منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 حتّى أيّامنا هذه وإلى أجلٍ غير مسمّى، تتجاوز إسرائيل في حربها حدود الانتقام من عمليّة طوفان الأقصى، وتوفير أمنٍ أكثر استقراراً مع قطاع غزّة، بل تضع أهدافاً تجسّد بمجموعها تصفيةً نهائيّةً للقضيّة الفلسطينيّة، مع ما يتطلّبه ذلك من تفريغٍ للبلاد من أهلها، وردع القوى الجدّيّة في المنطقة وإضعافها عبر شعار نتنياهو المعلن، وهو إعادة إحياء حلمه الدائم بإقامة إسرائيل الكبرى الذي يتطلّب سيطرةً على العديد من جغرافيات المنطقة، أي أنّ الحرب الحاليّة هي حرب السيطرة على الشرق الأوسط.
إسرائيل دائماً بحاجةٍ إلى ذرائع صغيرة أو كبيرة للقيام بحرب، وحين تتوافر الذريعة وتذهب إلى الحرب، تخاطب نفسها وحُماتها بلغةٍ فيها تبريرٌ لِما فعلت، وتهيئة الذات والآخرين لحروبٍ مقبلة، وكان الأكثر دقّةً في التعبير عن ذلك هو بنيامين نتنياهو الذي أعلن بصريح العبارة أنّ قدر دولة إسرائيل أن تظلّ واقفة على سلاحها إلى الأبد.
الجميع مرتاح إلّا إسرائيل؟
الجبهات السبع التي تشنّ إسرائيل حرباً عليها حتّى الآن، والتي ولّدت حروباً فرعيّة، لم تصل أيّ واحدةٍ منها إلى نهايةٍ حاسمةٍ تبرّر الإقدام عليها. ففي ثنايا هذه الحرب حصلت أمورٌ كبيرة لم تكن قيادات إسرائيل تتوقّعها، وأبرزها طوفان الاعترافات الدوليّة النوعيّة بالدولة الفلسطينيّة، وهذه المرّة بجهدٍ بذلته بمواظبةٍ وإتقان المملكة العربيّة السعوديّة التي استقطبت المشاركات الأوروبيّة التي كان عنوانها الأبرز الرئاسة المشتركة لمؤتمر الدولة الفلسطينيّة في نيويورك بين المملكة السعوديّة وفرنسا.
إسرائيل دائماً بحاجةٍ إلى ذرائع صغيرة أو كبيرة للقيام بحرب، وحين تتوافر الذريعة وتذهب إلى الحرب، تخاطب نفسها وحُماتها بلغةٍ فيها تبريرٌ لِما فعلت
العالم بالنسبة للطبقة السياسيّة الإسرائيليّة حكومةً أو معارضةً هو الولايات المتّحدة فقط، وكلّ ما عداها مقبّلات على المائدة الأميركيّة الرئيسة.
لم تقصّر أميركا في عهدَي جو بايدن ودونالد ترامب في تقديم كلّ ما طلبت حكومة إسرائيل من دعمٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ وماليّ، وكان ذلك في سياق الموقف الأميركيّ الجذريّ من الدولة العبريّة، وضمان أمنها وتفوّقها، دون إخفاء خلافاتٍ على السياسة الإسرائيليّة تجاه حرب غزّة، وكان أوضح ما قيل في هذا الشأن تصريح وزير الدفاع الأميركيّ السابق لويد أوستين الذي قال خلال زيارته لإسرائيل: “إنّكم بهذه الحرب قد تكسبون تكتيكيّاً، لكنّكم سوف تخسرون استراتيجيّاً”.
إذا كان كلّ ما تقدّم تذكيراً بالحقائق التي نشأت خلال حرب السنتين ونصف السنة، فما حدث هذا الأسبوع من تطوّراتٍ كان الملفّ الإيرانيّ الأكثر حضوراً فيه. ولِمَ لا ما دام العالم كلّه يراقب أضخم تحرّكٍ عسكريٍّ أميركيٍّ في التاريخ، فامتلأت بحار الشرق الأوسط بحاملات الطائرات العملاقة، وفرض سؤال المليار، الذي لا يتعلّق بإمكان وقوع الحرب بل زمانها، نفسه على العالم كلّه؟!
