خيط حرير إستراتيجي بين دمشق والرياض

مدة القراءة 5 د

اختارت سوريا اسماً له مغزى للمشروع الذي فازت به شركة سعوديّة لتطوير البنية التحتيّة لقطاع الاتّصالات، هو “Silklink“، ومعناه الحرفيّ “الصلة الحريريّة”، وتصل قيمته إلى 900 مليون دولار. والمغزى أنّ دمشق الجديدة تطرح نفسها، بلا مواربة، صلة وصلٍ استراتيجيّة واقتصاديّة بين المملكة السعوديّة، بما تمثّل من عمقٍ عربيّ وإسلاميّ، وبين أوروبا وما وراءها.

 

يعد مشروع “الصلة الحريريه” واحداً من أكبر الاستثمارات السعودية المباشرة في سوريا، وتقوده مجموعة “إس تي سي” التي يملك صندوق الاستثمارات العامة النسبة الأكبر من أسهمها. وقد أتى الإعلان عنه ضمن حزمة من الاستثمارات والعقود ومذكرات التفاهم بقيمة 20 مليار ريال (5.3 مليار دولار)، تم الإعلان عنها خلال زيارة وفد سعودي رفيع، برئاسة وزير الاستثمار خالد الفالح.

يعدّ هذا المشروع واحداً من أكبر الاستثمارات السعوديّة المباشرة في سوريا، وتقوده مجموعة “إس تي سي” التي يملك صندوق الاستثمارات العامّة النسبة الكبرى من أسهمها

ليّن وقويّ؟

شملت تلك الإعلانات تأسيس صندوق “إيلاف” للاستثمار السعوديّ في سوريا، واستثمار شركة سعوديّة في إدارة وتشغيل مطار حلب، وتأسيس شركة طيران اقتصاديّ بشراكة شركة “ناس” السعوديّة، ومذكّرة تفاهم لإنشاء محطّة لتحلية مياه البحر، وغيرها الكثير. وتضاف هذه الاتّفاقيّات إلى استثمارات سابقة معلنة بنحو 40 مليار ريال، ليصل إجمالي الاستثمارات السعوديّة المرتقبة والممكنة إلى 60 مليار ريال، أي نحو 16 مليار دولار. ليس هذا الرقم الضخم حدثاً اقتصاديّاً محضاً، بل هو بيانُ استراتيجيّ يعلن قرارَ الرياض الاستثمار في مستقبل سوريا واستقرارها وموقعها الإقليميّ.

توصف الخيوط الحريريّة بأنّها ناعمة وجذّابة وليّنة كالقطن، لكنّها قويّة جدّاً، لا تنقطع مهما بلغ الشدّ والجذب. وربّما يختزل مشروع “Silklink” النظرة إلى طبيعة الصلة المتصوَّرة للعلاقة الاستراتيجيّة بين الرياض ودمشق. الحديث هنا عن مشروع ينقل البينة التحتيّة للاتّصالات في سوريا إلى مكانٍ آخر، من خلال شبكة ألياف ضوئيّة تمتدّ لأكثر من 4,500 كيلومتر، وتتجاوز حدودها الجغرافيّة في كلّ الاتّجاهات، لتجعل منها منظومة ربط إقليميّ تربط الأسواق العربيّة والآسيويّة والأوروبيّة، ليصبح هذا المعبر الرقميّ رديفاً للمعبر التقليديّ للكابلات البحريّة عبر قناة السويس والبحر الأحمر.

ما ينطبق على الاتّصالات ينطبق على قطاعات أخرى، وربّما يشكّل التصوّر الأكبر للدور الذي ترسمه سوريا لنفسها كعقدة وصل بين العمق العربيّ وأوروبا، وهو الدور الذي اضطلع به لبنان لعقودٍ قبل الحرب الأهليّة، ولا تخفي إسرائيل تطلّعها إليه منذ سنوات. يسري الأمر على قطاع الطاقة، حيث يمكن لسوريا أن تصير حلقة وصل في خطوط أنابيب الغاز، من مصر إلى الشبكة التركيّة، ومنها إلى أوروبا، وقد يسري على خطوط نقل الهيدروجين مستقبلاً ومشاريع الربط الكهربائيّ.

