على الرغم من أنّ عودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة العراقيّة أصبحت بعيدة التحقّق نتيجة الفيتو الأميركيّ الذي أعلنه صراحة الرئيس دونالد ترامب، يمثّل تصدّره المشهد السياسيّ مدعوماً من أغلب القوى المنضوية في “الإطار التنسيقيّ” ومن إيران في حدّ ذاته تحوّلاً نوعيّاً في الساحة الداخليّة العراقيّة وفي المشهد الإقليميّ الأوسع.
سيطر التيّار الشيعيّ المؤدلج المتمحور حول “حزب الدعوة الإسلاميّة” المرتبط عضويّاً بالنظام الإيرانيّ قد سيطر على مقاليد السلطة منذ انتخابات 2005، إلّا أنّ فترة المالكي (من 2006 إلى 2014) كانت هي الأطول والأكثر تأثيراً والأكثف زخماً.
في عهد المالكي اندلعت الحرب الطائفيّة الأهليّة وانتشر الإرهاب والتصفيات الدمويّة وسيطر تنظيم داعش على ثلاث ولايات عراقيّة، وانهارت علاقات البلاد بجوارها العربيّ.
في حقبة المالكي استطاعت إيران أن تضع يدها كلّيّاً على العراق، على الرغم من معارضة طيف واسع من الحقل السياسيّ، بما فيه جانب مهمّ من المكوّن الشيعيّ. انهارت محاولات إحياء الجيش العراقيّ وبرزت الميليشيات الطائفيّة التي أصبحت البديل الفعليّ عن المؤسّسة العسكريّة التي كانت قاعدة الدولة العراقيّة الحديثة.
لا يمكن اليوم فصل عودة المالكي عن أجواء الصراع الأميركيّ – الإيرانيّ الذي وصل مرحلة الانفجار المحقَّق، ومن ثَمَّ يمكن اعتبارها عنصراً حاسماً في استراتيجية المواجهة الإيرانيّة للتهديد الأميركيّ.
مع أنّ تصريحات المالكي الأخيرة تذهب في اتّجاه التهدئة والانفتاح على الإدارة الأميركيّة، وطمأنة الجوار العربي بما فيه سوريا بعد التغيير الأخير، إلّا أنّه يمثّل الاتّجاه الطائفيّ الراديكاليّ في العراق، وهو أقرب الشخصيّات السياسيّة العراقيّة إلى طهران .
يختلف المالكي في توجّهاته ونهجه عن مقاربة رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي الذي حاول إصلاح النظام السياسيّ والقضاء على ظاهرة الميليشيات المسلّحة وتحقيق التوازن الإقليميّ دبلوماسيّاً، ويختلف عن رئيس الحكومة الحاليّ محمد شياع السوداني الذي نجح في إعادة الاستقرار الأمنيّ للعراق وتحسين وضعه الاقتصاديّ، وأرجع البلاد إلى حضنها العربيّ .
لن يكون بإمكان نوري المالكي في حال عودته للواجهة أن يواجه التحدّيات الثلاثة لأسباب بديهيّة لها علاقة بمرجعيّاته الأيديولوجيّة
الخشية من عودة الفتنة
تزداد مع المالكي الخشية الموضوعيّة من عودة سنوات الفتنة والصراع الأهليّ إلى العراق، ومن زيادة النفوذ الإيرانيّ في سياق انفجار الصراع مع الولايات المتّحدة.
شهدت الفترة التي تلت سقوط صدّام حسين في العراق جدلاً واسعاً في مقوّمات ومرتكزات النظام السياسيّ الجديد. في حين حاول الاتّجاه الليبراليّ الوطنيّ الحفاظ على هويّة الدولة من خلال الانفتاح الديمقراطيّ والمصالحة الداخليّة الشاملة (تيّار رئيس الوزراء الأسبق إياد علّاوي)، ظهر في الوسط الشيعيّ اتّجاهان:
– ذهب أحدهما إلى خيار المرجعيّة الوطنيّة المستقلّة (التيّار الصدريّ).
– ذهب الآخر إلى استنبات الأيديولوجية الثوريّة الإيرانيّة والدفاع عن أطروحة التكامل الاستراتيجيّ مع إيران في إطار منظور طائفيّ إقليميّ مناهض للنظام الإقليميّ العربيّ.
يمثّل نوري المالكي التيّار الأخير، على الرغم من نفيه لمحاولة تمديد أطروحة “ولاية الفقيه” الخمينيّة إلى العراق. الرجل الذي شكّل ائتلافاً سياسيّاً باسم “دولة القانون” يتمحور مشروعه للحكم حول النظام المركزيّ القويّ الذي يفرض سلطته على المجتمع والقوى المدنيّة، مختزلاً الديمقراطيّة في الآليّة التنافسيّة الانتخابيّة الضامنة لدكتاتوريّة الأغلبيّة العدديّة ضمن موازين إعادة إنتاج المعادلة الطائفيّة في العراق.
استخدم المالكي خلال فترة حكمه السابق ثلاث آليّات متمايزة
ولاية المالكي السّابقة
لهذا الغرض استخدم المالكي خلال فترة حكمه السابق ثلاث آليّات متمايزة هي:
1- التحكّم في الموارد الماليّة المتمحورة حول النفط من أجل بناء شبكة تحالفات واسعة على أساس الولاء الطائفيّ والانقياد الميكانيكيّ للجهاز الحاكم.