صدرت إجابةٌ أميركيّة مهدّئة خلاصتها الأولويّة للسياسة، وفي حال فشلها يجري التفكير في الحرب.
شعر العالم كلّه حتّى داخل أميركا بالارتياح جرّاء هذا الموقف الأميركيّ إلّا إسرائيل التي راهنت على الحرب كهدفٍ استراتيجيّ، وقدّرت أنّها ستفضي إلى هزيمة إيران وإلغاء قدراتها النوويّة والبالستيّة وغيرها.
العالم بالنسبة للطبقة السياسيّة الإسرائيليّة حكومةً أو معارضةً هو الولايات المتّحدة فقط، وكلّ ما عداها مقبّلات على المائدة الأميركيّة الرئيسة
لاعب مطيع؟
تبدّدت الرهانات التي عمّقتها المعالجات التعبويّة التي قامت بها حكومة إسرائيل ومؤسّساتها وأذرعتها، وهو ما دفع نتنياهو إلى التعجيل في لقاء الرئيس ترامب حاملاً معه ورقتين يظنّ أنّهما مؤثّرتين في الموقف الأميركيّ، الأولى ثبت أنّها أشبه بطلقةٍ فارغة، وهي ما وصفه بتقارير استخباريّة تحتّم الإسراع في القيام بالحرب، وهذا ما سخر منه الأميركيّون أصحاب المؤسّسات الاستخباريّة الأقوى على مستوى العالم، والورقة الثانية هي قراراته بشأن الضفّة، التي تعني بمجموعها ضمّها بعدما تعهّد ترامب أمام الدول العربيّة والإسلاميّة بعدم حدوث ذلك.
أعدّ نتنياهو هذه الورقة التي يبتزّ بها صدقيّة ترامب مع شركائه من العرب والمسلمين عشيّة سفره إلى واشنطن، حيث لقاؤه السابع مع ترامب.
أصدر البيت الأبيض تجديداً لموقفه الرافض لضمّ الضفّة، وذلك بعدما كفّ يد نتنياهو عن التدخّل في القرار الأميركيّ بشأن الحرب أو التسوية مع إيران، وكان ذلك يتطلّب جائزة ترضية كي لا يعود نتنياهو إلى إسرائيل خالي الوفاض، وكانت الترضية من النوع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وهي المشهد التلفزيونيّ لانضمام نتنياهو إلى مجلس السلام وتجديد جهد ترامب لإرغام رئيس الدولة إسحاق هرتسوغ على إصدار عفوٍ عن نتنياهو، كما لو أنّه يقول له ليس لك عندنا في هذه الزيارة إلّا هذا!
إقرأ أيضاً: احذروا نتنياهو الجريح!
لا نقول إنّ نتنياهو عاد من لقائه السابع مع ترامب بخُفّي حُنين، ذلك أنّ العلاقة التي تربط الدولة العبريّة بأميركا هي من أساسيّات السياسة الأميركيّة الخارجيّة والشرق الأوسطيّة بالذات، ولكن إذا ما نُظر للّقاء السابع من زاوية ما حاول “بيبي” الحصول عليه شخصيّاً في حرب البقاء التي يخوضها في إسرائيل، وهو على بعد أشهرٍ قليلةٍ من الانتخابات المصيريّة بالنسبة له، نقترب من حكاية خفّي حنين.
يحتاج ترامب إلى نتنياهو ما دام صاحب القرار في إسرائيل، لكن لا يحتاج إليه شريكاً كما يروّج نتنياهو لنفسه، بل يريده لاعباً مطيعاً يعرف حجمه وحدود دوره ولا يتجاوزه.
