على قاعدة تدعيم الأساسات الداخليّة تحسّباً للعواصف الإقليميّة وضمان استمرار مسيرة التحوّل الاقتصاديّ، شهدت الحكومة الكويتيّة الأسبوع الماضي أوسع تعديل منذ تشكيلها في منتصف عام 2024، إبّان حلّ مجلس الأمّة وتعليق موادّ من الدستور، وأصبحت الأكبر منذ 35 عاماً، وثالثة أكبر الحكومات منذ استقلال الكويت في عام 1963.
مع دخول 6 وزراء جدد تجمعهم صفة التكنوقراط، أصبح عدد وزراء الحكومة الكويتيّة برئاسة الشيخ أحمد عبدالله الأحمد الصباح 20 وزيراً، وهو رقم كبير مقارنة بالحكومات الـ45 التي شُكّلت على مدى 63 عاماً، إذ كان العدد يراوح بين 13 و15 وزيراً في الغالب، باستثناء حكومتَي الشيخ سعد العبدالله في منتصف عام 1986 (21 وزيراً) ومنتصف عام 1990 (22 وزيراً)، المرتبطتين بتأزّم الأوضاع مع العراق حينذاك، وصولاً إلى الغزو ومرحلة التحرير لاحقاً.
لأنّ المرحلة تقتضي سلطة تنفيذيّة شاملة وصلبة، جرى توسيع الحكومة وفصل العديد من الحقائب التي كانت مع وزير واحد تقليديّاً (مثل فصل الماليّة عن الاقتصاد، والشباب والرياضة عن الإعلام)، بحيث يتفرّغ كلّ وزير لإنجاز ملفّاته وضمان ركوب وزارته في قطار التطوير الذي تسارعت خطواته في الآونة الأخيرة. “ما تحقّق خلال عام واحد جاء بإرادة سياسيّة واضحة وقرارات جريئة وتنفيذ سريع”، وفق ما أكّد رئيس الحكومة أمام القمّة العالميّة للحكومات في دبي الأسبوع الماضي، متحدّثاً عن استخلاص “ثلاثة دروس أساسيّة: الجرأة في اتّخاذ القرار، السرعة في الإنجاز، والشراكة الحقيقيّة”، ومشدّداً على أنّ “المستقبل لا ينتظر المتردّدين، والكويت اتّخذت قرارها بأن تصنع مستقبلها وأن تقود التغيير”.
على قاعدة تدعيم الأساسات الداخليّة تحسّباً للعواصف الإقليميّة وضمان استمرار مسيرة التحوّل الاقتصاديّ، شهدت الحكومة الكويتيّة الأسبوع الماضي أوسع تعديل منذ تشكيلها في منتصف عام 2024
الماليّة والاستدامة
مع تأكيد رئيس الوزراء مضيّ حكومته في اتّخاذ خطوات إصلاحيّة جوهريّة لتعزيز الاستقرار الماليّ وضمان استدامة الماليّة العامّة، والبدء بإصلاح الاقتصاد وتنويعه، جرى في التعديل الجديد فصل وزارة الماليّة عن وزارة الاقتصاد والاستثمار، مع تولّي الدكتور يعقوب الرفاعي الحقيبة الأولى وعبدالعزيز المرزوق الحقيبة الثانية، وكلاهما من المخضرمين في شؤون الماليّة والاقتصاد والاستثمار، ومن خرّيجي الولايات المتّحدة.
تناسقاً مع السرعة في إنجاز المشاريع الكبرى بالتعاون مع الدول الأخرى، مثل ميناء مبارك الكبير والمطار الجديد، تسعى الحكومة إلى تحريك المياه الراكدة داخليّاً على صعيد التنمية، من خلال وزارة جديدة تمّ استحداثها لشؤون “التنمية والاستدامة”، تتولّاها الدكتورة ريم الفليج، المعروفة بصرامتها الإداريّة وحزمها في متابعة الملفّات وتسريع وتيرة التطوير، على أن تكون مهمّتها الربط بين الوزارات والجهات المعنيّة بتنفيذ مشاريع خطّة التنمية.
أسرع استقالة
الاسم الرابع الجديد في الحكومة هو الدكتور طارق الجلاهمة، الذي تولّى وزارة الشباب والرياضة، واشتُهر بحضوره الدائم على قنوات “بي إن سبورت” الرياضيّة إلى جانب محمّد أبو تريكة وغيره، وكان مستشاراً رياضيّاً لنادي نوتنغهام فورست الإنكليزي.
