لم تُعلن مصر رسميّاً مشاركتها في الاتّفاقيّة الأمنيّة السعوديّة–الباكستانيّة التي أُبرمت العام الماضي، غير أنّها باتت في الواقع شريكاً أساسيّاً في هذا التحالف، الذي يضمّ ضمنيّاً تركيا أيضاً. لا يقوم هذا الترتيب الإقليميّ على تحالف رسميّ معلن، بل على شبكة تنسيق مرنة تتبدّل ساحاتها وتتكامل أدوارها حيناً وتتباعد أحياناً. ويتجلّى التعاون بين الأطراف الأربعة في مسارح عدّة، من السودان والصومال، مروراً بالقرن الإفريقيّ، وصولاً إلى الملفّ الليبيّ وشرق البحر المتوسّط، في سياق مواجهة مفتوحة مع المحور الإثيوبيّ–الإسرائيليّ، الذي توسّع فضاؤه ليشمل اليونان وقبرص والإمارات العربيّة المتّحدة.
دفع تصاعد التهديدات الأمنيّة في البحر الأحمر والقرن الإفريقيّ والبحر المتوسّط بالقاهرة إلى إعادة النظر في سياساتها السابقة، والتخلّي عن الحذر الزائد، والانتقال إلى مقاربة أكثر حزماً وندّيّة، دفاعاً عن مصالحها الوطنيّة والقوميّة في مواجهة التحدّيات الإقليميّة الكبرى، ولا سيما بعدما ذهبت تل أبيب وأديس أبابا بعيداً في تعزيز نفوذهما العسكريّ والاستخباريّ، وبلغت محاولات تطويق الأمن القوميّ المصريّ ذروتها في “أرض الصومال” والسودان، بالتوازي مع العبث بالأمن القوميّ لحليفتها الأبرز المملكة العربيّة السعوديّة في اليمن والبحر الأحمر وبحر العرب.
لم تُعلن مصر رسميّاً مشاركتها في الاتّفاقيّة الأمنيّة السعوديّة–الباكستانيّة التي أُبرمت العام الماضي، غير أنّها باتت في الواقع شريكاً أساسيّاً في هذا التحالف، الذي يضمّ ضمنيّاً تركيا أيضاً
فكّ الأطواق من المتوسّط إلى البحر الأحمر
في شرق المتوسّط، اتّخذ التحالف الثلاثيّ بين إسرائيل وقبرص واليونان منحىً عسكريّاً واضحاً مع مطلع عام 2026، عقب توقيع خطّة عمل ثلاثيّة لتعزيز التعاون العسكريّ، شملت “تدريبات ومناورات مشتركة، وتشكيل فرق عمل في مجالات متعدّدة، وإطلاق حوار عسكريّ استراتيجيّ حول القضايا ذات الاهتمام المشترك”، فضلاً عن توقيع خطّتَي تعاون منفصلتَين بين الجيش الإسرائيليّ وكلٍّ من الجيش اليونانيّ والحرس الوطنيّ القبرصيّ.
أثار هذا الإعلان غضب تركيا، ودفعها إلى إعلان سعيها للانضمام إلى التحالف الدفاعيّ السعوديّ–الباكستانيّ. وعلى الرغم من انخراط القاهرة في آليّة التعاون الرباعيّ التي تضمّ مصر وقبرص واليونان وفرنسا، والمكلّفة بحث ملفَّي الطاقة والأزمة الليبيّة، فإنّ عضويّتها في هذه الآليّة لم تمنعها من التقارب مع أنقرة وفتح قنوات حوار مباشرة، تُوّجت بإجراء مناورات عسكريّة مشتركة في أيلول 2025 تحت اسم “بحر الصداقة”، وهي الأولى من نوعها منذ 13 عاماً.
ذهب الطرفان إلى أبعد من ذلك عبر تنسيق مباشر في الصومال، انطلاقاً من قاعدة “معسكر تركسوم” في مقديشو، وهي أكبر قاعدة عسكريّة تركيّة خارج الأراضي التركيّة، حيث تولّت أنقرة تدريب أكثر من 10 آلاف جنديّ صوماليّ، إضافة إلى نشر طائرات “بيرقدار تي بي 2” المسيّرة.