2- عسكرة الحياة السياسيّة من خلال القضاء على الحياة الحزبيّة وتشكيل ميليشيات مسلّحة مهيمنة على الشارع وعلى الحقل المدنيّ والمجتمع الأهليّ.
3- الاعتماد على الذراع الإيرانيّة لحماية النظام في مقابل أداء دور القاعدة الخلفيّة لإيران التي غدت تستخدم العراق لفكّ الحصار الخارجيّ والتغلّب على العقوبات الدوليّة.
بيد أنّ هذا المشروع فشل في نهاية المطاف لأنّه غذّى العنف الطائفيّ وأجّج حركيّة الإرهاب المنظّم وأضعف علاقات النظام الحاكم بالخارج بما فيه الولايات المتّحدة التي تدخّلت عسكريّاً عام 2003 لإسقاط الحكم البعثيّ، بل إنّ علاقات المالكي مع مرجعيّة النجف انهارت في آخر عهده، إلى حدّ تلميح السيّد السيستاني إلى التخلّي عن رئيس الحكومة الذي قاد البلاد إلى الهاوية، ورفضه التجديد له لولاية ثالثة .
تحدّيات العراق
يعاني العراق حاليّاً من ثلاثة تحدّيات كبرى هي :
– إعادة بناء الدولة الوطنيّة على أساس هويّة المواطنة المتساوية مقابل منطق الولاءات الطائفيّة والعرقيّة الذي هيمن على الأجندة السياسيّة خلال العقدين الماضيَين. كان من المؤمَّل أن تفضي الإصلاحات الدستوريّة والقانونيّة إلى تثبيت فكرة المجتمع المدنيّ المتلاحم وفق المنظور الليبراليّ الديمقراطيّ الحديث، إلّا أنّ الآليّات التنافسيّة التعدّديّة وُظّفت لمصلحة التركيبة المجموعاتيّة المنتجة أيديولوجيّاً (ثلاثيّة السنّة والشيعة والأكراد) .

– إصلاح الوضع الاقتصاديّ والاجتماعيّ المختلّ نتيجة لاستشراء الفساد السياسيّ وسوء التوجّهات التنمويّة، على الرغم من الإمكانات الهائلة التي يتمتّع بها العراق. بعد سقوط نظام صدّام حسين، ذهب البعض إلى أنّ العراق الجديد قادر على أن يؤدّي دور ألمانيا الأوروبيّ على الساحة الإقليميّة بحيث يكون قاطرة التنمية والتحديث فيها. بيد أنّ التطوّرات اللاحقة ذهبت في اتّجاه مغاير، إلى حدّ وصف بعضهم البلد بالدولة الفاشلة على غرار بلدان منهارة في المنطقة .
أخطر ما يمكن أن يواجهه العراق هو أن يتحوّل إلى مسرح خلفيّ للصراع بين الولايات المتّحدة وإيران
– إعادة العراق إلى النظام الإقليميّ العربيّ الذي هو أصلاً من أركانه المحوريّة. يعني الأمر هنا الخروج من الوصاية الإيرانيّة والانضمام إلى محور الاعتدال العربيّ. إنّ التحوّلات الأخيرة في سوريا تدفع إلى هذا السيناريو، باعتبار أنّ التكامل الاستراتيجيّ بين البلدين من شأنه التغيير الإيجابيّ للموازين الجيوسياسيّة في المنطقة.
بطبيعة الأمر، لن يكون بإمكان نوري المالكي في حال عودته للواجهة أن يواجه هذه التحدّيات الثلاثة لأسباب بديهيّة لها علاقة بمرجعيّاته الأيديولوجيّة وتَرِكته السياسيّة وعلاقاته العضويّة بمراكز القوّة والنفوذ في إيران.
مسرح خلفيّ للصّراع
أخطر ما يمكن أن يواجهه العراق هو أن يتحوّل إلى مسرح خلفيّ للصراع بين الولايات المتّحدة وإيران، بعد بروز مؤشّرات جليّة إلى أنّ هدف الإدارة الأميركيّة انتقل من احتواء ومحاصرة النظام الإيرانيّ إلى إسقاطه والقضاء على مخالبه العسكريّة وقدراته الجيوسياسيّة الإقليميّة، سواء من خلال تغيير داخليّ يعتمد على المؤسّسة العسكريّة والأجهزة الأمنيّة أو من خلال تقويض كلّيّ لمؤسّسات الحكم القائم.
إقرأ أيضاً: العراق: عودة المالكي المعلَّقة
لا يمكن لمستقبل العراق إلّا أن يكون في سياقه الإقليميّ العربيّ، من حيث هو نقطة التقاء محورَيْ هذا النظام الأساسيَّين: المشرق العربيّ والخليج العربيّ. كان الخطأ الأساسيّ للنظام البعثيّ المندثر هو إهمال مقوّمات البناء السياسيّ الداخليّ الذي هو شرط الدور القوميّ المنشود، وفشلت الاستراتيجية الأميركيّة في العراق بعد 2003 لأنّها أدّت من خلال المعادلة الطائفيّة إلى فتح الباب للهيمنة الإيرانيّة.
مع ارتفاع صوت وطنيّ متزايد يدعو إلى الدفاع عن الدولة العراقّية المستقلّة المندمجة في محيطها الإقليميّ، لن يكون نوري المالكي هو رجل المستقبل القادر على إخراج البلاد من أزمتها الحاليّة.
*أكاديمي وكاتب موريتاني له كتب وأعمال منشورة في الفلسفة والفكر السياسي كما له أعمال روائية منشورة