في حين كانت هذه الوزارة مع “الإعلام” تحت مظلّة الوزير السابق عبدالرحمن المطيري، فقد جرى فصلهما في التشكيل الجديد، لكنّ الوزير الجديد للحقيبة الثانية المطيري لم يتولَّ مهامّه، إذ استقال بعد صدور المرسوم الأميريّ بالتعديل الوزاريّ ولم يؤدِّ اليمين الدستوريّة فأصبح واحداً من أسرع الوزراء استقالة في تاريخ الكويت.
السبب هو الحملة الكبيرة التي تعرّض لها في وسائل التواصل الاجتماعيّ بسبب مواقفه السابقة، إذ كان ناشطاً شبابيّاً سياسيّاً معارضاً للحكومة ومن أنصار “الربيع العربيّ”، وأحد الوجوه في التظاهرات التي شهدتها الكويت في عامَي 2011 و2012، وكانت مواقفه حادّة من أحداث البحرين في ذلك الوقت.
كان آخر التغييرات اللافتة عودة حقيبة “الخارجيّة” إلى “الشيوخ”، مع تعيين الشيخ جرّاح جابر الأحمد خلفاً لعبدالله اليحيا، الذي كان أوّل وزير يتولّى هذه الحقيبة “السياديّة” (أيّار 2024 – شباط 2026) من خارج الأسرة الحاكمة.
مع دخول 6 وزراء جدد تجمعهم صفة التكنوقراط، أصبح عدد وزراء الحكومة الكويتيّة برئاسة الشيخ أحمد عبدالله الأحمد الصباح 20 وزيراً، وهو رقم كبير مقارنة بالحكومات الـ45 التي شُكّلت على مدى 63 عاماً
3 خلاصات
لخّصت مصادر واسعة الاطّلاع لـ«أساس» أهمّ الأسباب والأهداف للتعديل الجديد:
1 – تكريس مبدأ الاستقرار الحكوميّ من خلال سدّ الثغرات، وليس تغيير الحكومة كما كان يحصل في السابق، لأنّ الأولويّة حاليّاً لضمان وجود حكومة قويّة وصلبة ومتناسقة لتحقيق هدفين أساسيَّين: أوّلهما تسريع وتيرة التحوّل لبناء اقتصاد عريض يرتكز على جذب الاستثمارات لا براميل النفط وتقلّبات أسعارها، وثانيهما التعامل مع أيّ مفاجآت وصدمات قد تأتي من الجانب الآخر للخليج العربيّ، في حال دخلت إيران والولايات المتّحدة مرحلة الحرب، خصوصاً أنّ الكويت قد تصبح الأكثر تأثّراً بالتداعيات، نظراً لقربها الشديد من مسرح العمليّات وتمركز آلاف الجنود الأميركيّين في قواعد داخل أراضيها.
2 – إعطاء جرعة للتشريع من خلال زيادة عدد الوزراء لأنّ الحكومة تتولّى حاليّاً سنّ القوانين في ظلّ غياب مجلس الأمّة، في إطار ورشة كبيرة بعنوان “الخطّة الوطنيّة لتحديث المنظومة التشريعيّة”، لتصبح عصريّة ومتناسقة تستجيب للتحوّلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وتواكب طموحات الدولة الحديثة. وتهدف الخطّة إلى مراجعة وتعديل 983 قانوناً، على أن يتمّ إنجاز 25% منها بنهاية عام 2026.
3- التركيز على التكنوقراط مع اختيار شخصيّات من خارج النادي التقليديّ، إذ لم يسبق لأيّ من الأسماء الجديدة تولّي مناصب وزاريّة، وهو ما يندرج أيضاً في إطار تجديد دماء الحكومة وإدخال أفكار من خارج الصندوق في صلب العمل الحكوميّ، لا سيما أنّ آليّة ونمط إجراءات السلطة التنفيذيّة شهدا تغييرات كبيرة في العامين الماضيين مقارنة بما كانا عليه في السنوات السابقة.
إقرأ أيضاً: تكامل خليجيّ مُتصاعد… ورسائل وازنة لثلاثة جيران
