الاغتيال الذي مدّد للسّلاح 21 عاماً

مدة القراءة 6 د

يتباهى قادة “الحزب” عند كلّ مرّة يُذكَر فيها الرجل الكبير الذي لم يتّسع لبنان لدوره ولرؤيته، بالحوار الذي دار بينه وبين الراحل حسن نصرالله قبل فترة قصيرة من اغتياله. تشير هذه الرواية إلى أنّ رفيق الحريري قال لنصرالله إنّه عند حصول تطوّرات في المنطقة ويحين وقت إلقاء سلاح “الحزب”، سيأتي إليه ويفاتحه بالأمر، فإذا لم يقتنع بذلك، سيتجنّب الخلاف معه ويحزم حقائبه ويغادر لبنان.

 

 

منذ 21 عاماً وبعض قادة “الحزب” يروّجون لهذه الرواية من أجل تبرير الاحتفاظ بالسلاح. يستندون إليها للإيحاء بأنّ رفيق الحريري ما كان ليطلب من “المقاومة” أن تُلقي السلاح.

رواية “الحزب” للتّبرّؤ

كان يهدف الترويج لهذه الرواية أيضاً إلى الإيحاء بأنّه لا يمكن لـ”الحزب” أن يكون ضالعاً في اغتيال رفيق الحريري. لكنّ المحكمة الخاصّة بكشف جريمة الاغتيال، التي تشكّلت عام 2007 على الرغم من اعتراض “الحزب” عليها باستخدام القوّة، عاكست هدف تلك الرواية بقرارها الصادر صيف عام 2020 بإدانة كوادر من “الحزب” بالضلوع في الجريمة – الزلزال التي هزّت لبنان، وما تزال ارتداداتها تتوالى. ومن غير المتوقّع أن تتوقّف هذه الارتدادات في مقبل الأيّام.

تكمن المفارقة في أنّ رواية “الحزب” هذه تكشف بُعد نظر الحريري في شأن السلاح قبل أكثر من 21 سنة. فالرجل الطامح إلى إخراج لبنان من رواسب الحرب الأهليّة والاحتلال الإسرائيليّ لأرضه ومن مخلّفات حربين شنّتهما إسرائيل عامَي 1993 و1996، جرؤ على إثارة موضوع السلاح بعد مضيّ خمس سنوات على انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان.

منذ 21 عاماً وبعض قادة “الحزب” يروّجون لهذه الرواية من أجل تبرير الاحتفاظ بالسلاح. يستندون إليها للإيحاء بأنّ رفيق الحريري ما كان ليطلب من “المقاومة” أن تُلقي السلاح

الحريري المقاوِم والوصاية والسّلاح

تستغلّ تلك الرواية وقوف الحريري إلى جانب مشروع تحرير الجنوب من الاحتلال بالمقاومة. فالرجل ذو التاريخ العروبيّ، المتحدّر من انتمائه إلى “حركة القوميّين العرب” في شبابه، كان شريكاً في مقاومة ذلك الاحتلال إلى درجة أنّه موّل مقاومة مسلّحة في مدينته الأمّ صيدا، إثر اجتياح عام 1982. وهو رعى بسرّية، وبالتعاون مع بعض أصدقائه في المدينة، قيام مجموعات مسلّحة نفّذت عمليّات ضدّ الجيش الإسرائيليّ قبل أن ينسحب إلى الشريط الحدوديّ.

تكشف أيضاً رواية “الحزب”، بصرف النظر عن القصد من وراء تكرارها، مدى اقتناع رفيق الحريري بأنّ استمرار المقاومة لمحاربة إسرائيل بعد انكفائها يشكّل عائقاً أمام إعادة بناء الدولة. تزامنت حواراته مع “الحزب” في عام 2005 مع توصّله إلى قناعة راسخة بضرورة رفع الوصاية السوريّة على لبنان، التي استمرّت على الرغم من جلاء الاحتلال الإسرائيليّ الذي برّر به حكم آل الأسد مواصلة إحكام القبضة على القرار اللبنانيّ، وهي هيمنة انعقد لواؤها بتحالف وثيق مع إيران، التي ورثت الوصاية السوريّة ووظّفت لبنان من أجل مشروعها الإقليميّ.

منع قيام الدّولة

في حينها كان الحريري يلمس يوميّاً العراقيل التي كانت المخابرات السوريّة تفتعلها في وجه مشروعه للنهوض بلبنان. عايش بأمّ العين تأثيرها على عمل المؤسّسات، وبالتالي على نقل الاقتصاد اللبنانيّ من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد تحكم نموّه قواعد المؤسّسات وجاذبيّة الاستثمار.

حاول التعايش مع رغبة حافظ الأسد في إبقاء ملفّ الجنوب مفتوحاً بحجّة تحرير مزارع شبعا، بعد انسحاب إسرائيل، عبر منعه من إرسال الجيش اللبنانيّ للانتشار على الحدود. استنتج أنّ المعادلة التي كان يردّدها، القائمة على أنّ استعادة السيادة تبدأ ببناء اقتصاد قويّ يسمح ببناء دولة تدير البلد بكفاءة، تواجه أيضاً ممانعة من قبل النظام السوريّ. لذلك انحاز إلى القرار الدوليّ 1559 الذي صدر في 2 أيلول 2004، لعلّه يقود إلى تسوية تحدّ من الهيمنة ولو تدريجاً عبر انسحاب سوريا وحلّ الميليشيات.

