من اتّفاق “قسد” إلى توتّر السّويداء: إعادة تعريف الخرائط السّوريّة

مدة القراءة 5 د

بالتزامن مع دخول قوّات وزارة الداخليّة السوريّة إلى مدينة الحسكة وبدء تطبيق اتّفاق 18 كانون الثاني بين دمشق و”قوّات سوريا الديمقراطيّة”، بدا أنّ البلاد تتّجه إلى مرحلة إعادة تثبيت سلطة الدولة وترتيب خرائط النفوذ التي تشكّلت خلال سنوات الحرب. غير أنّ هذا المسار، الذي يُفترض أن يكرّس الاستقرار، انعكس توتّراً في مناطق أخرى، وفي مقدَّمها السويداء، حيث تتنامى مؤشّرات القطيعة مع المركز.

 

في ساحة الكرامة، المكان الرمزيّ لاحتجاجات السويداء المرتبطة بشعارات الحرّية والكرامة، بدا المشهد هذه المرّة أقرب إلى الصدمة السياسيّة. ارتفعت صورة بنيامين نتنياهو فوق رؤوس المتظاهرين إلى جانب الأعلام الإسرائيليّة، في لحظة لم تختصر تحوّل المزاج المحليّ فحسب، بل عكست أيضاً عمق المسافة التي اتّسعت بين المحافظة ودمشق. لم يكن ذلك تفصيلاً احتجاجيّاً عابراً، بل رسالة ثقيلة سرعان ما التقطها نتنياهو عبر نشر مقطع مصوّر لشابّ يحمل صورته، مؤكّداً باللغة الإنكليزيّة أن ّدولته “تقف إلى جانب المجتمع الدرزيّ وستستمرّ في ذلك”.

لا يمكن فصل هذا المشهد عن المتغيّر الإقليميّ الأبرز: الاتّفاق بين الحكومة السوريّة و”قسد”، الذي وضع نهايةً عمليّةً لنموذج الإدارة شبه المستقلّة في شمال شرقيّ البلاد. بالنسبة إلى شريحة من الفاعلين المحليّين في السويداء، حمل الاتّفاق دلالة واضحة على أنّ الدولة ماضية في استعادة مركزيّتها، وهو ما أعاد إلى الواجهة هواجس تقليص هوامش الاستقلال التي نشأت خلال سنوات النزاع. بهذا المعنى، تبدو بعض التظاهرات أقرب إلى ردّ فعل استباقيّ على مرحلة يُتوقّع أن تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الأطراف المحليّة والسلطة، منها إلى انفجار غضب آنيّ.

لا تعني الأعلام المرفوعة أنّ السويداء غادرت موقعها الوطنيّ بقدر ما تشير إلى حجم القلق الذي يدفع بعض أبنائها إلى حافة الخيارات القصوى

غياب الدّولة والتّهميش

مع ذلك، يفوّت اختزال الحدث في تبدّل الشعارات أو حدّة الاصطفافات جوهر المسألة. السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل كانت هذه التعبيرات تعكس احتجاجاً بلغ أقصى درجاته تحت ضغط العزلة أم هي مؤشّر إلى بحث متزايد عن مظلّات خارجيّة في ظلّ انسداد القنوات الداخليّة؟ شعار “حقّ تقرير المصير” لم يولد فجأة، بل تراكم فوق شعور عميق بالتهميش وغياب الدولة، وتفاقم بعد العمليّة العسكريّة للقوّات الحكوميّة في تمّوز 2025 وما تبعها من انتهاكات وتهجير متبادل بين البدو والدروز، وهو ما غذّى مخاوف الانزلاق نحو مسارات يصعب ضبطها.

السويداء

في هذا التوقيت، كان ترحيب وليد جنبلاط بالاتّفاق بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي إشارة سياسيّة تتجاوز الملفّ الكرديّ. قرأ جنبلاط، الحذِر تقليديّاً في مقاربة مصائر الأقليّات، في الاتّفاق نموذجاً لاحتواء التوتّر عبر دمج القوى المحليّة داخل بنية الدولة لا خارجها. من هذه الزاوية، بدا موقفه أقرب إلى تنبيه مبطّن من كلفة الرهانات الانفصاليّة، وتذكير بأنّ التسويات الوطنيّة، مهما بدت بطيئة أو ناقصة، تظلّ أقلّ خطورة من المغامرات الجيوسياسيّة المفتوحة.

