لا يُقرأ عام 2026 اقتصاديًا بمعزل عن تحوّلٍ بنيوي في طريقة إدارة الولايات المتحدة لمنافسة الصين. ما يجري ليس عقوبات ظرفية ولا تصعيدًا عسكريًا مباشرًا، بل إطار تشغيلي مركّب يعيد تسعير عناصر القوة التي يقوم عليها النمو الصناعي الصيني، عبر تفكيك منظومة الخصم الهامشي التي تمنحه -ميزة الكلفة- وفي القلب منها منظومة النفط المُخصوم.
تعتمد الصين في استقرار كلفة طاقتها الصناعية على مسارات نفطية خاضعة لخصومات ناتجة عن العقوبات والمخاطر السياسية، في مقدمتها إيران وفنزويلا. خلال عام 2025، شكّلت الإمدادات القادمة من هذين المسارين نحو 16 / 17% من إجمالي واردات الصين النفطية، وترتفع نسبة الخامات المُعاقَبة إلى أكثر من 22% عند احتساب جزء معتبر من الخام الروسي.
هذه النسبة لا تمثّل رقمًا كميًا فحسب، بل تؤدي وظيفة بنيوية حاسمة بوصفها رافعة لهوامش الربح الصناعي الصيني خصوصًا في قطاعات التصنيع كثيفة الطاقة.
تعتمد الصين في استقرار كلفة طاقتها الصناعية على مسارات نفطية خاضعة لخصومات ناتجة عن العقوبات والمخاطر السياسية، في مقدمتها إيران وفنزويلا
من الأدوات المالية إلى الردع
مطلع 2026، انتقل الضغط الأميركي من مستوى الأدوات المالية واللوجستية إلى طبقة الردع الصلب.
ترافق تشديد العقوبات على شبكات التهريب الإيرانية مع انتشارٍ عسكري أميركي كثيف في محيط إيران وتشكيل ما وصفه دونالد ترامب علنًا بـ”الأرمادا “البحرية الممتدة من الخليج العربي إلى بحر العرب
هذا الانتشار لا يستهدف خوض حرب مع إيران، بل يهدف إلى تعظيم عدم اليقين التشغيلي المرتبط بتهريب النفط، ورفع كلفة كل برميل يُنقل خارج الأطر النظامية.
شهدت الأسواق في مطلع فبراير / شباط 2026 ارتفاعًا مؤقتًا في أسعار برنت إلى نطاق 67–68 دولارًا نتيجة التوترات الجيوسياسية، إلا أن تقديرات السوق المتوسطة الأجل ما زالت تُرجّح متوسطًا أدنى لعام 2026 في حال تقدّمت المسارات التفاوضية، مثل محادثات عُمان.
يعني ذلك أن أثر الضغط الأميركي يبقى (وظيفيًا على مستوى المخاطر والخصومات) أكثر من كونه مدفوعًا بسعر عالمي مرتفع.
العقوبات
منهجيًا، لا يعمل هذا الإطار على مستوى قطع الكميات بل عبر نموذج انتقال كلفة متدرّج عبر ردع بحري وعقوبات، فارتفاع مخاطر التعقّب، ثم زيادة أقساط التأمين وزمن النقل، فارتفاع الكلفة الحدّية للبرميل، يلي ذلك ضغط مباشر على هوامش المصافي، ثم انعكاس تراكمي على كلفة الإنتاج الصناعي، وصولًا إلى تباطؤ تدريجي غير درامي في النمو الصناعي الصيني.
بهذا المعنى، فإن استمرار تدفّق النفط الإيراني أو الفنزويلي شكليًا لا ينفي الأثر الاستراتيجي، لأن جوهر الضغط لا يكمن في الكمية، بل في إعادة تسعير المخاطر.
حين يتحوّل كل برميل منخفض الكلفة إلى برميل مرتفع المخاطرة، يفقد النفط وظيفته بوصفه ركيزة استقرار طويلة الأمد بالنسبة للصين.
