في مسرح السياسة الدوليّة، حيث يتقن دونالد ترامب فنّ المفاجأة كسلاح استراتيجيّ، انتهى اجتماعه أمس مع بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض دون قرار حاسم، لكنّه فاجأ العالم بإصراره على مواصلة المفاوضات النوويّة مع إيران.
دونالد ترامب، الذي سبق أن أذهل الجميع بضربة “مطرقة منتصف الليل” قبل أيّام قليلة من جلسات حوار مقرّرة مع إيران، يلعب الآن ورقة مختلفة: جمع أسطولاً هائلاً يشير إلى ضربة وشيكة، ثمّ ينقلب إلى حماسة دبلوماسيّة مفاجئة تدفع نحو “صفقة جيّدة” تركّز على كبح التخصيب النوويّ.
هل ينجح هذا التحوّل في مقاومة ضغط نتنياهو لتوسيع الشباك إلى الصواريخ والوكلاء الإقليميّين؟ مع تصريحات علي لاريجاني التي تحصر الرهان بالنوويّ فقط، وتنازلات طهران المحدودة مقابل رفع عقوبات، يبقى السؤال: هل تكون هذه الدبلوماسيّة الذكيّة، المغلّفة بعنصر المفاجأة، كفيلة بإنقاذ المنطقة من حافة الهاوية، أم هي حيلة مؤقّتة تنذر بعاصفة أكبر؟
لا تعني التصريحات التي تعبّر عن دبلوماسيّة واقعيّة أنّ الطريق غير مليء بالتحدّيات لأنّ التباين في المصالح حاضر، وقد يؤثّر على حظوظ عقد اتّفاق شامل ومستدام
اتّضحت الفوارق الدقيقة بين تعريف “الخطّ الأحمر” عند ترامب ونتنياهو أكثر بعد تصريحات لاريجاني واجتماع واشنطن أمس، الذي استمرّ أكثر من ساعتين خلف أبواب مغلقة دون تصريحات عامّة:
ترامب: اتّفاق نوويّ مركّز وواقعيّ مع تفضيل للدبلوماسيّة
ركّز ترامب على ضرورة التوصّل إلى “صفقة جيّدة” تحقّق الحدّ الأدنى من أهداف الأمن والاحتواء، مشيراً إلى أنّ المفاوضات الحاليّة مختلفة عن سابقاتها، مع تركيز على الملفّ النوويّ ووقف تخصيب اليورانيوم. أوضح أنّ أيّ اتّفاق عمليّ يجب أن يكون قابلاً للتنفيذ دون الدخول في تفاصيل ثانويّة قد تعرقل التقدّم. ومع ذلك، أشار في تصريحات حديثة إلى أنّ الصفقة يجب أن تشمل “لا أسلحة نووية، لا صواريخ”، مع تهديد بـ”شيء قاسٍ جدّاً” إذا فشلت المفاوضات.
في منشوره على “تروث سوشيل” بعد الاجتماع، أكّد ترامب أن “لا شيء حاسماً تمّ التوصّل إليه سوى إصراري على استمرار المفاوضات مع إيران لنرى إن كان بإمكاننا إبرام صفقة”، مضيفاً أنّ هذا خياره المفضّل، لكنّه حذّر: “إذا لم يتمّ ذلك، فسوف نرى ما ستكون النتيجة”، وذكر “مطرقة منتصف الليل” كتذكير بأنّ إيران “لم تكن مستعدّة” سابقاً، آملاً “عقلانيّة أكبر” هذه المرّة.
تتماشى هذه اللهجة مع تصريحه الأخير بأنّ نتنياهو يسعى إلى اتّفاق جيّد مع إيران، وأنّ التركيز على الجوهريّ يمكن أن يوفّر مخرجاً عمليّاً من مأزق طويل الأمد، لكن بحدود واضحة لا تخاطر بدفع المنطقة إلى مواجهة واسعة. ومعروف عن ترامب حبّه لعنصر المفاجأة: في المرّة السابقة ضرب إيران قبل أيّام من محادثات مقرّرة، وأمّا الآن فقد جمع أسطولاً هائلاً يشير إلى ضربة وشيكة، لكنّه فاجأ العالم بحماسته للدبلوماسيّة وإصراره على محادثات جادّة.
من جهته، شدّد علي لاريجاني على أنّ مفاوضات إيران مع الولايات المتّحدة يجب أن تبقى محصورة بالملفّ النوويّ، محذّراً من أنّ إدراج قضايا الصواريخ البالستيّة أو النفوذ الإقليميّ قد يعرقل الحوار ويحول دون نتائج عمليّة. قال إنّ واشنطن أظهرت استعداداً للتقدّم في هذا الاتّجاه، وهو ما يمكن أن يمهّد لاختراق في جولات الحوار المستمرّة، وحذّر من تأثير نتنياهو أو محاولات إسرائيليّة لتوسيع النطاق قبل أو أثناء اجتماعات واشنطن، معتبراً أيّ تدخّل خارجيّ عامل إعاقة.
