في مقال مطوّل تحت عنوان “سقوط آل الأسد”، روى الكاتب في مجلّة “ذا أتلانتيك” روبرت وورث الساعات الأخيرة لبشّار الأسد نقلاً عن أحد أعضاء حاشية الأسد، الذي كان معه في ساعاته الأخيرة، وطلب عدم الكشف عن اسمه لأنّه لا يزال يعيش في المنطقة.
رسم وورث الذي شغل سابقاً منصب رئيس مكتب صحيفة “نيويورك تايمز”، وقضى أكثر من عقدين في الكتابة عن الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، صورة لبشّار الأسد كحاكم منفصل عن الواقع، مهووس بالجنس وألعاب الفيديو، متعجرف، ومختلّ بشكل متزايد، رفض كلّ سبل النجاة التي عُرضت عليه، فلعبت عيوبه الشخصيّة وأخطاؤه ورفضه للتسويات دوراً حاسماً في تفكّك النظام السوريّ.
تفاصيل السّاعات الأخيرة
حوالي الساعة السادسة من مساء السابع من كانون الأوّل 2024، عاد بشّار الأسد من القصر إلى مقرّ إقامته الخاصّ في حيّ المالكي بالعاصمة. بدا هادئاً، وطمأن ابن خاله إيهاب مخلوف بأنّه لا داعي للقلق. الإماراتيّون والسعوديّون سيجدون طريقة لوقف تقدّم الثوّار. قبل ساعات، كان وزراء خارجيّة روسيا وسبع دول شرق أوسطيّة قد عقدوا اجتماعاً طارئاً على هامش مؤتمر الأمن السنويّ في الدوحة، عاصمة قطر. لم يكن أيٌّ منهم يرغب في انهيار نظام الأسد. وأصدروا بياناً يدعو إلى وقف العمليّات العسكريّة وإلى انتقال سياسيّ تدريجيّ، استناداً إلى قرار مجلس الأمن الدوليّ الصادر قبل عقد من الزمن.
كان عليهم الحصول على موافقة الأسد وتسهيله لهذا الانتقال، لكنّ ثمّة مشكلة: لم يتمكّن أحد من الوصول إليه. ويبدو أنّه أغلق هاتفه.
يبدو أنّ الأسد أساء فهم هذا الإجماع الضمنيّ، فظنّه قوّة. وفقاً لقول أحد العاملين السياسيّين السابقين في “الحزب”
في وقت لاحق من تلك الليلة، قُتل مخلوف رمياً بالرصاص أثناء فراره بالسيّارة إلى لبنان. في الساعة الثامنة مساءً، وردت أنباء عن سقوط حمص في أيدي الثوّار. أثار ذلك الخوف في الحاشية، لكنّ الأسد طمأن مساعديه إلى أنّ قوّات النظام قادمة من الجنوب لتطويق العاصمة والدفاع عنها. لم يكن هذا صحيحاً. في الساعات التي تلت ذلك، بدا وكأنّه يتأرجح بين اليأس والوهم بأنّ النصر بات وشيكاً.

بعد الساعة الحادية عشرة مساءً بقليل، وصل منصور عزّام، أحد كبار مساعدي الأسد، إلى المنزل برفقة مجموعة صغيرة من المسؤولين الروس. توجّهوا إلى غرفة مع الأسد للتشاور. يُعتقد أنّ الروس كانوا يعرضون على الأسد مقاطع فيديو تثبت أنّ قوّات النظام لم تعد تقاتل.
بحلول الساعة الواحدة صباحاً، وصل إلى الحاشية أنّ العديد من أنصار النظام قد استسلموا وفرّوا من العاصمة إلى الساحل السوريّ، معقل العلويّين. في الساعة الثانية صباحاً، خرج الأسد من مسكنه الخاصّ وأخبر سائقه، الذي يعمل معه منذ فترة طويلة، أنّه بحاجة إلى شاحنات، وأمر العاملين ببدء حزم أمتعته بأسرع ما يمكن.
كانت مجموعة من الروس موجودة خارج المنزل. وحتّى تلك اللحظة، كان كثيرون في الحاشية يعتقدون أنّ الأسد سيتوجّه إلى القصر الرئاسيّ لإلقاء خطاب المقاومة أمام أنصاره.
أدركوا أخيراً أنّ المعركة قد انتهت. لقد تخلّى عنهم إلى الأبد. اتّجه الأسد نحو الباب الأماميّ برفقة اثنين من مساعديه وابنه حافظ. وأُبلغ الآخرون بأنّه لا يوجد مكان لهم.
وقف سائق الأسد، وهو في منتصف العمر، عند الباب، ينظر إلى الرئيس بتعبير خيبة أمل لا لبس فيه. قال: “هل ستتركنا حقّاً؟”.