تدرك القاهرة والرياض أنّ الصمت حيال التحوّلات الجيوسياسيّة في البحر الأحمر يعني خسارة نفوذهما التاريخيّ لمصلحة إسرائيل وحلفائها
تحالف مصريّ – سعوديّ مع الصّومال
شهد الصومال، عقب إعلان إسرائيل الاعتراف بـ”استقلال” إقليم “أرض الصومال” المعلن من جانب واحد، والمساعي الإثيوبيّة لإقامة قاعدة عسكريّة في ميناء بربرة المطلّ على باب المندب، تحوّلاً سياسيّاً وأمنيّاً لافتاً تُرجم بإعلان تعاون عسكريّ ثلاثيّ يضمّ السعوديّة ومصر والصومال، من دون أن تكون تركيا بعيدة عنه.
تحمل هذه الخطوة أبعاداً تتجاوز الإطار الصوماليّ الداخليّ، لتلامس صراع النفوذ الإقليميّ على البحر الأحمر وممرّاته الاستراتيجيّة. وجاء هذا التحالف في سياق مواجهة المخطّط الإسرائيليّ الرامي إلى إعادة رسم الخرائط الجغرافيّة للمنطقة والعبث بأمن البحر الأحمر ذي الأهميّة الحيويّة لمصر والسعوديّة، فضلاً عن التصدّي للمشاريع الإثيوبيّة التي تمسّ بالأمنين المائيّ والبحريّ المصريَّين، ومواجهة الدور الإماراتيّ السلبيّ في المنطقة.
يمثّل هذا الاتّفاق أوّل انخراط سعوديّ مباشر في دعم الأمن الصوماليّ، عبر تعزيز أمن البحر الأحمر، تطوير التعاون العسكريّ، وبناء قدرات الجيش الصوماليّ، بعد سنوات من المواقف السياسيّة الداعمة لوحدة الأراضي الصوماليّة، ومواجهة “حركة الشباب” الإسلاميّة المتطرّفة.
تزامن هذا المسار مع قرار صوماليّ حاسم بإلغاء جميع الاتّفاقيّات الأمنيّة والعسكريّة والاقتصاديّة مع الإمارات، بما في ذلك عقود الموانئ في بربرة وبوصاصو وكسمايو.
في هذا السياق، يبدو التعاون السعوديّ–المصريّ مع الصومال، وخلفه التنسيق مع تركيا، أشبه بجبهة إقليميّة جديدة مضادّة لسياسات التوتير والتخريب والتفتيت التي دفعت بها إسرائيل وإثيوبيا، في محاولة لمنع تحويل القرن الإفريقيّ إلى ساحة جديدة لصراعات بالوكالة.
مارست القاهرة والرياض ضغوطاً قويّة على قائد شرق ليبيا خليفة حفتر لوقف تسهيل مرور شحنات السلاح الإماراتيّة إلى “الدعم السريع”
قلب ميزان القوى في السّودان بصفقة باكستانيّة
في السودان، الذي يشهد أخطر حروبه بين الجيش السودانيّ وميليشيا “قوات الدعم السريع” المدعومة من الإمارات وإثيوبيا وتشاد، وجدت مصر أنّ أمنها القوميّ بات في خطر مباشر، وأنّ السودان يقف على عتبة تقسيم جديد، ولا سيما بعد اقتحام “الدعم السريع” مدينة الفاشر وارتكاب مجازر فيها، والسيطرة على كامل إقليم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان.
سارعت القاهرة إلى رسم خطوط حمر لا يمكن تجاوزها، في مقدَّمها وحدة الأراضي السودانيّة ومؤسّساتها الشرعيّة، وأعلنت تفعيل اتّفاقيّة الدفاع المشترك الموقّعة مع السودان عام 1976، لتعزيز قدرات الجيش السودانيّ في مواجهة ميليشيا “الدعم السريع”، وضرب مصادر إمدادها بالسلاح والمرتزقة والوقود.