مع ذلك، لا تُختزل السويداء اليوم في ثنائيّة الانفصال أو الاندماج. كشف الهجوم المسلّح على مؤتمر مبادرة “الإرادة الحرّة” في 20 كانون الثاني هشاشة المجال العامّ، وأظهر أنّ الصراع لم يعُد محصوراً بالعلاقة مع السلطة، بل أخذ يتسلّل إلى البنية الداخليّة للمجتمع. لا يشير اقتحام فعّاليّة مدنيّة واعتقال مشاركين فيها إلى اضطراب أمنيّ فقط، بل إلى احتدام التنافس على تمثيل الشارع، حيث يتراجع الفعل السياسيّ لمصلحة منطق القوّة.

في ساحة الكرامة، المكان الرمزيّ لاحتجاجات السويداء المرتبطة بشعارات الحرّية والكرامة، بدا المشهد هذه المرّة أقرب إلى الصدمة السياسيّة

مبادرة التّيّار الثّالث

وسط هذا المشهد المربك، طُرحت مبادرة “التيّار الثالث” قبل أيّام لمحاولة فتح نافذة مختلفة. لا تعتمد المبادرة خطاب القطيعة مع إدارة الرئيس الشرع، ولا تنسجم مع دعوات طلب الحماية الإسرائيليّة أو قيام “دولة الباشان”، بل تطرح معادلة متوازنة تقوم على تحميل الدولة مسؤوليّة حماية المدنيّين ومراجعة أدائها، مع التأكيد في الوقت ذاته أنّ السويداء جزء لا يتجزّأ من سوريا. وهذه مقاربة تسعى إلى الجمع بين الانتماء الوطنيّ والمطالبة بلامركزيّة إداريّة تمنح المجتمع قدرة أكبر على إدارة شؤونه، من دون الانزلاق نحو مشاريع التقسيم.

ما تعكسه هذه المسارات المعقّدة هو أنّ المحافظة تعيش لحظة إعادة تعريف سياسيّ لذاتها. بين احتجاجات ترفع سقف الشعارات، ومبادرات مدنيّة لنشطاء سياسيّين تبحث عن تسوية سوريّة، ورسائل إقليميّة تراقب المشهد بحذر، تتشكّل خريطة جديدة لا تزال ضبابيّة الملامح. لا يكمن الخطر هنا فقط في الشعارات الصادمة، بل في تحوّلها إلى بدائل سياسيّة في ظلّ غياب قنوات تفاوض حقيقيّة وموثوقة.

إقرأ أيضاً: دلالات الانسحاب الرّوسيّ من شرق سوريا

في المحصّلة، لا تعني الأعلام المرفوعة أنّ السويداء غادرت موقعها الوطنيّ بقدر ما تشير إلى حجم القلق الذي يدفع بعض أبنائها إلى حافة الخيارات القصوى. بين دمشق التي لم تنجح بعد في ترميم الثقة، ومجتمع محلّيّ يخشى التهميش، يبقى السؤال مفتوحاً على احتمالين: إمّا إعادة وصل ما انقطع عبر مقاربة سياسيّة أكثر حساسيّة لهواجس الأطراف، أو اتّساع فجوة التباعد. يتوقّف ذلك إلى حدّ بعيد على قدرة الدولة على استعادة دورها بعيداً عن المساومات الخارجيّة وربط السويداء بملفّات أمنيّة إقليميّة، وعلى قدرة النخب المحليّة على إبقاء الاحتجاج ضمن أفق سياسيّ قابل للحياة، وعدم تحويله إلى قدر يصعب التراجع عنه.

 

* كاتب سوريّ

مواضيع ذات صلة

لبنان… والفرصة السورية

يحتاج لبنان من جنوبه إلى شماله، حيث مأساة طرابلس، إلى تذكير نفسه بتحوله إلى بلد إضاعة الفرص. لم يستفد، مثلا، من فرصة تفاديه المشاركة في…

إسرائيل: نصف اتّفاق مع إيران أخطر من القنبلة

أثار قلقاً بالغاً في إسرائيل إعلانُ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ارتياحه لنتائج الجولة الأخيرة من المحادثات في مسقط بين الأميركيّين والإيرانيّين، ووصفه إيّاها بأنّها “جيّدة…

فرنسا في سوريا: هاجس الأمن وحسابات النّفوذ

كثّفت باريس حضورها في الملفّ السوريّ عبر جولة وزير الخارجيّة جان نويل بارو في دمشق وإربيل، مؤكّدةً مواصلة محاربة تنظيم داعش، ومشيدةً بدور المقاتلين الأكراد…

أردوغان في الرّياض والقاهرة: توازن إقليميّ جديد؟

لم تأتِ فكرة التحالف الثلاثيّ التركيّ – السعوديّ – المصريّ صدفة، بل هي نتاج سنوات من التوتّرات والتحدّيات المشتركة والفرص الضائعة في المنطقة. ويبرز التعاون…