إسرائيل تقوّض الأونروا: خنق الشرعية الدولية؟

مدة القراءة 6 د

كانت الجرافات الإسرائيلية تخدش وجه النظام الدولي وتشوِّهه، وهي تلتهم مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس الشرقية المحتلة، في 20 كانون الثاني/يناير، في هجوم يُعدّ الأعنف على المنظومة الدولية التي تعمل إسرائيل على تقويضها.

 

في ذلك اليوم، اقتحمت قوات الاحتلال، بحضور وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، مقر الأونروا في حي الشيخ جراح، وهدمت منشآته، وأضرمت النار في أجزاء منه، ورفع الجنود العلم الإسرائيلي مكان العلم الأممي، كما هدّدت في 23 كانون الثاني/يناير مركز التدريب المهني التابع للأونروا في قلنديا، الذي يخدم مئات الشباب، ما ينذر بوقف التعليم المهني ويؤثر بشكل مباشر في الفرص الاقتصادية للشباب اللاجئ.

هذا الهجوم الفجّ على المنظومة الدولية دفع المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، إلى وصف هدم مقر الأونروا في القدس المحتلة بأنه “هجوم ممنهج على منظومة الأمم المتحدة والشعب الفلسطيني”، مضيفة: “أشعر بالرعب إزاء التدمير المتواصل الذي تمارسه حكومة إسرائيل دون أي رادع، حيث تُفكَّك الأمم المتحدة والقانون الدولي لبنةً لبنة أمام أعين العالم”.

كانت الجرافات الإسرائيلية تخدش وجه النظام الدولي وتشوِّهه، وهي تلتهم مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس الشرقية المحتلة

تجمعات منزوعة الهوية

دخلت إسرائيل مرحلة جديدة من حربها على وكالة الأونروا، تستهدف وجودها الرمزي والخدمي عبر الهجمات المباشرة على مقراتها، وتهديد موظفيها، ووقف خدماتها الأساسية، في محاولة لتفكيك مؤسسة أممية تُشكّل إحدى ركائز الشرعية الدولية المرتبطة بقضية اللاجئين. ويأتي ذلك ضمن مسعى أوسع لإعادة صياغة المشهد الفلسطيني برمّته، وفرض الأمر الواقع، في محاولة لحسم هوية القدس كعاصمة “أبدية” لإسرائيل، ومسح مرجعيتها الدولية باعتبارها مدينة محتلة.

ترافقت عملية هدم مقر الأونروا مع جملة أوامر إسرائيلية بمصادرة أراضٍ وممتلكات تعود للوكالة، ضمن مسار يهدف إلى تجريدها من بنيتها التحتية، وتحويل ممتلكاتها إلى أدوات في المشروع الاستيطاني. كما لجأت إسرائيل إلى وقف تزويد الأونروا بالخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والتصاريح اللوجستية، في محاولة لتعطيل عملها من الداخل، وجعل وجودها على الأرض عبئًا أكثر منه أداة فاعلة.

الهجمة في القدس لم تأتِ معزولة عمّا يجري في الضفة الغربية، التي تشهد بدورها إجراءات إسرائيلية متصاعدة لتحييد الأونروا من المخيمات، لا سيما في شمال الضفة الغربية، وتحديدًا مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، التي مرّ على احتلالها وتهجير أهلها، البالغ عددهم نحو 40 ألف نسمة، عامٌ كامل.

يهدف التدمير الإسرائيلي شبه الكامل لهذه المخيمات إلى تفريغها من معناها السياسي، وهويتها المرتبطة باللاجئين وحق العودة، وتحويلها إلى تجمعات سكنية منزوعة الهوية القانونية. ويتضح ذلك من خلال الشروط التي وضعتها إسرائيل أمام الفلسطينيين للسماح لهم بالعودة إلى ما تبقّى من منازلهم، ومن أبرزها شطب اسم “المخيم” وهويته وصفته القانونية، وتحويله إلى حي سكني تابع للمدينة، وإقصاء الأونروا وإبعادها عن دورها في هذه المخيمات.

يمثل دور الأونروا في المخيمات العمود الفقري للحياة اليومية، إذ تتولى تقديم الخدمات الأساسية في مجالات التعليم والصحة والإغاثة. وتقويض هذا الدور يعني انهيار منظومات حماية اجتماعية كاملة، واتساع رقعة الفقر، وحرمان أجيال كاملة من التعليم والرعاية الصحية، ما يفتح الباب أمام أزمات إنسانية مستدامة قد تُستخدم لاحقًا كذرائع أمنية لمزيد من السيطرة الإسرائيلية.

لم يكن الهجوم الإسرائيلي على الأونروا وليد الصدفة، بل يستند إلى منظومة من التشريعات والقرارات العسكرية التي ازدادت شراسة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر. فقد أقرّ الكنيست الإسرائيلي، في تشرين الأول/أكتوبر 2024، قانونًا يحظر عمل الأونروا في المناطق التي تعتبرها إسرائيل “سيادتها”، ولا سيما القدس الشرقية، تمهيدًا لتفكيك وجود الوكالة. ومع دخول القانون حيّز التنفيذ في كانون الثاني/يناير 2025، بدأت سلسلة إجراءات لتقييد عمل الوكالة، وحرمانها من مقراتها، ووقف الخدمات الأساسية والمرافق التي تخدم اللاجئين.

