“سياسات الموت” في غزّة: استعادة العقل الاستعماريّ الأوروبيّ

مدة القراءة 7 د

لم تتوقّف الإبادة في غزّة. إلّا أنّها الآن أخفت صوتاً، وأبطأ إيقاعاً. مع التعثّر في الولوج إلى المرحلة الثانية من خطّة دونالد ترامب، يستمرّ بنيامين نتنياهو في مخطّط التدمير والقتل والتهجير، بتفهّم غربيّ رسميّ، مع استدعاء إسرائيليّ مستمرّ للماضي الاستعماريّ الوحشيّ.

 

قبيل شنّ الحرب الإسرائيليّة على غزّة في تشرين الأوّل 2024، دأبت الحكومة الإسرائيليّة، ولا سيما رئيسها بنيامين نتنياهو، على عقد مقارنات مشبوهة بين ما كان ينوي فعله في غزّة، وما فعله الأوروبيّون في مستعمراتهم السابقة من إبادات منهجيّة للسكّان الأصليّين، وأساليب الحلفاء في قتال النازيّة الألمانيّة إبّان الحرب العالميّة الثانية، لا سيما القصف الاستراتيجيّ للمدن الألمانيّة المكتظّة بالسكّان. وذلك لتبرير سقوط ما يزيد على 70 ألف قتيل فلسطينيّ،علاوة على آلاف المفقودين تحت الأنقاض، في الحرب الأخيرة على غزّة، وهو ما يرسم المعادلة التالية: قُتل 70 فلسطينيّاً مقابل كلّ إسرائيليّ مدنيّ أو جنديّ لقي حتفه منذ طوفان الأقصى في 7 تشرين الأوّل من ذاك العام.

كان نتنياهو بذلك يخاطب العقل الاستعماريّ الأوروبيّ الجمعيّ اللاواعي، مع تحويله قطاع غزّة المعزول والمحاصَر إلى ساحة قتل يوميّ، ومختبر نموذجيّ لممارسة العنف المنهجيّ، وإدارة الحشود المجوَّعة والفارّة من الموت في مكانها الأصليّ إلى الموت في مكان آخر انتقلت إليه قسراً، على نحوٍ تتابعيّ لا يتوقّف، بهدف إحداث أكبر أثر سيكولوجيّ ممكن. وذلك أوّلاً، لتحضير أرضيّة الترانسفير النهائيّ، وثانياً بهدف تصدير هذا النموذج إلى دول أخرى، بوصفه إنجازاً قابلاً للتكرار في ظروف قمعيّة مشابهة، كما جاء في دراسة حديثة تحت عنوان: Gaza as World’s “Laboratory of Violence”))، ونشرتها مجلّة “Public Humanities” الصادرة عن جامعة كامبردج البريطانيّة العام الماضي.

يجب على الدولة من أجل ممارسة سيادتها أن تسيطر على معدّل الوفيات، وتعرِّف الحياة بأنّها شكل من أشكال السلطة أو ممارستها

أمّا أنماط التحكّم بالمكان، والمراقبة الدائمة للسكّان في غزّة، وممارسة سياسات الموت أو Necropolitics، أي إصدار القرار بمن يموت ومن يبقى حيّاً، باستعمال أحدث أنواع التنصّت، والتجسّس، وتقنيّات الذكاء الاصطناعيّ، فقد تناولتها دراسة أكاديميّة حديثة أخرى، صدرت العام الماضي أيضاً، في مجلّة “Torture” تحت عنوان: The necropolitics of Gaza: Architectures of controlled space, surveillance, and the logic of psychological torture.

مفهوم سياسات الموت

إنّ مفهوم سياسات الموت “Necropolitics” هو من ابتكار أشيل مبيمبي Achille Mbembe، وهو مؤرّخ كاميرونيّ، وأشهر الباحثين المعاصرين في مجال دراسات ما بعد الاستعمار.

يشرّح مبيمبي مفهوم “سياسات الموت” في دراسة له صدرت عام 2003، ليس فقط لجهة علاقتها بسلطة الاحتلال، بل بوصفها أيضاً إحدى خصائص الدولة الحديثة، حيث إنّه يمكن القول إنّ التعبير الأقصى لسيادة الدولة يكمن بدرجة كبيرة في كلٍّ من السلطة والقدرة على تقرير من يجب أن يموت أو من يجب أن يعيش، فأن تقتلَ أحداً أو تدَعَه يعيش هو ما يكوّن حدود السيادة وخصائصها الأساسيّة.

