلزِم ممرٌّ للتّسوية؟

بينما كان يُفترَض أن تكون الكرة في “ملعب” الحكومة أو مجلس النوّاب في ما يخصّ حلّ أزمة اقتراع المغتربين والمقاعد الستّة في قارّات العالم، حطّت…

هدنة الحزب “الرّئاسيّة” تحت الاختبار

لم يَخرج إعلان اكتشاف نفق ضخم تابع لـ”الحزب” جنوب الليطاني قبل أيّام عن سياق المتوقّع، لكنّ الترحيب الأميركيّ اللافت بخطوة الجيش تأخذ أبعاداً مهمّة بعد…