عالم بلا متحكِّم ولا حكم

مدة القراءة 8 د

بعد الغارة الأميركيّة الأخيرة على فنزويلا، ذكرت بعض المصادر الموثوقة أنّ الحكومة الروسيّة اقترحت منذ سنة 2019 على واشنطن استبدال فنزويلّا بأوكرانيا، ولم يتحمّس الرئيس دونالد ترامب وقتها للمقايضة وإن كان يبدو حاليّاً قابلاً لها.

 

 

اعتبر الصحافيّ البريطانيّ غيدون راشمان الذي ذكّر بهذه الحادثة في مقال أخير في “الفايننشال تايمز” (5 كانون الثاني 2026)، أنّ الحادثة الفنزويلّيّة ستشكّل نموذجاً مستقبليّاً لفكرة توزّع دوائر النفوذ بين القوى العالميّة الكبرى .

هل تسعى الولايات المتّحدة في ضوء الحادثة الفنزويلّيّة إلى توطيد نفوذها في العالم الأميركيّ الذي حدّدته استراتيجية الرئيس ترامب مجالها الحيويّ، وهو ما يظهر من تلميحاتها إلى استهداف كولومبيا والمكسيك وكوبا وغرينلاند؟

تنظر روسيا والصين بعين الاهتمام ذاته لاستراتيجية تقاسم النفوذ التي اعتبر الرئيس ترامب أنّها الطريق إلى تثبيت الاستقرار والسلم في العالم .

يرى بعض الباحثين في الشؤون الدوليّة أنّ العودة إلى هذه الاستراتيجية حالة طبيعيّة تقتضيها توازنات النظام العالميّ الحاليّ، بعد انتهاء الصراع القطبيّ السابق الذي قسّم المعمورة على أساس التصادم الأيديولوجيّ بدلاً من معادلة المصالح الإقليميّة.

بعد الغارة الأميركيّة الأخيرة على فنزويلا، ذكرت بعض المصادر الموثوقة أنّ الحكومة الروسيّة اقترحت منذ سنة 2019 على واشنطن استبدال فنزويلّا بأوكرانيا

الحقوق الرّوسيّة في أوكرانيا

من هؤلاء الباحث الأميركيّ جون مرتشايمر رائد مدرسة الواقعيّة الهجومية الذي دافع في مقالة مهمّة بمجلّة “فورين آفيرز” (آب 2014) عن الحقوق الروسيّة في أوكرانيا من منظور المصالح الحيويّة لموسكو في مجالها الإقليميّ، بما لا يمكن الاعتراض عليه حسب رأيه من منظور القيم الليبراليّة الغربيّة.

اعتبر مرتشايمر في أعماله الأخيرة أنّ حالة التعدّديّة القطبيّة الحاليّة تتطلّب توزيع النفوذ الدوليّ بين القوى الثلاث الكبرى المؤثّرة: الولايات المتّحدة وروسيا والصين. بالنسبة له من الطبيعي أن يتخلّى الرئيس ترامب عن النظام الليبراليّ الكونيّ لتركيز الاستراتيجية الأميركيّة الجديدة على أولويّات القوّة التي تسمح لبلاده بتحقيق عناصر النفوذ والتأثير القادرة على حماية مصالحها في مقابل التهديد الروسيّ الصينيّ.

 

عقيدة بريماكوف

الموقف نفسه نقرؤه على نطاق واسع في الأدبيّات الروسيّة والصينيّة. من المعروف أنّ الفكر الروسيّ بعد العهد الشيوعيّ قد بلور مفهوم الأجنبيّ القريب الذي يعني الحزام الإقليميّ للمصالح الروسيّة في العالم السوفيتيّ المندثر. يرجع هذا المفهوم إلى وزير الخارجيّة ورئيس الحكومة الأسبق يفغيني بريماكوف الذي بلوره في إطار العقيدة التي تحمل اسمه بمكوّناتها الثلاثة: رفض الهويّة الأوروبيّة الحصريّة لروسيا، والقول بالتعدّديّة القطبيّة لعالم ما بعد الحرب الباردة، وتأكيد حقّ روسيا في التحكّم في مجال نفوذها الإقليميّ المباشر.