أدّت تطوّرات فنزويلا في يناير/كانون الثاني 2026 -وسيادة واشنطن على قنوات التسويق- إلى تقليص فعلي لوصول الصين إلى النفط الخام الفنزويلي منخفض الكلفة، ودفع المصافي الصينية المستقلة إلى تعويضه بخام إيراني مُخصوم ضمن بيئة مخاطر أعلى، ما زاد الضغط على البراميل الهامشية بدل إلغائها.
يتركز هذا الأثر بصورة أوضح على المصافي المستقلة التي تعتمد على الخصومات لتحقيق الربحية، بينما تمتلك الشركات الصينية الحكومية الكبرى قدرة امتصاص أعلى عبر عقود طويلة الأجل ودعم سيادي، ما يمنع تعميم الأثر على كامل الاقتصاد الصيني.
أثر الضغط الأميركي يبقى (وظيفيًا على مستوى المخاطر والخصومات) أكثر من كونه مدفوعًا بسعر عالمي مرتفع
البعد الفكري
في هذا السياق يتجلّى البعد الفكري الأعمق للفرضية. لا تواجه واشنطن الصين بمنطق الحرب المباشرة، بل تستعير منطق الصين البنيوي وتعيد توظيفه ضدها. كما بنت بكين صعودها عبر إدارة الزمن وسلاسل الإمداد وهوامش الكلفة، تعتمد الولايات المتحدة اليوم المنهج ذاته، ولكن بأداة مختلفة:
-تراكم المخاطر على الصين بدل تراكم الإنتاج.
-المنهج واحد، والأدوات مختلفة، والنتيجة ليست حسمًا فوريًا، بل إبطاء تراكم القوة الصيني عبر الزمن.
يرى محللون صينيون أن هذا النوع من الضغط -قابل للإدارة- عبر المخزون وتنويع الموردين، لكنه يرفع كلفة الهامش ويُضعف اليقين التخطيطي طويل الأمد، وهو أثر لا يظهر كصدمة بل كتآكل تدريجي في بيئة الأعمال الصناعية.
لا يعني ذلك أن هذا الإطار بلا كلفة على واشنطن، فتعظيم المخاطر قد يرفع الأسعار عالميًا مؤقتًا، ويخلق احتكاكًا مع الحلفاء المستهلكين، كما يفتح الباب أمام -ردود صينية غير متماثلة- أو انفراجات تفاوضية قد تُخفف الضغط من دون أن تلغيه، هذه المخاطر لا تنقض الفرضية، بل تضع لها سقفًا واقعيًا.
هنا يمكن العودة بالزمن للوراء لطرح سؤال وتفكيك جوابه لفهم السياق بشكل أدق: هل يشبه ما يفعله ترامب الآن، حصار أميركا لليابان قبل الحرب العالمية الثانية؟
إقرأ أيضاً: ترامب وخامنئي: تفاوض على حافة الحرب
لجواب نعم، من حيث المنطق البنيوي لا من حيث الدرجة. كما استخدمت الولايات المتحدة حينها تقييد الطاقة وسلاسل الإمداد للضغط على الاقتصاد الصناعي الياباني، تستخدم اليوم الأداة نفسها لكن بنسخة أقل حدّية، لأن العالم ليس في حالة حرب عالمية ساخنة، بل في حرب باردة تنافسية تُدار بالزمن لا بالرصاص، وتُستحضر هذه المقارنة بوصفها تشابهًا في الأداة لا كنبوءة تصعيد أو حتمية مواجهة عسكرية.
خلاصة الفرضية، هي أن الصين لا تُهزَم بحرمانها من النفط، بل بتآكل منظومة الخصم الهامشية التي كانت تمنحها النفط المُخصوم، بحيث يصبح كل برميل نفط يصل للصين… أغلى، أخطر، وأقل قابلية للتخطيط الصناعي طويل الأمد.
*كاتب وباحث كويتي في الشؤون الدوليّة والجيوسياسيّة