لم تكن الرياض بعيدة عن هذا التوجّه، إذ وضعت وحدة الأراضي السودانيّة في صدارة أولويّاتها الدبلوماسيّة. وحظي الملفّ السودانيّ بحيّز خاصّ في المحادثات الأخيرة بين وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان والرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في واشنطن، وأسفرت هذه المحادثات عن تغيير في لهجة التعاطي الأميركيّ مع الأزمة السودانيّة لمصلحة الحكومة الشرعيّة ووحدة الدولة.
تُوّج هذا المسار بإبرام المملكة صفقة عسكريّة مع باكستان تجاوزت قيمتها ملياراً ونصف مليار دولار لمصلحة السودان، تُزوَّد بموجبها القوّات المسلّحة السودانيّة بترسانة عسكريّة متطوّرة لمواجهة التفوّق الميدانيّ الذي حقّقته قوّات “الدعم السريع” باستخدام الطائرات المسيّرة.
لقد عانى الجيش السوداني مأزقاً عمليّاتيّاً غير مسبوق نتيجة فقدان التفوّق الجوّيّ، وهو ما أعاق قدرته على فكّ الحصار عن مراكزه الاستراتيجيّة، وعلى رأسها مدينة الأبيض. وجاءت الصفقة الباكستانيّة المدعومة سعوديّاً بمنزلة طوق نجاة تقنيّ لاستعادة “السيادة الجوّيّة” المفقودة، عبر إدخال أكثر من 200 طائرة مسيّرة متطوّرة، مع احتمالات ضمّ مقاتلات “JF17” (الرعد) وأنظمة دفاع جوّيّ حديثة.
كما من شأن هذا التوجّه المصريّ–السعوديّ–الباكستانيّ أن يجهض الطموحات الروسيّة لوضع موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر، بعدما قرّر رئيس مجلس السيادة عبدالفتّاح البرهان تجميد مسار القاعدة البحريّة الروسيّة، مفضّلاً خياراً أكثر موثوقيّة وسرعة في التنفيذ.
بالفعل، ظهر الدعم العسكريّ والاستخباريّ المصريّ–السعوديّ في تحقيق الجيش السودانيّ سلسلة انتصارات على تخوم دارفور وكردفان، وقدرته على استهداف قوافل إمداد “الدعم السريع” الآتية من ليبيا وتشاد.
إقرأ أيضاً: العراق أمام تقاطع طرق.. “ملفّ تنظيم الدولة”
الضّغط على حفتر
إلى ذلك، مارست القاهرة والرياض ضغوطاً قويّة على قائد شرق ليبيا خليفة حفتر لوقف تسهيل مرور شحنات السلاح الإماراتيّة إلى “الدعم السريع”، محذّرتين من أنّ استمرار هذا الدور سيؤدّي إلى تحوّل خطِر في علاقته بالقاهرة.
استدعت مصر صدّام حفتر، نجل خليفة ونائبه، وأبلغته تحذيراً شديد اللهجة بضرورة وقف هذا الدعم فوراً، ضمن جهد مصريّ–سعوديّ أوسع لمنع نقل السلاح والمرتزقة والوقود إلى الميليشيا.
في المحصّلة، تدرك القاهرة والرياض أنّ الصمت حيال التحوّلات الجيوسياسيّة في البحر الأحمر يعني خسارة نفوذهما التاريخيّ لمصلحة إسرائيل وحلفائها. وتنظران إلى الساحات السالفة الذكر باعتبارها مسرحاً استراتيجيّاً واحداً، تتحرّك فيه التهديدات أفقيّاً، لا كأزمات منفصلة، بل كسلسلة مترابطة تستهدف تطويق الأمن القوميّ العربيّ من خاصرته البحريّة والبرّيّة. من هنا، بات بناء “جدار الصدّ” الدبلوماسيّ والعسكريّ المشترك ضرورة استراتيجيّة تعكس إصرارهما على الحفاظ على هويّة البحر الأحمر كـ”بحيرة عربيّة”، ومنع تدويله أو “أسرلته”.
ما يجري ليس إعادة تموضع، بل إعلان غير مباشر لنهاية مرحلة إدارة الأزمات، وبداية مرحلة كسر الأطواق.
