فضائح إبستين… والعدالة الدّوليّة الغائبة..

مدة القراءة 4 د

في كلّ مرّة يُعاد فيها فتح ملفّ جيفري إبستين، لا يبدو الأمر وكأنّه استدعاء قضائيّ متأخّر لقضيّة أُنجزت، بل أقرب إلى إعادة تشغيل مدروسة لملفّ قابل للاستخدام السياسيّ.

 

تعود هذه الفضائح، بما تحمله من فظاعة أخلاقيّة وإنسانيّة لا جدال فيها، إلى الواجهة دائماً في مواقيت لافتة: قبيل استحقاقات كبرى أو في لحظات تبدّل موازين أو عند اقتراب شخصيّات نافذة من مواقع قرار حسّاسة. هذا سبب كافٍ ليصبح السؤال أقلّ ارتباطاً بمضمون الوثائق، وأكثر التصاقاً بلحظة ظهورها.

لم تعد فضائح إبستين وقائع جنائيّة معزولة وحسب، بل تحوّلت إلى حلقة ضمن مسلسل دوليّ طويل، تُدار مشاهده بعناية. لا تُفتح الملفّات دفعة واحدة، ولا تُغلق نهائيّاً، بل تُجزّأ وتُعاد برمجتها وفق الحاجة، أحياناً كرسالة تحذير وأحياناً أخرى كأداة تعطيل وأحياناً ثالثة كوسيلة ضغط صامتة على طامحين أو متقدّمين في مسارات سياسيّة أو ماليّة حسّاسة.

لا ينفي هذا الاستخدام بشاعة الجرائم، لكنّه يطرح إشكاليّة أخطر: ماذا يحدث للعدالة حين تصبح رهينة التوقيت؟

من الضروريّ هنا الفصل بين مستويَين لا يجوز الخلط بينهما على الإطلاق:

  • وجوب محاسبة أيّ شخص متورّط في الجرائم التي كشفتها هذه التسريبات، من دون أيّ اعتبارات سياسيّة أو نفوذ أو موقع، وهذا مبدأ لا نقاش فيه.
  • قراءة الطريقة التي تُدار بها هذه الوثائق في الفضاء العامّ. حين تُستخرج الحقيقة من درجها لا لتأخذ مسارها القضائيّ الكامل، بل لتؤدّي وظيفة سياسيّة محدّدة، تصبح الحقيقة نفسها جزءاً من لعبة أكبر.

في كلّ مرّة يُعاد فيها فتح ملفّ جيفري إبستين، لا يبدو الأمر وكأنّه استدعاء قضائيّ متأخّر لقضيّة أُنجزت، بل أقرب إلى إعادة تشغيل مدروسة لملفّ قابل للاستخدام السياسيّ

تسريبات ويكيليكس

يعيد هذا المشهد إلى الأذهان تجربة تسريبات ويكيليكس. آنذاك ساد شعور عالميّ بأنّ النظام الدوليّ يقف على أعتاب لحظة محاسبة شاملة، وأنّ الوثائق المسرّبة ستُحدث زلزالاً دائماً في السلوك السياسيّ للدول. لكنّ ما حدث لاحقاً كان مختلفاً. عمّ ضجيج هائل وحصل ارتباك مرحليّ، وفرضت بعض التعديلات الشكليّة نفسها، ثمّ كانت عودة تدريجيّة إلى قواعد اللعبة نفسها.

أحدثت الوثائق عمليّاً صدمة، لكنّها لم تُنتج بالضرورة مساراً مستداماً للمساءلة. يتكرّر الأمر  نفسه اليوم مع تسريبات إبستين!

تُنشر الوثائق، تُتداول الأسماء، تتشكّل الانطباعات، لكنّ الخاتمة تبقى معلّقة. لا مسار قضائيّاً واضح، ولا نتائج نهائيّة، ولا إجابات شافية للرأي العامّ. هكذا تتحوّل التسريبات إلى مادّة استهلاك سريع تُغذّي دورة الأخبار ثمّ تتوارى بانتظار دفعة جديدة من الإثارة.

تلعب وسائل التواصل الاجتماعي هنا دور المسرّع والمُفرغ في آن واحد، فهي تضخّ الوثائق في الفضاء العامّ بسرعة هائلة، لكنّها في الوقت نفسه تُفرغها من قدرتها على إحداث أثر طويل الأمد، وما إن يظهر ملفّ أكثر سخونة حتّى تُطوى الصفحة السابقة من دون محاسبة أو استكمال.

تكشف فضائح إبستين بذلك خللاً أعمق في النظام الدوليّ. تكشف عن نظام يعرف كلّ شيء تقريباً، لكنّه لا يحاسب إلّا بقدر ما تسمح به موازين القوّة، نظام يفتح الملفّات حين يحتاج إليها، ويُجمّدها حين تصبح كلفتها أعلى من فائدتها. ليست الضحيّة الأولى في هذا المسار المتضرّرين، بل فكرة العدالة بحدّ ذاتها.

إقرأ أيضاً: لماذا تتضمّن ملفّات إبستين اسم سعد الحريري؟

ليس الخطر الأكبر في استخدام الوثائق، بل في اعتياد العالم لهذا الاستهلاك المزاجيّ لها وخطر أن تتحوّل الفضائح إلى مواسم، والتسريبات إلى أدوات ضغط، والصدمة إلى بديل عن الحكم القضائيّ. عندها فقط لا يفقد الرأي العامّ ثقته بالمؤسّسات وحدها، بل بمفهوم الحقيقة نفسه.

تكون المقاربة الأجدى عند قراة هذه الفضائح هي إمساك العصا من الوسط: محاسبة صارمة لكلّ من ارتكب الجرائم، وقراءة باردة لتوقيت إعادة ضخّ هذه الملفّات في لحظة سياسيّة محدّدة.

تبقى ناقصةً الحقيقةُ التي لا تُستكمل بمسار واضح من العدالة، مهما كانت صادمة. وفي عالم تحكمه السرعة والضجيج، قد لا تكون المشكلة الحقيقيّة في كثرة التسريبات، بل في غياب الخاتمة.

مواضيع ذات صلة

بعيداً عن طاولة مسقط: مفاوضات سرّيّة بين أميركا وإيران؟

بات إنقاذ النظام المعيار الذي يتحكّم بالموقف الإيرانيّ حيال التفاوض. ما دون هذا الهدف “الأسمى” لدى القيادة قابل للبحث والأخذ والردّ بين طهران وواشنطن، حسب…

طهران الحائرة: ترامب يخدعنا والحرب حتمية

حين قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن اتفاق فيينا النووي لعام 2015 الذي دبّره سلفه باراك أوباما هو “أسوء اتفاق في التاريخ”، كانت إيران ملتزمة،…

كسوة الكعبة عند إبستين: تناقض المقدّس مع اقتصاد النفوذ

لم تكن الصورة التي خرجت من وثائق وزارة العدل الأميركية مجرّد تفصيل غريب في أرشيف قضية مالية ـ جنسية معقّدة، بل كانت صدمة رمزية مكثّفة:…

إيران المحشورة بين الدّور والموقع: انكماش أم انكسار؟

تنحشر إيران تاريخيّاً بين الموقع والدور، فالهضبة الإيرانيّة حين تتوحّد تُقيم دولةً كبرى ثمّ إمبراطوريّة. لكن في العصر الحديث انكمشت وقامت فيها دولة وطنيّة. وجاء…