بدا اجتماع البيت الأبيض بين رئيس الوزراء الإسرائيليّ والرئيس الأميركيّ نسخة صامتة من اجتماعهما الشهير في المكتب البيضاوي العام الماضي الذي أعلن فيه ترامب انطلاق المحادثات مع إيران وسط ذهول مصطنع من نتنياهو. يومها بدا المشهد معدّاً بعناية بين الشرطيّ الجيّد الذي يعلن انطلاق المحادثات والشرطيّ السيّئ الذي يلوّح بالعمل العسكريّ.
اليوم، وإن كانت الظروف تغيّرت، فإنّ تشابه الرسائل لا يمكن تجاهله: ما خرج عن ترامب على “تروث سوشيل” يشبه إلى حدّ كبير عباراته السابقة عن تفضيل صفقة يعرف مسبقاً صعوبة بلوغها. قد يكون الهدف هذه المرّة مضاعفة الضغط على طهران وإبقاء باب السياسة موارباً، مع إبقاء القوّة كظلّ ثقيل يسرّع آليّة اتّخاذ القرار على وقع عدّاد المهلة الممنوحة للمفاوضات. لكن في غياب تفاصيل المداولات، تفرض الوقائع الأوسع قراءةً للمشهد بصورة مختلفة: ما كان يدار سابقاً كتفاهم بين رجلين متحالفين يبدو اليوم أقرب إلى إدارة أميركيّة تعيد ترتيب الأولويّات وتطالب الحليف بالانضباط.
بعدما تورّط شخصيّاً برسم خطّ أحمر للنظام الإيرانيّ واستعرض قوّة عسكريّة غير مسبوقة عزّزها بتحريك حاملة طائرات ثانية إلى مياه الخليج، وهي خطوات ليست رمزيّة ولا رخيصة سياسيّاً، يدرك ترامب أنّ مستقبله على المحكّ إن لم تتحقّق نتائج ملموسة. لذلك يميل إلى غموض يسمح له بالتقدّم دون التزام نهائيّ، وحلول مركّبة تتيح تراجعاً محسوباً إن اقتضت المصلحة، دون أن تتحوّل التسوية إلى صفعة للهيبة. وما يخشاه ترامب ليس فقط فشلاً في إيران وما قد ينعكس عنه على الحسابات الكبرى المرتبطة بها حكماً مع الصين، بل أيضاً أن يتحوّل نتنياهو إلى مصدر إحراج داخليّ وخارجيّ في غزّة والضفّة بما يجرح صورة ترامب كصانع سلام وصاحب القرار.
بهذا المعنى بدا نتنياهو في ما سرّب من أجواء الاجتماعات وما سبقها وما تلاها أقلّ قدرة على فرض أجندته المعتادة، فترامب يريد إيقاعاً أميركيّاً منضبطاً في ملفّات متشابكة، ونتنياهو يريد مساحة مناورة واسعة لأنّ حياته السياسيّة ترتبط بتفجير الأزمات أكثر ممّا ترتبط بإطفائها.
بدا اجتماع البيت الأبيض بين رئيس الوزراء الإسرائيليّ والرئيس الأميركيّ نسخة صامتة من اجتماعهما الشهير في المكتب البيضاوي العام الماضي
كدمات بطعم الضّربة القاضية
يعود نتنياهو إلى إسرائيل حاملاً ثلاث كدمات واضحة، وكلّ واحدة منها تضربه في المكان الذي بنى عليه أسطورته: صورة Mr. Security الذي لا يُملى عليه شيء، ولا يُربَط بجدول زمنيّ لا يملكه، ولا يُجبَر على دفع أثمان سياسيّة داخليّة دون أن يقبض في المقابل رصيداً أمنيّاً صافياً.
الكدمة الأولى اسمها غزّة. عندما يوقّع نتنياهو على الانضمام إلى مجلس السلام، فهو يقرّ، ولو من طرفٍ خفيّ، بأنّ الحرب لم تعد قراراً إسرائيليّاً مفتوح النهاية، بل ملفّ ستراقبه واشنطن بنتائج وتواريخ ومراحل. وما توقيت نشر “خطّة سحب سلاح حماس” أثناء وجود نتنياهو في واشنطن سوى إشارة واضحة إلى أنّ الساعة باتت أميركيّة وأيّ تسويف سيتحوّل إلى مؤشّر إلى التمرّد لا إلى حنكة تفاوضيّة. نتنياهو الذي احترف تحويل الزمن إلى سلاح بالاستنزاف والمراوغة يجد نفسه حبيس آليّة تفرض تعريفاً مختلفاً للوقت يقاس بالالتزام والنتائج.
