بينما ينشغل العالم بتقلّبات الأسواق ومخاوف تباطؤ الاقتصاد العالميّ، تدور في الكواليس معركة اقتصاديّة صامتة لكن حاسمة. تخوض الولايات المتّحدة، بقيادة دونالد ترامب في ولايته الثانية، مواجهة مفتوحة مع الصين، لا بالصواريخ ولا بالأساطيل، بل بالرسوم الجمركيّة، التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد. إنّها حرب باردة جديدة بلا إعلان رسميّ، لكنّ آثارها باتت ملموسة في كلّ ميناء، كلّ مصنع، وكلّ بورصة في العالم.
لم تعد المواجهة بين واشنطن وبكين تنافساً على النفوذ وحسب، بل صراع على من يكتب قواعد الاقتصاد العالميّ للسنوات المقبلة. يتصرّف ترامب كما لو أنّ ساعة الحسم قد دقّت: إمّا كبح الصعود الصينيّ الآن، أو القبول بعالم تتراجع فيه القيادة الأميركيّة. من هنا، جاءت استراتيجيته الاقتصاديّة الأكثر شراسة منذ نهاية الحرب الباردة، مستندة إلى مزيج من الضغط والصفقات، والردع والتكيّف، في محاولة لإعادة ضبط العلاقة مع بكين من موقع القوّة لا الانتظار.
منذ عودته إلى البيت الأبيض في كانون الثاني 2025، أعادت واشنطن تعريف علاقتها الاقتصاديّة مع الصين عبر سياسة لا تسمّي الأشياء بأسمائها، لكنّها تطبّق منطق “الاحتواء” بحذافيره: تقليص وصول الصين إلى السوق الأميركيّة، خنق وصولها إلى التكنولوجيا المتقدّمة، وإعادة هندسة سلاسل الإمداد العالميّة بما يخدم المصالح الأميركيّة أوّلاً. لم يكن هذا التحوّل ممكناً لولا تماسك السلطة التنفيذيّة وهيمنة الجمهوريّين على الكونغرس، فبات لدى ترامب قدرة استثنائيّة على فرض قرارات صداميّة وسريعة.
بينما ينشغل العالم بتقلّبات الأسواق ومخاوف تباطؤ الاقتصاد العالميّ، تدور في الكواليس معركة اقتصاديّة صامتة لكن حاسمة
بداية الانقسام العالميّ
في صدارة أدوات ترامب تأتي الرسوم الجمركيّة، التي تحوّلت من أداة ضغط مؤقّتة إلى حجر أساس في سياسة اقتصاديّة جديدة. ارتفعت الرسوم إلى مستويات قياسية، وصلت إلى 125% على قطاعات حيويّة، في محاولة لإجبار الشركات على العودة إلى الداخل الأميركيّ، ولفرض معادلة جديدة على التجارة العالميّة. لكنّ هذه السياسة، التي تبدو للوهلة الأولى دفاعاً عن الاقتصاد الوطنيّ، كانت في العمق بداية لتفكّك منظومة التجارة الحرّة التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب الباردة.
لم تغيّر الرسوم اتّجاه السلع فقط، بل غيّرت اتّجاه التحالفات. مع كلّ جولة تصعيد، بدأ الحلفاء يتساءلون: أما زالت واشنطن الضامن الأخير للنظام التجاريّ العالميّ أم باتت طرفاً فيه؟ هذا السؤال هو ما دفع كثيرين إلى إعادة حساباتهم وفتح قنوات موازية مع بكين، ولو على مضض.
كانت المعركة التالية أخطر: فصل التكنولوجيا. حين قرّرت واشنطن تقييد تصدير الرقائق والذكاء الاصطناعيّ والتكنولوجيا الحيويّة، لم تكن تحمي أسرارها فقط، بل كانت تضرب قلب العولمة المعاصرة، التي قامت على تبادل المعرفة والابتكار بلا حدود. بدأت هنا تتشكّل عولمات متوازية، لكلّ منها معاييرها وأنظمتها وأسواقها، في مشهد يذكّر ببدايات الانقسام الأيديولوجيّ في القرن الماضي، لكن بأدوات اقتصاديّة هذه المرّة.
بينما تسعى الولايات المتّحدة لتحقيق استقلالها في المعادن النادرة وسلاسل الإمداد، تردّ الصين بتوسيع نفوذها في الأسواق الناشئة، مقدِّمةً نفسها شريكاً مستقرّاً في عالم مضطرب، وهو ما يجعل المواجهة طويلة ومفتوحة على احتمالات غير محسوبة.
في صدارة أدوات ترامب تأتي الرسوم الجمركيّة، التي تحوّلت من أداة ضغط مؤقّتة إلى حجر أساس في سياسة اقتصاديّة جديدة
حين يصبح الاقتصاد سياسة خارجيّة
في هذا السياق، لم يعد الردع العسكريّ منفصلاً عن الاقتصاد. تقوم استراتيجية الدفاع الأميركيّة اليوم على فكرة أنّ القوة تبدأ من الداخل، من مصانع محميّة، تقنيّات محصّنة، وسلاسل إمداد وطنيّة. لكنّ هذا الربط بين الأمن والاقتصاد يعني أيضاً أنّ أيّ خلل اقتصاديّ قد يتحوّل بسرعة إلى أزمة استراتيجيّة، وأنّ أيّ تصعيد تجاريّ قد ينزلق إلى مواجهة سياسيّة.
يظهر هنا التحوّل الأخطر: قبول واشنطن الضمنيّ بعالم مناطق النفوذ، حيث تُدار التوازنات بالصفقات لا بالقواعد، وبالقوّة لا بالتوافق.
لم يمرّ هذا التحوّل من دون ارتدادات. بدأ حلفاء واشنطن بالتحوّط بعدما وجدوا أنفسهم بين ضغوط ترامب الاقتصاديّة وإغراءات الصين التجاريّة. لم تكن استثناءً زيارةُ رئيس الوزراء البريطانيّ كير ستارمر لبكين، بل إشارة إلى بداية تصدّع في الجبهة الغربيّة. ردّ ترامب بوصف هذا التقارب بأنّه “خطير جدّاً”، في اعتراف ضمنيّ بأنّ سياسة الضغط قد تدفع الحلفاء بعيداً بدل أن تشدّهم إلى الصفّ الأميركيّ.
إقرأ أيضاً: ترامب يستخدم إستراتيجية الصين ضد الصين
هكذا يجد الغرب نفسه أمام مفارقة قاسية: كلّما اشتدّ الضغط الأميركيّ على الصين، ازداد ميل الحلفاء إلى البحث عن هوامش حركة خارج المظلّة الأميركيّة، وهو ما يمنح بكين فرصة ذهبيّة لتقديم نفسها بديلاً أقلّ تقلّباً.
لم تعُد المشكلة في نجاح أو فشل ترامب في كبح الصين، بل في شكل العالم الذي يولد من هذه المواجهة. نحن أمام اقتصاد عالميّ يتفكّك إلى كتل، ونظام دوليّ تُستبدل فيه القواعد بالصفقات، وتُدار فيه العلاقات بالقوّة لا بالثقة. مع كلّ خطوة جديدة في هذه الحرب الاقتصاديّة، يقترب العالم من لحظة لا يصبح فيها الانقسام ظرفيّاً بل دائماً.
لمتابعة الكاتب على:
