أكراد سوريا: من يرفع الرّاية في زمن التّحوّلات؟

مدة القراءة 6 د

يجد أكراد سوريا أنفسهم عند مفترق طرق حاسم، بين عرض إصلاحيّ غير مسبوق قدّمه الرئيس السوريّ أحمد الشرع، يفتح باب المشاركة السياسيّة وحماية الحقوق، وبين تمسّك من بقي من “قوّات سوريا الديمقراطيّة” بخطاب النصر والقدرة على فرض الشروط، على الرغم من التحوّلات السياسيّة والعسكريّة والميدانيّة العميقة في المشهد السوريّ.

 

بين هذين الخيارين لا يتحدّد فقط شكل اندماج المكوّن الكرديّ سياسيّاً وإداريّاً، بل موقعه في معادلات القوّة الداخليّة والإقليميّة المقبلة. هنا يبرز السؤال المركزيّ: من سيرفع الراية الكرديّة في هذا الفصل السوريّ الجديد؟

ليست الراية في هذا السياق رمزاً معنويّاً فحسب، بل تعبير مباشر عن القيادة والشرعيّة والقدرة على تمثيل المصالح. في الحالة الكرديّة السوريّة، باتت هذه الراية موضع تنازع بين “قسد” التي فرضتها ظروف الحرب والدعم الخارجيّ، وبين قوى سياسيّة كرديّة معتدلة اختارت مسار العمل السياسيّ والعلاقات الإقليميّة المستقرّة مع إربيل والسليمانيّة وأنقرة، لكنّها بقيت خارج دائرة القرار التنفيذيّ خلال سنوات الصراع.

أفق واقعيّ أم رهان مفتوح؟

من يرفع الراية اليوم لا يكتفي بإطلاق الشعارات، بل يحدّد اتّجاه التطلّعات السياسيّة والاجتماعيّة للأكراد السوريّين بين أفق واقعيّ داخل الدولة ورهان مفتوح على الخارج، بما يحمله من كلفة سياسيّة ومخاطر استراتيجيّة.

تواجه “قسد” في هذه المرحلة واقعاً مختلفاً جذريّاً عمّا عرفته في ذروة تمدّدها. أدّت التحوّلات الميدانيّة الأخيرة إلى انحسار نفوذها الجغرافيّ والعسكريّ، وحصرت حضورها في نطاق أضيق، أبرزُه محافظة الحسكة. مع ذلك، تتمسّك بما لم تعد تملك، وتسعى إلى فرض نفسها ممثّلاً وحيداً لأكراد سوريا في أيّ مسار تفاوضيّ مع دمشق، وكأنّ موازين القوى لم تتغيّر.

سوريا

غير أنّ هذا الرهان بات يصطدم بوقائع صلبة. ليست القوى الكرديّة التي همّشتها “قسد” خلال سنوات سيطرتها مستعدّة لتجديد التفويض، وتشير التحوّلات الإقليميّة والدوليّة بوضوح إلى تراجع استعداد العواصم المؤثّرة لدعم أيّ صيغة حكم قائمة على الهيمنة العسكريّة خارج إطار الدولة السوريّة.

يجد أكراد سوريا أنفسهم عند مفترق طرق حاسم، بين عرض إصلاحيّ غير مسبوق قدّمه الرئيس السوريّ أحمد الشرع

صيغ دمج تدريجيّ

في هذا السياق، عكست تقلّبات المشهد الميدانيّ وقنوات التواصل السياسيّة غير المعلنة خلال الأشهر الأخيرة وتراجع دعم الزخم الدوليّ لمشروع “الإدارة الذاتيّة” حدود الرهان على احتكار التمثيل العسكريّ. أظهرت أنّ الأطراف الدوليّة باتت أكثر ميلاً إلى صيغ دمج تدريجيّ داخل الدولة، بدل الإبقاء على كيانات موازية لا تمتلك أفقاً سياسيّاً مستداماً.

صحيح أنّ الدعم الأميركيّ أو الإسرائيليّ منح “قسد” قوّة دفع سياسيّة مؤقّتة، لكنّه في المقابل وضع المكوّن الكرديّ بأكمله أمام مأزق معقّد في علاقته مع الداخل السوريّ ودول الجوار، وحوّل قضيّته إلى ملفّ أزمة مفتوح على تفاعلات داخليّة وإقليميّة لا يملك التحكّم بمآلاتها.

استمرار “قسد” في تقديم نفسها بوصفها المرجعيّة الكرديّة الوحيدة، بعيداً عن متطلّبات المراجعة الحقيقيّة لهويّتها السياسيّة وأيديولوجيتها وخطابها، يجعل استمرار هيمنتها الرمزيّة خياراً بالغ الصعوبة. لم يترك المسار الجديد الذي فرضته الوقائع الميدانيّة والسياسيّة هامشاً واسعاً لتحرّك قوى مسلّحة تعمل خارج نطاق الدولة، مهما كانت مبرّراتها السابقة.