أمّا الكدمة الثانية فاسمها الضفّة. فترامب يطلب وقفاً فوريّاً لأيّ مسار يُقرأ كضمّ فعليّ، حتّى لو جاء بصيغة قوانين وإجراءات، وهو بذلك يضرب جوهر استمرار الائتلاف الحكوميّ في إسرائيل. فنتنياهو الذي يدرك أنّه يحتاج إلى غنيمة سياسيّة دائمة لبتسلئيل سموتريتش وإيتامار بن غفير ليبقيا تحت سقفه، يعرف تماماً أنّ موقف ترامب يضعه على سكّة سيتعرّض فيها لمزيد من الابتزاز وترتفع معها مخاطر السقوط. والأسوأ أنّ خياراته البديلة ضيّقة بين التحالفات العربيّة في الداخل الإسرائيليّ، وهو احتمال غير واقعيّ، والتحالف مع يمين الوسط أو المعارضة، وسيعني أنّ نتنياهو لم يعد “ضرورة” بل “أحد الخيارات” وحسب.
الكدمة الثالثة، وهي الأخطر، اسمها إيران. فنتنياهو بنى مسيرته على الملفّ الإيرانيّ بوصفه المسرح الذي لا يُنازَع فيه، حيث كان لعقود طويلة هو من يقرع الجرس، وهو من يحشد الغرب، وهو من يرسم الخطوط الحمر. لكنّ ترامب اليوم لا يريد قارع جرس، يريد شريكاً منضبطاً. لا يريد نتنياهو على المسرح، بل في الكواليس. يدرك نتنياهو معنى أن يصبح مستقبل المواجهة مع إيران رهناً بتقويم البيت الأبيض وتوقيتاته، وأن تُختزل مساهمته إلى دور “الذي سيتمّ إبلاغه” مع تحديد السقف المسموح له.
من هنا تبدأ خطورة نتنياهو الجريح وتتضاعف كلّما وجد نفسه لاهثاً في سباق انتخابي يتشكّل حول سؤال واحد: من هو الأقدر على إدارة أمن إسرائيل بلا فوضى وبلا كلفة دوليّة باهظة؟ هنا يتحوّل نفتالي بينيت، المنافس في استطلاعات الرأي، إلى خطر نوعيّ بصفته يمينيّاً قادراً على ادّعاء الصلابة مع قدرة أعلى على المناورة مع واشنطن وتشكيل تحالفات أوسع، أي يسحب تدريجاً صفة مرشّح الضرورة عن نتنياهو.
يحتاج نتنياهو في هذه اللحظة إلى ترياق، جرعة واحدة، على شكل حدث أمنيّ كبير يعيد ترتيب الأولويّات ويعيد تأهيله داخليّاً ويُخرج خصومه ويُسكت شركاءه ويُربك واشنطن بحيث تضطرّ إلى التعامل معه كضرورة لا كعبء.
بدا نتنياهو في ما سرّب من أجواء الاجتماعات وما سبقها وما تلاها أقلّ قدرة على فرض أجندته المعتادة، فترامب يريد إيقاعاً أميركيّاً منضبطاً في ملفّات متشابكة، ونتنياهو يريد مساحة مناورة واسعة
لبنان: مسرح الانتصار السّهل الممتنع
الخيار الأسهل والمتوقّع هو عمليّة عسكريّة موسّعة في لبنان لطالما لوّح بها نتنياهو تحت عنوان حماية الشمال وحسم معادلة سلاح “الحزب”، عمليّة تقول للإسرائيليّين إنّ نتنياهو لا يزال يستكمل حرب الجبهات السبع ويأخذ أمن مستوطنات الشمال على محمل الجدّ. لكنّ نجاحها سياسيّاً لا يتوقّف على العمل العسكريّ وحده، بل على توقيت بالغ الحساسيّة بحيث تكون قريبة بما يكفي من موعد الانتخابات ليستفيد من بريق الإنجاز وبعيدة بما يكفي لتقليل أثر تروما الملاجئ على الناخبين، وتتطلّب دوزنة حسّاسة تمكّن نتنياهو من تحقيق ما لم تحقّقه حرب الستّة والستّين يوماً من إنهاء كامل لحالة “الحزب” العسكريّة والأمنيّة في لبنان من دون ضرب المسار التفاوضيّ مع الدولة الذي تصرّ عليه واشنطن.