دخلت إسرائيل مرحلة جديدة من حربها على وكالة الأونروا، تستهدف وجودها الرمزي والخدمي عبر الهجمات المباشرة على مقراتها، وتهديد موظفيها، ووقف خدماتها الأساسية

يتضح يومًا بعد آخر أن الهجوم الإسرائيلي على الأونروا في القدس والضفة الغربية يُعدّ استكمالًا لتقويض دورها في قطاع غزة، حيث استهدفت إسرائيل مرافق ومؤسسات ومنشآت تابعة للأونروا، وقيّدت وصول المساعدات إليها، وفرضت قواعد صارمة على عمل المنظمات الإنسانية، بما شمل حظر بعض المنظمات، في إطار سياسة شاملة لإقصاء الوكالات الدولية عن أداء دورها الطبيعي في إدارة الأزمة الإنسانية.

تقشف إضافي؟

تستند إسرائيل في استهدافها للأونروا إلى ضوء أخضر أمريكي واضح؛ إذ سبق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ولايته الأولى، أن جمّد مساهمة الولايات المتحدة في موازنة الأونروا، بينما يسعى اليوم إلى تفكيك دور الأمم المتحدة التقليدي في إدارة الصراعات، عبر أدوات ومبادرات تقدم نفسها كبدائل لتحقيق “السلام” دون الالتزام بالآليات القانونية الدولية، وهو ما يُشكّل هجومًا غير مباشر على الأونروا ومؤسسات الأمم المتحدة، ويهدف إلى إلغاء أي نفوذ أممي مستقل في مناطق النزاع.

تُعدّ الأونروا جزءًا محوريًا من معركة الوعي والتاريخ والرواية والشرعية والذاكرة الفلسطينية، بوصفها شاهدًا أمميًا على النكبة والتهجير وقضية اللاجئين، وما يرتبط بها من قرارات صادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ولعل ما قصدته ألبانيز أن خنق الأونروا ليس إلا مقدمة لخنق ما تبقّى من النظام الدولي نفسه، وتحديًا صارخًا للشرعية الدولية في حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين.

تتضح آثار الاستهداف والحرب على الأونروا يومًا بعد آخر، مع تزايد ضعفها واقترابها من فقدان دورها الخدمي، على الأقل. وقد كشف ذلك المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، في رسالة وجّهها إلى موظفي الوكالة في 14 كانون الثاني/يناير، حذّر فيها من تدهور غير مسبوق في الوضع المالي، مؤكدًا أن الأزمة الحالية تختلف جذريًا عن الأزمات السابقة، وقد تهدد استمرارية عمل الوكالة وخدماتها الأساسية المقدّمة للاجئي فلسطين، في ظل عجز متوقع يبلغ 220 مليون دولار في ميزانية البرامج لعام 2026.

إقرأ أيضاً: إعادة توحّد الأحزاب العربيّة لدخول الكنيست

أعلن لازاريني اضطراره إلى الموافقة على تنفيذ إجراء تقشفي إضافي على مستوى الأونروا بأكملها، يتمثل في تقليص ساعات العمل الأسبوعية وتقديم الخدمات في جميع أقاليم العمليات، اعتبارًا من الأول من شباط/فبراير 2026 وحتى إشعار آخر، في خطوة وصفها بأنها “الملاذ الأخير” للحفاظ على الوكالة ومنع انهيارها، كاشفًا عن تقليص ساعات العمل الأسبوعية لجميع الموظفين المحليين بنسبة 20%، مع تعديل الرواتب تبعًا لذلك وخفضها.

مواضيع ذات صلة

إسرائيل تحرِّض واشنطن: أوقفوا “الحملة السّعوديّة”

فقدت إسرائيل الأمل في الحصول على تطبيع لعلاقاتها الدبلوماسيّة مع السعوديّة. وصل اليأس إلى درجة سقوط الرماديّة في لهجة ساسة إسرائيل وإعلامها، والتحوّل من الغمز…

حروب الادامةالاستراتيجية:كيف تدار الصراعات حين لايكون الحسم هدفاً؟

من سؤال: من يُضرَب؟ إلى سؤال: من يتحمّل كلفة الزمن… ولماذا؟ حين لا تعود الحرب حدثاً بل نظام تشغيل: تُخطئ التحليلات التقليديّة حين تُقارب الصراعات…

يا حامل المطرقة: لا تسمح للشيعة بالانتحار

العقل هو الفيصل يا دولة الرئيس. لا العواطف ولا العصبيات ولا الردح فوق المنابر وفوق الشرفات. العقل هو الميزان يا دولة الرئيس. لا الصراخ ولا…

من باب المندب إلى دارفور: السّعوديّة ومصر تكسران الأطواق

لم تُعلن مصر رسميّاً مشاركتها في الاتّفاقيّة الأمنيّة السعوديّة–الباكستانيّة التي أُبرمت العام الماضي، غير أنّها باتت في الواقع شريكاً أساسيّاً في هذا التحالف، الذي يضمّ…