بحسب مصادر وورث، اقترح في تلك الفترة مسؤول شابّ في الأمن القوميّ الإسرائيليّ تنظيم انقلاب داخليّ ضدّ الأسد
نظر إليه الأسد. وحتّى في هذه اللحظة الأخيرة، لم يتحمّل مسؤوليّة ما حدث لبلاده. لم يكن هو من يخون أنصاره، بل هم من خانوه برفضهم التضحية بأرواحهم من أجل إطالة أمد حكمه.
سأل الأسد السائق: “ماذا عنكم؟ ألن تقاتلوا؟”، ثمّ استدار وخرج. كان الروس ينتظرونه.
تفسير مختلف
في حين فسّر كثيرون الأمر بدايةً على أنّه نتيجة حتميّة للظروف الدوليّة، من انشغال روسيا في أوكرانيا، إلى ضغط إسرائيل على إيران، وعدم قدرة الطرفين على الاستمرار في حماية الأسد، يقدّم وورث، من خلال مقابلاته مع شخصيّات من داخل القصر وضبّاط ومسؤولين إقليميّين، تفسيراً مختلفاً. بحسب هؤلاء، كان بشّار الأسد نفسه العامل الحاسم في سقوط نظامه. عُرضت عليه خلال السنوات الأخيرة عدّة فرص لإنقاذ النظام، ولم تكن معظم دول المنطقة ترغب في سقوطه، وقدّمت له مبادرات ودعماً محتملاً، لكنّه تجاهل هذه العروض أو رفضها، بدافع الكبرياء والعناد وقناعةٍ بأنّه لا غنى عنه.
في رأي وورث، استمدّ الأسد ثقته المفرطة من نجاته في الحرب الأهليّة السوريّة. خلال الربيع العربي، توقّع معظم المراقبين سقوط نظامه. أكّد الرئيس الأميركيّ باراك أوباما عام 2012 أنّ “نظام الأسد سيكتشف قريباً أنّ قوى التغيير لا يمكن كبحها”. كان واثقاً إلى درجة أنّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة ساهمت في تمويل “مشروع اليوم التالي” للاستعداد لسوريا الجديدة.
يكشف وورث أنّ صحيفة “نيويورك تايمز” طلبت منه تحضير نعيٍ لسلالة الأسد، وأنّ هذا النعي، الذي لا يزال يحتفظ به في ملفّاته، كان ربّما سيُنشر عام 2015 لولا التدخّل الروسيّ غير المتوقّع في أيلول من ذلك العام، والذي، إلى جانب الدعم الإيرانيّ و”الحزب”، غيّر كلّ شيء بالنسبة للأسد وقلب موازين القوى. استعاد الأسد بحلول عام 2017 السيطرة على المدن الكبرى، فيما انحصرت المعارضة في إدلب.
في رأي وورث، استمدّ الأسد ثقته المفرطة من نجاته في الحرب الأهليّة السوريّة
أنا الملك
هذا “النصر”، الذي أقنع الأسد بأنه أصبح محصّناً ضدّ السقوط، كان وهماً، يضيف وورث. كانت سوريا مدمّرة، واقتصادها منهاراً، وسيادتها مرهونة لروسيا وإيران، وشعبها يرزح تحت العقوبات والفقر. توقّع أنصاره انفراجاً وإعادة إعمار، لكنّهم واجهوا مزيداً من المعاناة.
عرضت دول الخليج، ولا سيما الإمارات العربيّة المتّحدة، على الأسد فرصة للعودة إلى الحضن العربيّ وتطبيع العلاقات وتقديم دعم ماليّ. كان الشرط الأساسيّ الابتعاد عن إيران، التي أثبتت استعدادها لفعل أيّ شيء لإبقائه في السلطة، مقابل استمرار سوريا ممرّاً لدعم “الحزب”. اختار الأسد التمسّك بإيران بدل الانفتاح على الخليج، مفضّلاً أمن نظامه على التعافي الاقتصاديّ.
مع مرور الوقت، حتّى حلفاؤه بدؤوا يشعرون بالإحباط منه. ضغط الروس والإيرانيّون عليه لإجراء إصلاحات شكليّة تخفّف العزلة والعقوبات، لكنّه ماطل وكذب. أضاع فرصاً ثمينة لفتح قنوات مع واشنطن بدوافع شخصيّة وكبرياء، ففوّت على نفسه مكاسب سياسيّة واقتصاديّة كبيرة. أبدت واشنطن استعدادها لإبرام صفقة معه مقابل إثبات أنّ الصحافيّ الأميركيّ أوستن تايس، الذي اختفى في سوريا عام 2012 ويُعتقد أنّه كان محتجزاً لدى النظام، لا يزال حيّاً. كانت تلك فرصة ذهبيّة للأسد. كان لقاء وزير الخارجيّة الأميركيّ يومها مايك بومبيو وحده سيمنحه شرعيّة جديدة ويفتح الباب أمام دول أخرى للتقارب معه. لكنّ ردّ الأسد كان: لا صفقة، ولا محادثات إضافيّة.
