هل يصمد مجلس التّعاون بعد سقوط مبرّر وجوده التأسيسي؟

مدة القراءة 7 د

لم يتأسس مجلس التّعاون لدول الخليج العربية عام 1981 كمشروع اندماجٍ اقتصادي على النمط الأوروبي، بل كآلية ردعٍ جماعي في ظل صدمة الثورة الإيرانية واحتدام الحرب العراقية الإيرانية.

 

كان المنطق بسيطًا وحاسمًا وفكرته الواضحة هي: إذا كان الخطر واحدًا، فالكتلة الواحدة ترفع الكلفة على المعتدي. بهذا المعنى، كان “التهديد الإيراني” هو “الغِراء المؤسِّس” الذي أمسك بالعواصم الست.

اليوم، لا يصحّ القول إن الغِراء ذاب، لكنه بالتأكيد تغيّرت تركيبته. فإيران ما تزال جغرافيا ثقيلة عند مضيق هرمز وقوةً عسكرية إقليمية، لكن بيئة 2026 مختلفة، حيث هناك توترٌ أميركي/إيراني محسوب، ومسارات تفاوض متقطعة، وحذرٌ خليجي من الانخراط في تصعيد مباشر. التهديد الإيراني لم يختفِ، لكنه لم يعد أحاديَّ التعريف كما كان في الثمانينيات.

يُضاف إلى ذلك عاملٌ بنيوي لا يقل أهمية، يتمثل في التحول التدريجي في الاستراتيجية الأميركية، حيث باتت واشنطن تُحمّل الحلفاء مسؤولية أكبر عن أمنهم الإقليمي، مع تركيز استراتيجي متزايد على مناطق أخرى من العالم. هذا التحول لا يعني انسحابًا كاملًا، لكنه يخلق شعورًا بفراغ نسبي في معادلة الردع التقليدية، ويدفع الدول الصغيرة إلى البحث عن موازنات وضمانات إضافية. وهنا تبدأ الاستقطابات المستوردة في الدخول إلى الميزان الخليجي الداخلي.

الغِراء الصّامت

هنا يبدأ التحوّل: من “غِراء أمني خليجي أحادي” إلى “غِراء مركّب للتماسك الخليجي” تتداخل فيه اعتبارات الاقتصاد والطاقة والدبلوماسية وتعدد الضامنين.

اقتصاديًا، المجلس لم يبقَ إطارًا أمنيًا فقط، فلدينا السوق المشتركة، الاتحاد الجمركي، حرية حركة المواطنين، والاستثمارات العابرة للحدود صنعت اعتمادًا متبادلًا عميقًا.

في بيئة دولية متعددة الأقطاب، تتقاطع مصالح الصين وروسيا والولايات المتحدة وأوروبا وآسيا في الخليج

في الإمارات يشكّل القطاع غير النفطي نحو 75% من الناتج المحلي، وفي السعودية قرابة 54%، مع توقعات نمو خليجي تتراوح بين 3% و4.5% خلال 2026–2027 مدفوعة بالتنويع، وتوسيع سلاسل الإمداد، والطاقة المتجددة. هذا التشابك ليس تفصيلًا إداريًا، إنه “الغِراء الصامت” الذي يربط الاقتصادات حتى حين تتباين المقاربات الأمنية.