إيران: تخريب المفاوضات… من دون بصمات
إذا كان ترامب قد قال بوضوح إنّ “فشل التفاوض” قد يفتح باب القوّة، فإنّ نتنياهو قد يرى في ذلك دعوة مفتوحة إلى تحويل الحرب إلى نتيجة منطقيّة لفشل لا مفرّ منه في تصوّره. لكنّه يدرك أنّ أدواته القديمة لم تعد تعمل كما كانت في زمن أوباما. باب الكونغرس مغلق أمامه هذه المرّة، فترامب يمسك بتلابيب الحزب الجمهوريّ ولن يكرّر أخطاء أوباما بإهداء نتنياهو تصفيقاً حارّاً لمرافعته. لكن ربّما يكفي نتنياهو، إن فكّر بتقويض المسار، أن يعيد إنتاج المناخ الذي قتل فرص التسويات في محطّات سابقة كتسريب معلومات استخباريّة محرجة، أو رفع سقف الشروط ووتيرة عمليّات التخريب الغامضة داخل إيران كالحرائق والتفجيرات والاغتيالات والهجمات السيبرانيّة، التي كانت دوماً حاضرة في حرب الظلّ بين الطرفين، لدفع الإيرانيّين للردّ أو إيقاف التفاوض، فخزّان أفكاره لا ينضب.
لكنّ ترامب لا يريد أن يبدو كمن يُقاد. يريد صفقة تُسجَّل باسمه يستطيع دمغها بجملة “أفضل من أوباما” أو ضربة خاطفة تنصّبه الزعيم الأقوى في العالم. وإذا شعر أنّ نتنياهو يتمرّد أو يستدرجه إلى مربعه، فقد يعاقبه بمزيد من العزل الإعلاميّ، ومزيد من الضغط في غزّة والضفّة، وقد يصل الأمر إلى فيتو صريح على مستقبله السياسيّ كذلك الذي وجّهه لنوري المالكي في العراق. لا يعني ذلك بأيّة حال أنّ ترامب قد لا يوظّف إسرائيل في حربه على إيران، إن قرّر ضربها، لكنّه لن يقبل بأن يبدو نتنياهو قائداً للدفّة.
ينظر نتنياهو إلى الانتخابات على أنّها استفتاء على زعامته التاريخيّة لإسرائيل، وهي أوّل انتخابات بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل والأكثر تهديداً لمستقبله السياسيّ. وكلّما تقدّم منافس يمينيّ حقيقيّ في استطلاعات الرأي، تتراجع قدرة نتنياهو على زعم أنّه المرشّح الوحيد القادر على ضمان الأمن. لا يخشى من اليسار بقدر خشيته من يمين أنظف نسبيّاً يستطيع بناء تحالف عابر للأحزاب مع يائير لابيد وغادي آيزنكوت وإدارة العلاقة مع واشنطن والإقليم بلا أثقال الحرب وبلا ابتزاز دائم من أقصى اليمين.
إقرأ أيضاً: إسرائيل: نصف اتّفاق مع إيران أخطر من القنبلة
لم يمنح ترامب نتنياهو ما جاء يطلبه ليضمن نصراً انتخابيّاً بلا منازع. فلا تعهّد علنيّاً بتوسيع التفاوض ليشمل الصواريخ والوكلاء، ولا غطاء مفتوحاً للضفّة، ولا شيك على بياض في غزّة. بالمقابل، أعطاه شيئاً واحداً خطيراً: جملة شرطيّة عن إيران هي “إذا فشل التفاوض فسنرى”.
هذه الجملة هي السكّين والسلّم في آن واحد. السلّم لترامب كي يتراجع إن احتاج، والسكّين لنتنياهو كي يقطع به طريق الدبلوماسيّة إن شعر أنّ حياته السياسيّة تتطلّب ذلك. لذلك احذروا نتنياهو الجريح لأنّه لا يعود إلى تل أبيب ليشكر ترامب، بل ليبحث عن طريقة يثبت بها أنّه ما يزال صاحب القرار. وإذا لم يجد القرار في واشنطن فسيحاول صنعه في الميدان.
* كاتبة صحافيّة وإعلاميّة لبنانيّة حاورت شخصيّات عربيّة وعالميّة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربيّ”. وقد تخصّصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلّحة.