مع أنّ الأطروحة الليبراليّة الكونيّة سيطرت لعقدين على التوجّهات الاستراتيجيّة الغربيّة وولّدت مفهوم الأسرة الدوليّة الواحدة، عرفت فكرة العودة لنظريّة دوائر النفوذ انتعاشة قويّة في الآونة الأخيرة.

في مقال بعنوان “العودة لدوائر النفوذ” (فورين آفيرز، آذار 2025)، تدعو الباحثة في الشؤون السياسيّة الدوليّة مونيكا دافتي توفت إلى يالطا جديدة تضع قواعد جديدة للسلم العالميّ، من دون أن يعني الأمر تثبيت السيطرة السياديّة بالضرورة على الأرض، وإنّما الاعتراف بالمطالب الاستراتيجيّة المشروعة للأقطاب المتنافسة.

 

حقوق تحكّم وهيمنة

غنيٌّ عن البيان أنّ القوى الإقليميّة المتوسّطة تبنّت المقاربة الجيوسياسية نفسها للبحث عن حقوق تحكّم وهيمنة في مجالاتها الحيويّة، وهو ما نلمسه بوضوح في منطقتنا، حيث كانت إيران تسعى إلى السيطرة على ما سمّاه البعض الهلال الشيعيّ من خلال وكلائها المحليّين في لبنان والعراق واليمن وفي سوريا قبل التغيير الأخير، وتسعى تركيا في توجّهاتها العثمانيّة الجديدة للطموح نفسه في البلقان والشرق الأوسط، وهو الاتّجاه الإسرائيلي نفسه الذي له خلفيّات بعيدة معروفة .

إلّا أنّ فكرة دوائر التوازن تعترضها معوّقات جوهريّة عديدة يتعلّق بعضها بطبيعة التحوّلات، التي طرأت على الجغرافيا السياسيّة للعالم من حيث ثنائيّة السيادة والإقليم، ويتعلّق البعض الآخر بتشابك المصالح والنفوذ في الساحة الدوليّة الحاضرة.

بخصوص الجغرافيا السياسيّة الجديدة، تتعيّن الإشارة هنا إلى ما لاحظه عالم السياسة الفرنسيّ برتراند بادي من كون البشريّة دخلت فعلاً في مرحلة ما بعد “الوستفاليّة” التي كانت قائمة على ثلاثيّة الدولة السياديّة والإقليم المغلق والحدود الثابتة.

فكرة دوائر التوازن تعترضها معوّقات جوهريّة عديدة يتعلّق بعضها بطبيعة التحوّلات، التي طرأت على الجغرافيا السياسيّة للعالم من حيث ثنائيّة السيادة والإقليم

صراعات ضعف وليس قوة..

في الوضع الراهن لم تعد السيادة مطلقة كلّيّةً لا تتجزّأ بل غدت متناثرة متقاسَمة، ولم تعد السلطة تتأسّس على الأرضيّة الإقليميّة، بل تتميّز بالتنقّل بين حقول عديدة كالاقتصاد والشبكات المعلوماتيّة والمعايير القيميّة، علاوة على تشتّتها بين الداخل والخارج. في مثل هذا الأفق، لا معنى لاستراتيجية تقاسم النفوذ لأنّ العوامل الاجتماعيّة والثقافيّة أصبحت أكثر تأثيراً من المفاهيم الجيوسياسيّة التقليديّة التي كانت الخلفيّة السابقة لمعايير النظام الدوليّ.

بدّلت المواجهات والحروب الراهنة نوعيّاً مفهوم القوّة التي أصبحت حسب عبارة بادي عاجزة وضعيفة. الصراعات الحاليّة هي صراعات ضعف وليست صراعات قوّة، والأساس فيها هو الطاقة الاجتماعيّة لا الموازين السياسيّة. يمكن أن نقول في ضوء ملاحظات بادي إنّ القوى الكبرى نجحت في الغالب خلال السنوات الأخيرة في كسب المعارك العسكريّة من دون أن تحقّق أهدافها السياسيّة المعلنة. وذلك ما نلمسه بوضوح في الحروب الأميركيّة في الشرق الأوسط حسب اعتراف الرئيس ترامب نفسه الذي تحدّث عن “الحروب المكلفة العقيمة”.