ومع ذلك، يشهد البعد الدفاعي والأمني إعادة تموضع واضحة. حيث استقرت القواعد الناظمة للأمن الاقليمي الخليجي بأن المملكة العربية السعودية هي العامود المركزي في معادلة الأمن الاقليمي، وهي من تشكل الاتجاهات الاستراتيجية الخليجية بين المحاور الدولية وذلك بحكم الوزن السعودي الأثقل في المنظومة الخليجية ككل، إلا أننا في سنة 2026 رأينا توقيع اتفاقية نوايا لتحالف دفاع استراتيجي بين الإمارات والهند، وذلك بعد أربعة شهور تقريبًا من تحالف الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية مع باكستان، وبذلك التّوجه يكون الجانب الامارتي قد استورد الاستقطاب الامني بين الهند وباكستان إلى الميزان الخليجي/الخليجي، كما قامت البحرين بتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع الجانب الفرنسي وبذلك تكون أسست لإدخال فرنسا لاعبًا مباشرًا في معادلة الردع الخليجية من ناحية، ولكنها من ناحية أخرى فتحت آفاق لاستقطاب أمني فرنسي/تركي خاصةً وأن الأتراك لديهم علاقة دفاعية خاصة ونوعية على الضفة الخليجية المقابلة في قطر، بمعنى أن حالة إعادة التموضع الدفاعي لبعض الدول الخليجية بشكل مغاير عن النسق التاريخي للقواعد الناظمة للأمن الاقليمي الخليجي، يفتح حسابات جديدة وتحديات كبيرة أمام منظومة مجلس التعاون.

هذا التعدد في السّلال الدولية عمومًا لا يعني انهيارًا فوريًا للأمن الخليجي المشترك، لكنه يعني أن أمن الخليج لم يعد يُدار حصريًا عبر منصة المجلس، وهذه تمثل أحد أهم مهددات وحدة دول المجلس. فحين تتعدد الضمانات من أقطاب متباينة، ينتقل جزء من الاستقطاب الدولي إلى الداخل الخليجي، ويتحوّل ميزان القوى الخارجي إلى عامل ضغط داخلي.

الترجيح الواقعي اليوم يميل إلى السيناريو الثاني، أي سيناريو المرونة المُدارة لا الانهيار السريع

في هذا السياق لدينا الأزمة السعودية/الإماراتية الأخيرة في اليمن والتي كانت اختبارًا بنيويًا. تباين الأدوات والمقاربات كشف أن المجلس ليس اتحادًا سياسيًا موحّدًا، بل إطار تنسيق بين سيادات متنافسة أمنيًا تحت مسمى الاستقلالية.

على الرغم من احتواء التوتر، فإن الرسالة كانت واضحة ومفادها أن القرار الأمني يمكن أن يتمايز داخل البيت الواحد، دون أن ينهار البيت، لكن تكرار هذا النمط تحت ضغط استقطابات خارجية قد يغيّر المعادلة مع الوقت.

المروتة لا الاتهيار؟

في بيئة دولية متعددة الأقطاب، تتقاطع مصالح الصين وروسيا والولايات المتحدة وأوروبا وآسيا في الخليج. زيارة ممثل لحلف الناتو إلى مقر المجلس، وتزايد الحضور الآسيوي، يعكسان أن المجلس بات منصة تفاعل مع نظام دولي مجزّأ، لا مجرد (حلف ضد تهديد جار واحد/ايران). وهنا تكمن المفارقة: التعدد قد يكون مصدر قوة إذا أُدير جماعيًا، وقد يكون بذرة تباينٍ إذا تُرِك لكل دولة على حدة.

السيناريوهات ثلاثة:

1- إمّا تعميق اندماج دفاعي حقيقي، عبر عقيدة مشتركة، شبكة إنذار مبكر موحّدة، وتكامل دفاع جوي يحفظ مركزية القرار الخليجي.

2- أو استمرار “المرونة المنظمة” حيث تتعدد الشراكات الخارجية ويظل المجلس وعاءً اقتصاديًا ودبلوماسيًا جامعًا.

3- أو انزلاق تدريجي إلى تفكك وظيفي إذا أصبحت القرارات المصيرية تُصاغ خارج المجلس بالكامل، وتحوّل الاستقطاب الدولي إلى استقطاب خليجي/خليجي.

الترجيح الواقعي اليوم يميل إلى السيناريو الثاني، أي سيناريو المرونة المُدارة لا الانهيار السريع. لكن هذه المرونة ليست ضمانةً أبدية. فبقاء المجلس كفاعلٍ مركزي يتطلب تحويل تنوع المظلّات الأمنية إلى ورقة قوة جماعية، لا إلى مساراتٍ متوازية بشكل غير منسّق ومتناقض.