يجب على الدولة من أجل ممارسة سيادتها أن تسيطر على معدّل الوفيات، وتعرِّف الحياة بأنّها شكل من أشكال السلطة أو ممارستها. يرجع مبيمبي إلى ما عناه الفيلسوف الفرنسيّ ميشال فوكو Michel Foucault (توفّي عام 1984) بـ”السلطة البيولوجيّة” “Biopolitics، التي هي ذلك المجال الحيويّ الذي تهيمن عليه سلطة ما.

لكن ما هي الشروط العمليّة التي تجعل المرء يمتلك حقّ القتل أو السماح بالحياة أو التعريض للموت؟ من هو صاحب هذا الحقّ؟ على ماذا يدلّنا تطبيق هذا الحقّ عن الشخص الذي فُرض عليه حدّ الموت؟ وما هي علاقة العداوة التي تنشأ بين هذا الشخص وقاتله أو قاتلته؟ هل مفهوم “السلطة البيولوجيّة” كافٍ لدرس الطرق المعاصرة التي تدفع السياسيّ تحت ذريعة الحرب أو المقاومة أو الحرب ضدّ الإرهاب لجعل قتل العدوّ أولويّة عنده، ولأن يكون هدفه المطلق؟

كان نتنياهو بذلك يخاطب العقل الاستعماريّ الأوروبيّ الجمعيّ اللاواعي، مع تحويله قطاع غزّة المعزول والمحاصَر إلى ساحة قتل يوميّ

إنّ الحرب، على أيّ حال، أداة لتنفيذ السيادة، تماماً كما أنّها أداة لممارسة حقّ القتل. إن كان تصوّر السياسة، على أنّها شكل من أشكال الحرب، فعلينا إذاً أن نسأل ما هو المجال الممنوح للحياة، للموت، وللجسم البشريّ (تحديداً المجروح أو المقتول)؟ كيف تندرج تلك في نظام السلطة؟

العنصريّة في الفكر الغربيّ

هذه العنصريّة وفق مفهوم “السلطة البيولوجيّة” مبرَّرة تماماً. العنصريّة أكثر حضوراً في الفكر السياسيّ الغربيّ وفي الممارسة منها في الفكر الطبقيّ (الأيديولوجية التي تعرّف التاريخ بأنّه صراع اقتصاديّ بين الطبقات)، بخاصّة عند تصوّر عدم إنسانيّة الشعوب الأجنبيّة (ألم يصف وزير الدفاع الإسرائيليّ آنذاك يوآف غالانت أهل غزّة بأنّهم حيوانات بشريّة؟).

بحسب مصطلحات فوكو، فإنّ العنصريّة قبل كلّ شيء تقنيّة تهدف إلى السماح بممارسة السلطة البيولوجيّة “الحقّ السياديّ القديم بالقتل”. يؤكّد فوكو بوضوح أنّ حقّ السيادة بالقتل وآليّات السلطة البيولوجيّة منصوص عليها في كلّ أعمال الدولة الحديثة. يمكن النظر إليها عن حقّ بوصفها عناصر مكوّنة لسلطة الدولة في زمن الحداثة.

وفقاً لفوكو، كانت الدولة النازيّة المثال الأكمل لدولة تمارس حقّ القتل. جعلت هذه الدولة من الإدارة، الحماية وتنمية الحياة تتعايش مع الحقّ السياديّ بالقتل. حقّ القتل هو الذي أوصل إلى طرح ألمانيا “الحلّ النهائيّ” لمسألة اليهود، أي إبادتهم. بتنفيذ هذا الحلّ، أصبحت الدولة النازيّة نموذج التشكيل السلطويّ الذي يدمج بين خصائص الدولة العنصريّة، الدولة القاتلة والدولة الانتحاريّة.

في صياغة فوكو للسلطة البيولوجيّة، تبدو وكأنّها تقسم الناس إلى صنفين: من يجب أن يعيش ومن يجب أن يموت. في هذا السياق ذاته، ينحت فوكو مصطلحاً آخر عن الحضور الشامل للسلطة في حياة الناس (Panopticism)، وكأنّهم في سجن ذي أسوار، والسلطة تُراقب تصرّفاتهم، وأقوالهم، ويتعرّضون للتفتيش المستمرّ.