لم يكن بوارد الدخول في صراع مفتوح مع دمشق أو “الحزب”. لكنّه كان يتوخّى من وراء “إعادة الانتشار” السوريّ نحو البقاع إنهاء استقلاليّة الميليشيات عن الدولة وارتباطها بالمشاريع الخارجيّة بحجّة المواجهة مع إسرائيل. كان من المنطقيّ أن يعتقد أيّ مراقب لتسلسل الأحداث بأنّ تقليص نفوذ سوريا الأسد في لبنان يمهّد لإنهاء دور الميليشيات الموالية لها ولحليفها الإيرانيّ.

يصادف وقوع الذكرى الـ21 لتغييب رفيق الحريري قبل يومين من اجتماع مجلس الوزراء لبحث خطّة نزع سلاح “الحزب” شمال الليطاني

وظيفة السّلاح بعد انسحاب سوريا

لكنّ المرحلة التي أعقبت خروج سوريا في 26 نيسان 2005 بسبب اغتيال الحريري سرعان ما كشفت وظيفة السلاح المدعوم إيرانيّاً. في مطلع عام 2006، وتحديداً في 24 شباط، تعاظمت الضغوط الغربيّة على طهران بهدف الحدّ من طموحاتها النوويّة. رفعت الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّية الملفّ النوويّ الإيرانيّ إلى مجلس الأمن الذي باشر اتّخاذ قرارات بالعقوبات الأمميّة على طهران.

يقول أرشيف بعض الدول الأوروبيّة والعربيّة إنّ اختطاف “الحزب” في تمّوز من العام نفسه جنديَّين إسرائيليّين، الذي أطلق الحرب الإسرائيليّة ضدّ لبنان، كان في حينها ردّاً على فرض هذه العقوبات، مع أنّ الحجّة كانت مبادلتهما مع أسرى لبنانيّين. جرى ذلك وسط تعثّر التفاوض مع الدول الغربيّة، لا سيما الترويكا الأوروبيّة.

تتمسّك طهران اليوم بورقة سلاح “الحزب”، على الرغم من الهزائم التي جلبها والويلات التي سبّبها في حرب إسناد غزّة، في التفاوض مع أميركا.

 إقرأ أيضاً: أثقل النعوش فوق أكتاف ترتجف

استحقاق شمال اللّيطاني والمخاوف اللّبنانيّة

يصادف وقوع الذكرى الـ21 لتغييب رفيق الحريري قبل يومين من اجتماع مجلس الوزراء لبحث خطّة نزع سلاح “الحزب” شمال الليطاني. يعاند “الحزب” في مقاربة هذا الاستحقاق اللبنانيّ المصيريّ، مثلما عاند محاولة إقفال الحدود الجنوبيّة للسماح للبلد بأن يأخذ إجازة من الحروب عام 2000.

يحيي لبنان ذكرى الاغتيال فيما الأعصاب المشدودة تترقّب مآل المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة. ثمّة أبعاد لدعوة رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون إلى “الوفاء للذكرى بتجديد التزامنا قيام دولة قويّة عادلة، تصون وحدتها الوطنيّة، وتضع مصلحة لبنان فوق كلّ اعتبار”.

مع اعتقاد مقرّبين من “الحزب” أنّ إعلانه أنّه سيكون شريكاً لإيران في أيّ مواجهة محتملة مع أميركا يقتصر على التضامن السياسيّ، فإنّ لدى بعض الدوائر العليا اللبنانيّة مخاوف كبرى. الخشية أن يترك الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لبنيامين نتنياهو حرّيّة الحركة ضدّ “الحزب”، مقابل إقناعه بتغليب التفاوض مع طهران على المواجهة العسكريّة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

انتخابات 2026: “الحزب” يستفتي طائفته على سلاحه

بعد دعوة الهيئات الناخبة وفتح باب الترشّح وإمهال المرشّحين مهلة قصوى للانضواء في لوائح وإطلاق الأحزاب ماكيناتها، غدت انتخابات 2026 في أيّار على الأبواب كأنّها…

ترامب بين نتنياهو وطهران: دبلوماسيّة على حافة الحرب

في مسرح السياسة الدوليّة، حيث يتقن دونالد ترامب فنّ المفاجأة كسلاح استراتيجيّ، انتهى اجتماعه أمس مع بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض دون قرار حاسم، لكنّه…

جائزة ترضية لنتنياهو في لقائه السّابع

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 حتّى أيّامنا هذه وإلى أجلٍ غير مسمّى، تتجاوز إسرائيل في حربها حدود الانتقام من عمليّة طوفان الأقصى، وتوفير أمنٍ…

رفيق الحريري: أزهرت دماؤك.. أزهرت!

سنة بعد سنة، تصبح الكتابة عن الرئيس الشهيد رفيق الحريري عمليّة في غاية الصعوبة والتعقيد. فأصعب شيء على الوجدان والضمير مخاطبة الراحلين عن هذه الدُنيا…