الخلاصة هنا ليست تشاؤمًا ولا احتفاءً. ولا ادّعاء أنّ مجلس التّعاون يموت الآن، وإنما القول إنه ما زال يختبر نفسه

الوحدة أم الانقسام؟

الخلاصة هنا ليست تشاؤمًا ولا احتفاءً. ولا ادّعاء أنّ مجلس التعاون يموت الآن، وإنما القول إنه ما زال يختبر نفسه ويبحث عن صيغته الجديدة التي لم يصل لها حتى الآن بشكل يتناسب مع المعطيات الجديدة، حيث وُلد المجلس من تهديدٍ واحد، وهو الآن يعيش في عالم بلا ضامن أحادي وبلا تهديد أحادي، ويتطلب تعريفًا جديدًا وموحدًا للمفاهيم الأمنية.

إن استطاع المجلس الانتقال من (الغِراء الأحادي/التهديد الإيراني) إلى (الهندسة الأمنية المتعددة والمتوازنة) والتي تجمع بين الردع والتكامل الاقتصادي والسياسة الخارجية المنسّقة، فسيبقى عندها المجلس نموذجًا إقليميًا متفرّدًا. أما إن عجز عن ذلك، فستنتقل وظيفة المجلس الحقيقية إلى محاور خارج إطاره، حتى وإن ظلَّ قائمًا شكليًا.

إقرأ أيضاً: ترامب يستخدم إستراتيجية الصين ضد الصين

يبقى السؤال: هل يعيد المجلس تعريف دوره بإرادة داخلية أصيلة ومشتركة، أم سيُعاد تعريفه من الخارج بفعل توازنات مستوردة؟ وإذا دخلت الاستقطابات الأمنية الدولية إلى الميزان الخليجي الداخلي، فهل يصمد مجلس التعاون كوحدة أمنية واحدة؟ أم تبدأ لحظة الانقسام الأمني الصامت ثم المعلن وصولًا إلى التفكك الرسمي، وذلك طبعًا كنتيجة مرجحة لدخول الاستقطاب الدولي إلى المسرح الخليجي وسقوط المبرر أو الدافع الذي أدى أصلًا إلى وجود هذا الكيان الخليجي ودفع بنشأته في عام 1981؟

*كاتب وباحث كويتي في الشؤون الدوليّة والجيوسياسيّة

 

لمتابعة الكاتب على X:

@akalghanim11

مواضيع ذات صلة

جيفري إبستين…. الجثّة دُفنت و”بريده” ما يزال يعمل؟

لا تقتصر سيرة جيفري إبستين على رجل ثريّ متّهم بجرائم خطيرة، يُنهي حياته في العاشر من آب عام 2019 قبل المُحاكمة. فقد حصل كشف لوثائق…

من القاهرة إلى أنقرة: إعادة هندسة التّوازنات

شكّل إبرام اتّفاق تعاون دفاعيّ بين أنقرة والقاهرة مفاجأة أقلقت إسرائيل التي تخشى من “تعاظم قوّة الجيش المصريّ”، ومن أن تؤدّي هذه الخطوة إلى مسار…

إسرائيل تدُقّ المسمار الأخير في نعش أوسلو..

تُمثّل قرارات المجلس الوزاريّ الإسرائيليّ المصغّر للشؤون السياسيّة والأمنيّة (الكابينت)، التي أُقرّت يوم الأحد 8 شباط، إعلاناً سياسيّاً لانتقال المشروع الصهيونيّ في الضفّة الغربيّة من…

انتخابات 2026: “الحزب” يستفتي طائفته على سلاحه

بعد دعوة الهيئات الناخبة وفتح باب الترشّح وإمهال المرشّحين مهلة قصوى للانضواء في لوائح وإطلاق الأحزاب ماكيناتها، غدت انتخابات 2026 في أيّار على الأبواب كأنّها…