فرصة فكّ احتكار التّمثيل

في المقابل، تمنح مرحلة الانتقال الحاليّة، بما تحمله من فراغ سياسيّ وإداريّ، القوى الكرديّة المعتدلة فرصة حقيقيّة لفكّ احتكار التمثيل، وإعادة التموضع داخل المشهد السوريّ الجديد. إذا أحسنت هذه القوى قراءة التحوّلات وتعاملت معها بواقعيّة سياسيّة، فستكون قادرة على لعب دور الجسر بين دمشق وأنقرة وإربيل، مستفيدة من شبكة علاقاتها الإقليميّة ومن قبولها النسبيّ داخليّاً وخارجيّاً.

يشكّل الرهان على الداخل السوريّ والتعاون مع مؤسّسات الدولة الطريق الأقصر لحماية الحقوق السياسيّة والثقافيّة، وضمان الاستقرار على المدى الطويل. لم يعد حصر السلاح بيد الدولة مطلباً سياديّاً فحسب، بل شرط أساسيّ لاستعادة الثقة بين المكوّنات السوريّة، ومنع تحويل أيّ مظلوميّة تاريخيّة إلى ذريعة دائمة لشرعنة السلاح خارج إطار الدولة.

لم يعد الصراع على القيادة الكرديّة في سوريا محصوراً بين “قسد” وبقيّة الأحزاب الكرديّة، بل تحوّل إلى ساحة تنافس إقليميّ ودوليّ

من هنا يبرز إعلان الرئيس أحمد الشرع الإصلاحات الجديدة في ملفّ الأكراد كنافذة تاريخيّة لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمكوّن الكرديّ. من هنا أيضاً تدلّ مواقف المجلس الوطنيّ الكرديّ الأخيرة، ولا سيما ترحيبه باتّفاق دمشق – “قسد” والمرسوم الرئاسيّ رقم 13، على وجود فاعلين أكراد مستعدّين للانتقال من موقع الاعتراض إلى موقع الشراكة، والانخراط في حوار وطنيّ جادّ يهدف إلى تثبيت الحقوق ضمن مؤسّسات الدولة وأطرها الدستوريّة.

قد لا تتكرّر هذه اللحظة، وقد يُخرج التفريط بها القوى الكرديّة المعتدلة من دائرة التأثير والقرار لسنوات.

القدرة على ترجمة التّحوّلات

واضح أنّ “قسد” لن تُجري تحوّلاً جذريّاً في هويّتها الفكريّة وارتباطاتها بسهولة، لكنّ التحوّلات الميدانيّة والسياسيّة تجبرها على التراجع وفتح المجال أمام شركاء مقبولين داخليّاً وخارجيّاً. لم تعد المواجهة على من يمتلك القوّة العسكريّة، بل على من يمتلك القدرة على ترجمة التحوّلات إلى تمثيل سياسيّ شرعيّ ومستدام داخل الدولة.

من يراهن على الخارج وحده فسيخسر الأرض والرمزيّة، ومن يتقن إدارة اللعبة المحليّة والإقليميّة والدوليّة، ويستثمر الدعم الداخليّ، فسيحافظ على موقعه إلى طاولة القرار.

لم يعد الصراع على القيادة الكرديّة في سوريا محصوراً بين “قسد” وبقيّة الأحزاب الكرديّة، بل تحوّل إلى ساحة تنافس إقليميّ ودوليّ، تسعى فيها العواصم ومراكز القرار المختلفة إلى حماية مصالحها. في قلب هذا المشهد، يقف الأكراد السوريّون أمام تحدٍّ مزدوج: صراع داخليّ على القيادة والتمثيل، واختبار تاريخيّ لكيفيّة تحويل هذه اللحظة المفصليّة إلى فرصة سياسيّة تُبقيهم مكوّناً أساسيّاً في الدولة السوريّة الجديدة.

إقرأ أيضاً: سقوط “قسد”: تقاطعات إقليميّة برعاية أميركيّة

تترك تطوّرات المشهد السياسيّ والميدانيّ السوريّ أكرادَ سوريا، بعد عشرات السنين من المعاناة والحرمان والسياسات المتقلّبة، عند مفترق طرق لم يسبق لهم أن شهدوه من قبل.

هذه لحظة كتابة التاريخ، لا إدارته بالوكالة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Profsamirsalha

مواضيع ذات صلة

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

ثمّة أنظمة تُصنّف ساقطة قبل أن تسقط. يمكن رصد السقوط النهائيّ، الذي لا يمكن إلّا أن يأتي يوماً، من خلال إشارات محدّدة من داخل النظام…

ترامب: مدرسة في الواقعيّة غير المنضبطة!

مرّت سنة على تولّي دونالد ترامب قيادة أقوى قوّةٍ عسكريّةٍ واقتصاديّةٍ وتكنولوجيّةٍ في العالم. خلال هذه السنة فرض نفسه شخصيّاً طرفاً مباشراً في كلّ القضايا…

ظاهرة إبستين: كيف تحوّل فرد إلى مؤسسة

في كل مرة تُكشف فيها دفعة جديدة من الوثائق المرتبطة بجيفري إبستين، يتجدّد المشهد ذاته: دهشة عامة، غضب أخلاقي، شعور بالاشمئزاز… ثم فضول لا يخف….

هل “سلّمت” إيران برنامجها النّوويّ؟

تدافعت الأخبار فجأة لتكشف عن “بركة” أفضت إلى توقّف طبول الحرب عن قرع ما صمّ آذان المنطقة. أعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بنفسه أنّ إيران…