لكنّ أهميّة الاستثمار السعوديّ تكمن في أن يشكّل رسالة بأنّ نجاح سوريا هو قرار استراتيجيّ سعوديّ، وهذا القرار بحدّ ذاته يفتح الأبواب الدوليّة المغلقة أمام دمشق، فوجود اسم المملكة بهذا الثقل في سوريا يشجّع مؤسّسات التمويل المتعدّدة الأطراف على تمويل مشاريع البنية التحتيّة وإعادة الإعمار وإعادة بناء المؤسّسات. وهو أمر تلمسه الوزارات السوريّة بالفعل في تعاطيها مع الجهات المانحة والشركات الأجنبيّة المهتمّة بالفرص الاستثماريّة.

بيروت تلتقط الإشارة؟

لم تكن الرياض لتقدّم جواز العبور لولا وضوح الفكرة السياسيّة التي يقدّمها الرئيس السوريّ أحمد الشرع. وقوّة هذه الفكرة أنّها النقيض العميق للفكرة السياسيّة لنظام الأسد، الذي كان يعيش على افتعال المشاكل ومقاولة حلّها، كما فعل في لبنان لردحٍ من الزمن.

يقول الشرع إنّه يريد نقل سوريا من حالتها السابقة، حين كانت ساحة للميليشيات الإيرانيّة، ومصدراً للكبتاغون، لتصبح جزءاً من منظومة الاستقرار والازدهار الاقتصاديّ التي تقودها المملكة السعوديّة في المشرق العربيّ، وهو ما يقتضي الاستثمار في الاستقرار ووحدة الجغرافيا والقرار السياسيّ، وجعل البرنامج الاقتصاديّ العربة التي تجرّ خلفها البرنامج السياسيّ. ومن الواضح أنّ هذا الخطاب يلقى تشجيعاً أميركيّاً مباشراً عبّر عنه المبعوث الأميركيّ توم بارّاك فور إعلان الاتّفاقيات.

يشير الدعم السعوديّ المتجدّد إلى أنّ تمتين قاعدة الحكم في دمشق مسارٌ لا رجعة عنه، وقد أكّدته المظلّة الإقليميّة والدوليّة التي رعت بسط الدولة سيطرتها في شرق الفرات، وفتح قنوات الحديث عن حلّ مستدام لمعضلة السويداء.

تصل هذه الإشارات إلى بيروت أفضل من ذي قبل، وقد تكون اتّفاقيّة نقل السجناء السوريّين المحكومين إلى بلدهم تعبيراً عن التقاط الإشارة.

 

إقرأ أيضاً: لا تصدّقوا أرقام الموازنة

 

لمتابعة الكاتب على X:

@OAlladan

مواضيع ذات صلة

لا تصدّقوا أرقام الموازنة

إذا كانت الحكومة تعتبر إقرار قانون الموازنة “حدثاً سعيداً” وخطوة إيجابيّة تُحسب لها في خانة المنجزات، فإنّ تزامن هذا الحدث مع صدور التقرير النصفيّ (نصف…

“صدمة ترامب”: ماذا يعني اسم “وورش” للدّولار والذّهب؟

لم تمرّ على الدولار والذهب لحظة أكثر مفصليّة من هذه، منذ عام 1971. كانت الأسواق في حالة من الغليان بالفعل، حتّى قبل أن يأتي الرئيس…

ليست مهمّة مصرف لبنان سداد الودائع

وصف وزير الاقتصاد عامر البساط في مطالعته للأسباب التي توجب إقرار مشروع قانون الفجوة الماليّة (الانتظام الماليّ وإعادة الودائع) في مجلس النوّاب، أنّه “المسار الواقعيّ…

قانون الفجوة: في العجَلة السّلامة؟

الاعتراف بالمشكلة هو أوّل طريق الحلّ. مرّ وقتٌ طويل قبل أن تعترف الدولة اللبنانيّة بالأزمة المصرفيّة التي انفجرت قبل ستّ سنوات، وتُقِرّ بحجمها عبر إقرار…