بحسب مصادر وورث، اقترح في تلك الفترة مسؤول شابّ في الأمن القوميّ الإسرائيليّ تنظيم انقلاب داخليّ ضدّ الأسد. الإسرائيليّون، الذين كانوا ينظرون إلى الأسد كعدوّ يمكن السيطرة عليه، يردّد الشعارات المعتادة عن العدوّ الصهيونيّ لكنّه يُبقي الحدود هادئة، بدؤوا يخشون، حوالى عام 2019، من أن يكون الأسد عاجزاً إلى درجة لا يمكن الاعتماد عليه.
نقل وورث عن مسؤول إسرائيليّ سابق قوله: “كان النظام حينها هيكلاً فارغاً وحسب. لكنّ القيادة الإسرائيليّة تردّدت في الموافقة على اقتراح الانقلاب. كان الجميع في المنطقة مرتاحين لوجوده، لكونه ضعيفاً ولا يشكّل تهديداً لأحد”.
اتّجه الأسد نحو الباب الأماميّ برفقة اثنين من مساعديه وابنه حافظ. وأُبلغ الآخرون بأنّه لا يوجد مكان لهم
يبدو أنّ الأسد أساء فهم هذا الإجماع الضمنيّ، فظنّه قوّة. وفقاً لقول أحد العاملين السياسيّين السابقين في “الحزب”، الذي كان يتردّد على سوريا كثيراً خلال تلك السنوات وطلب من وورث عدم الكشف عن هويّته خوفاً من العواقب: “كان بشّار يعيش في عالم خياليّ: الإيرانيّون بحاجة إليّ. ليس لدى الروس خيار آخر. أنا الملك“.
عدم الثّقة بالنّفس
يربط وورث ضعف الأسد بخلفيّته العائليّة وإرث والده حافظ الأسد، الذي أسّس نظاماً قاسياً ومتيناً. لكنّ أخطر نقاط ضعف السلالات السياسيّة هي الخلافة. كان بشّار وريثاً غير متوقّع، جاء إلى الحكم بعد وفاة شقيقه باسل في حادث سير. هذا جعله يعاني من عدم الثقة بالنفس، فبالغ في القسوة والعناد خوفاً من الظهور بمظهر الضعيف. قال من عرفوه إنّه عنيد، لا يستمع للنصيحة ويستاء منها. يشبه والده في التصلّب، لكنّه يفتقر إلى صلابته.
أُعجب خصوصاً بالأمين العامّ السابق لـ”الحزب” السيّد حسن نصرالله، وصدّق أنّ محور المقاومة سيسحق إسرائيل، وأنّ كلّ شيء سيُمنح له من دون تنازلات. ربّما توهّم، لبضع ساعات من يوم 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، أنّ نبوءات نصرالله قد تحقّقت.
كان يفترض، يضيف وورث، أن يقلق الأسد من نتائج الحرب الإسرائيليّة على غزّة ولبنان وسوريا أيضاً، التي أسفرت في النهاية عن مقتل نصرالله نفسه وتفكيك محور المقاومة، لا سيما مع تورّط روسيا، حليفته الأخرى، في أوكرانيا.
حوالي الساعة السادسة من مساء السابع من كانون الأوّل 2024، عاد بشّار الأسد من القصر إلى مقرّ إقامته الخاصّ في حيّ المالكي بالعاصمة
لكنّ الأجواء في القصر لم تكن مؤاتية للتفكير السليم. انشغل الأسد بالألعاب الإلكترونيّة وحياته الخاصّة، وكان يقضي معظم وقته في لعب “كاندي كراش”. همّش الشخصيّات المؤثّرة في عهد والده، واعتمد بدلاً من ذلك على دائرة صغيرة من الشباب ذوي النفوذ المشكوك فيه، من بينهم لونا الشبل، التي كانت عشيقته وتأتي له بنساء، بمن فيهنّ زوجات ضبّاط كبار، بحسب مصادر سابقة في القصر ومسؤول إسرائيليّ سابق.
تحوّلت سوريا إلى ما يشبه “دولة مخدّرات”، مع اعتماد النظام على تجارة الكبتاغون لتمويل نفسه، بينما كان الجنود يتقاضون رواتب زهيدة لا تكفي للعيش. حتّى داخل الطائفة العلويّة، التي ينتمي إليها، تصاعد التذمّر بسبب الفقر والانهيار الاقتصاديّ، بينما واصل الأسد مراكمة الثروة، معتقداً أنّ المال وأدوات “الملكيّة” يمكن أن تعوّض ضعف الدولة ومؤسّساتها.
إقرأ أيضاً: فضيحة أبي عمر… كما ترويها “الفايننشيل تايمز”
لكن في 7 كانون الأوّل 2024، فرّ من البلاد، منهياً بذلك حكم عائلة الأسد بطريقة مهينة. لم يسقط في مواجهة بطوليّة، بل هرب، ولا يزال على الأرجح يخدع نفسه حتّى النهاية.