فشلت فرنسا أيضاً فشلاً ذريعاً في تدخّلاتها العسكريّة في منطقة الساحل الإفريقي التي بدلاً أن تقضي على الخطر الإرهابيّ في الإقليم الذي كانت تعتبره قاعدتها الخاصّة أجّجت هذه الديناميكيّة العنيفة التي قوّضت المجتمعات والدول في غرب القارّة الإفريقيّة.

تشابك المصالح

في مقال منشور بصحيفة لوموند (30 كانون الثاني) يبيّن زكي العايدي أنّه غدا من الصعب بناء دوائر نفوذ في العالم الراهن، نتيجة لتشابك وتبدّل المصالح بين الأطراف الدوليّة لأسباب أربعة أساسيّة:

  • تبدّلت دوائر النفوذ التقليديّة ولم تعد محدّدة بخيوط واضحة وثابتة، كما كان الشأن في عالم ما بعد الحرب العالميّة الثانية. في أميركا اللاتينيّة أصبحت الصين هي الشريك التجاريّ الأوّل للمنطقة وليست الولايات المتّحدة، وفي إفريقيا غدت الصين ذاتها الشريك التجاريّ الأوّل للقارّة حتّى في الفضاء الفرنكفونيّ الذي كانت تسيطر عليه فرنسا.
  • اتّساع البلدان والمناطق المعنيّة بتقاسم النفوذ وتعدّد الخيارات الجيوسياسيّة المتاحة للدول عمليّاً. الهند مثلاً كرّست منذ استقلالها سنة 1947 سياسة الاستقلال الاستراتيجيّ ونوّعت شراكاتها الأمنيّة والاستراتيجيّة، فغدت حليفاً قويّاً لروسيا في الشؤون العسكريّة، وتحاول التغلّب على خلافاتها مع الصين وتكثّف علاقاتها بأطراف أخرى عديدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية. تتبنّى أوروبا الخيار نفسه وتتّجه إلى التنصّل من مقاربة الائتلاف الحصريّ مع الولايات المتّحدة.
  • التناقض بين منطق القوّة العالميّة الأحاديّة وفكرة توازن القوّة التي تقوم على الاعتراف للقوى المنافسة بشرعيّة التحكّم في مجالها الحيويّ. وذلك هو الإشكال الذي تواجهه الولايات المتّحدة راهناً في تعاملها مع التطلّعات الصينيّة في فضائها الآسيويّ.
  • وجود أطراف فاعلة وسطى رافضة لمنطق الاصطفاف الاستراتيجيّ، وباحثة عن الفوائد المترتّبة على الاستقطاب الدوليّ لتوسيع هامش المناورة المتاح لها، كما هو حال دول الخليج وتركيا وإندونيسيا وفيتنام .

هكذا يخلص العايدي إلى أنّ العالم يتّسم اليوم بسيولة قصوى تجعله بلا متحكِّم ولا حكم، وهو ما يفرض عدم الانسياق للتأويلات المتسرّعة السطحيّة.

 

 أكاديميّ وكاتب موريتانيّ له كتب وأعمال منشورة في الفلسفة والفكر السياسيّ، وله أعمال روائيّة منشورة.

 

إقرأ أيضاً: إيران: نصف الصّفقة الفارغ ونصف الضّربة الملآن

مواضيع ذات صلة

روبيو في ميونيخ: الاتّهام المخمليّ لأوروبا

رسم وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، في الخطاب الرئيس الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، قبل أيّام، الخطوط العريضة لرؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب…

إيران وأميركا: طبول الحرب وآفاق التّسوية

تصاعدت وتيرة التحضيرات لعمليّة عسكريّة أميركيّة واسعة النطاق في إيران، ووصلت حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة في مشهد غير مسبوق يختلف نوعيّاً عن أجواء الاحتقان…

معركة وراثة ترامب: فانس ضدّ روبيو

بينما يستقرّ دونالد ترامب في ولايته الثانية، يطفو سؤال واحد فوق المشهد الجمهوريّ: من سيرث حركة “ماغا”؟   حركة “ماغا” التي أعادت تشكيل الحزب الجمهوريّ…

رفيق الحريري… قراءة في المسار لا في الحدث

تمرّ إحدى وعشرون سنة على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولا يزال ذلك اليوم من شباط 2005 يبدو كأنّه اللحظة الفاصلة التي انكسر عندها إيقاع لبنان…