تشير نتائج الاجتماع في واشنطن إلى اتّجاه أميركيّ نحو دبلوماسيّة أكثر عمليّة تقبل بحدود حوار مركّز على النوويّ، في حين استمرّ نتنياهو في الضغط لتوسيع النطاق ليشمل الصواريخ ودور إيران في المنطقة، مع تقديم معلومات استخباريّة حديثة عن إعادة بناء البرنامج الصاروخيّ الإيرانيّ.
يسعى ترامب إلى صفقة تلبّي الحدّ الأدنى من متطلّبات الأمن الدوليّ وتقوّض قدرة إيران على التخصيب النوويّ، مع إبقاء خطوط مرنة نسبيّاً تجاه القضايا غير النوويّة إذا بقيت خارج المسار الحاليّ
استراتيجية ترامب: “صفقة قابلة للتّنفيذ” مع تهديد ضمنيّ
يسعى ترامب إلى صفقة تلبّي الحدّ الأدنى من متطلّبات الأمن الدوليّ وتقوّض قدرة إيران على التخصيب النوويّ، مع إبقاء خطوط مرنة نسبيّاً تجاه القضايا غير النوويّة إذا بقيت خارج المسار الحاليّ. على الرغم من أنّ هذه المرونة أقلّ تشدّداً من رؤية نتنياهو، قد تكون محاولةً لتخفيف المواجهة وفتح مجال لمفاوضات فعّالة، خاصّة إذا أثبتت الدبلوماسيّة نفسها كآليّة أفضل من الضغوط العسكريّة. إلى ذلك ناقش الاجتماع تقدّماً في غزّة والمنطقة، مع تأكيد ترامب لتحقيق “سلام حقيقيّ في الشرق الأوسط”.
على النقيض، يواصل نتنياهو الضغط لتوسيع الحوار ليشمل البرنامج الصاروخيّ وسياسات طهران الإقليميّة، معتبراً أنّ أيّ اتّفاق لا يتناول هذه القضايا ناقص ولن يوفّر ضمانات كافية لأمن إسرائيل في مواجهة التهديدات الصاروخيّة أو شبكة الوكلاء. عرض نتنياهو “مبادئ” إسرائيليّة في البيت الأبيض تربط الملفّ النوويّ بتهديدات أخرى، مع إصرار على اتّفاق دائم بدون تاريخ انتهاء صلاحيّة يُبقي إيران بعيدة عن الأسلحة النوويّة.
على الرغم من ميل التصريحات نحو دبلوماسيّة مركّزة، تبقى المخاطر حاضرة، خاصّة مع إشارة ترامب إلى “نتائج غير محدّدة” إذا فشل الحوار.
مخاطر التّصعيد العسكريّ
سبق أن شاركت الولايات المتّحدة إسرائيل في ضرب منشآت نوويّة إيرانيّة في حزيران 2025 (عمليّة “مطرقة منتصف الليل”) باستخدام قنابل خارقة للتحصينات تطال مواقع عميقة، وهو ما أعاد البرنامج الإيرانيّ إلى الوراء، لكنّه لم يقضِ عليه كليّاً. هذا التاريخ حاضر في الحسابات الاستراتيجيّة. لوّح ترامب بنشر قدرات عسكريّة، بما في ذلك حاملات طائرات، عاكساً استعداداً لضغوط تكتيكيّة قد تتحوّل إلى عمل عسكريّ إذا شعرت واشنطن أو حلفاؤها بخطر.
تبرز وساطات إقليميّة، مثل اتّصالات ترامب مع أمير قطر من أجل خفض التصعيد، وهو ما قد يفتح أطراً متعدّدة للدبلوماسيّة تتجاوز الثنائيّة وتُدخل لاعبين إقليميّين للحفاظ على الاستقرار. التقى نتنياهو أيضاً مع جاريد كوشنر وستيف ويتكوف قبل الاجتماع الرسميّ لتنسيق المواقف.
إقرأ أيضاً:
أمّا الصورة اليوم بعد زيارة نتنياهو وتصريحات ترامب المحبِّذة لحلّ دبلوماسيّ فتتلخّص بالآتي:
- تسعى إيران لحصر الحوار بالملفّ النوويّ، مع رفض واضح لتصفية ملفّات أخرى في هذه المرحلة أثناء المفاوضات.
- تتّجه الولايات المتّحدة نحو نهج “تركيزيّ وعمليّ” يستهدف الحدّ من مخاطر الانتشار النوويّ دون مواجهات مفتوحة، لكن مع إمكانيّة التوسّع ليشمل الصواريخ وتهديدات عسكريّة إذا فشل.
- تواصل إسرائيل السعي لتوسيع النطاق، معتبرة أنّ الأمن لا يقتصر على النوويّ.
لا تعني التصريحات التي تعبّر عن دبلوماسيّة واقعيّة أنّ الطريق غير مليء بالتحدّيات لأنّ التباين في المصالح حاضر، وقد يؤثّر على حظوظ عقد اتّفاق شامل ومستدام.