لم تتوقّف الإبادة في غزّة. إلّا أنّها الآن أخفت صوتاً، وأبطأ إيقاعاً. مع التعثّر في الولوج إلى المرحلة الثانية من خطّة دونالد ترامب

بحسب عالم النفس والفيلسوف السياسيّ فرانز فانون Frantz Fanon (توفّي عام 1961)، وهو الفرنسيّ المنحدر من جزيرة المارتينيك Martinique، إحدى المستعمرات الفرنسيّة في البحر الكاريبيّ، يستلزم الاحتلال الاستعماريّ أوّلاً وغالباً تقسيماً للمكان إلى أجزاء منعزلة. يستتبع ذلك نصب الحدود، ورسم الحدود الداخليّة المختزَلة بحواجز الشرطة، وهي تنظّم الأمور بلغة القوّة المجرّدة.

المستعمِر والأشرار

أمّا البلدة التي يسكنها الخاضعون للاستعمار فهي مكان يقطنه الأشرار بنظر المستعمِر. هم وُلدوا هناك، ولا يهُمّ كثيراً أين وُلدوا وكيف. هم يموتون هناك، ولا يهُمّ أين يموتون وكيف. هي مكان بلا فضاء. يعيش الرجال هناك بعضهم فوق بعض. البلدة المحليّة بلدة جائعة، محرومة من الخبز، من اللحم، من الأحذية، من الفحم، ومن الضوء. إنّ البلدة المحليّة منحنية، بلدة خاضعة. في هذه الحالة، تعني السيادة التي تمارسها سلطة الاحتلال القدرة على تعريف من هم مهمّون، ومن هم ليسوا كذلك، من هو قابل للتخلّص منه، ومن هو ليس كذلك.

بحسب أشيل مبيمبي، يختلف الاحتلال الاستعماريّ الحديث المتأخّر بطرق كثيرة عن الاحتلال الاستعماريّ المبكر، وتحديداً في دمجه بين الانضباط و”السلطة البيولوجيّة” و”سلطة الحياة والموت”. إنّ الشكل الأكثر اكتمالاً لسلطة الحياة والموت هو الاحتلال الاستعماريّ المعاصر في فلسطين.

هنا تشتقّ الدولة المستعمِرة “إسرائيل” ادّعاءها السيادة والشرعيّة من سلطة روايتها الخاصّة للتاريخ وللهويّة. هي الرواية ذاتها المستندة إلى فكرة مفادها أنّ للدولة حقّاً إلهيّاً في الوجود. نتيجة لذلك، العنف والاحتلال محكومان على نحوٍ عميقٍ بالإرهاب المقدّس. وتحت هذا العنوان، توجد العظام المفقودة، وتنتصب الذاكرة الدائمة لأشلاء جسد ممزّق ومبتور في ألف قطعة.

مواضيع ذات صلة

بعيداً عن طاولة مسقط: مفاوضات سرّيّة بين أميركا وإيران؟

بات إنقاذ النظام المعيار الذي يتحكّم بالموقف الإيرانيّ حيال التفاوض. ما دون هذا الهدف “الأسمى” لدى القيادة قابل للبحث والأخذ والردّ بين طهران وواشنطن، حسب…

طهران الحائرة: ترامب يخدعنا والحرب حتمية

حين قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن اتفاق فيينا النووي لعام 2015 الذي دبّره سلفه باراك أوباما هو “أسوء اتفاق في التاريخ”، كانت إيران ملتزمة،…

كسوة الكعبة عند إبستين: تناقض المقدّس مع اقتصاد النفوذ

لم تكن الصورة التي خرجت من وثائق وزارة العدل الأميركية مجرّد تفصيل غريب في أرشيف قضية مالية ـ جنسية معقّدة، بل كانت صدمة رمزية مكثّفة:…

إيران المحشورة بين الدّور والموقع: انكماش أم انكسار؟

تنحشر إيران تاريخيّاً بين الموقع والدور، فالهضبة الإيرانيّة حين تتوحّد تُقيم دولةً كبرى ثمّ إمبراطوريّة. لكن في العصر الحديث انكمشت وقامت فيها دولة وطنيّة. وجاء…