خطاب الأمين العام للـ “الحزب” الشيخ نعيم قاسم، الذي ألقاه خلال “اللقاء التضامني مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقيادتها”، لم يكن حدثاً سياسياً عابراً، ولا مجرّد موقف تضامني في لحظة إقليمية مشتعلة. بل بدا، في بنيته العميقة، خطاباً تأسيسياً، يعيد تعريف موقع لبنان، وحدود قراره، وطبيعة اندماجه في صراعات المنطقة، ويطرح تصوراً شاملاً للعلاقة بين العقيدة والسياسة، وبين الدولة والمرجعية، وبين المجتمع والقيادة.
تكمن خطورة هذا الخطاب لا في حدّته وحسب، بل في وضوحه. فهو لا يراوغ، ولا يترك مساحات رمادية، بل يقدّم تصوراً متماسكاً يرى لبنان جزءاً لا يتجزأ من مشروع إيراني واحد، وساحة من ساحاته، وامتداداً طبيعياً لقيادة دينية ـ سياسية خارج حدوده. وقرار الذهاب إلى التهديد بالإنخراط في “الحرب” التي قد تشنها الولايات المتحدة الأميركية و/ أو إسرائيل على إيران يقع خارج التوازن العقلي والسياسي وقدرات لبنان على الإحتمال. وطالما أن “سلامة المُرشد” تعني الشيخ نعيم كثيراً، فالسؤال: لماذا لم يحرك المرشد ساكناً في الجنوب الذي ما برح تحت الضربات الإسرائيلية التي حصدت حتى الآن خمسمائة ضحية منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024.
ليس سهلاً تفكيك هذا الخطاب، من دون الوقوع في أحد فخّين: فخ الشيطنة المطلقة، أو فخ التبرير العقائدي. غير أنّ خطورة الخطاب تفرض مقاربة ثالثة: مقاربة نقدية، سجالية، تنطلق من سؤال لبناني بحت، لا من موقع الخصومة ولا من موقع الولاء. والسؤال بسيط في صيغته، عميق في نتائجه: هل يملك أي طرف، مهما كانت مكانته أو تضحياته أو سرديته، حق ربط مصير لبنان، بكل طوائفه وتناقضاته، بمرجعية دينية ـ سياسية واحدة خارج حدوده؟
من التحالف إلى الاندماج … يقين بلا مساءلة
في خطابه، تجاوز الشيخ قاسم منطق التحالف السياسي إلى منطق الذوبان والاندماج الوجودي. فلبنان، وفق هذا التصور، لا يُفهم بوصفه كياناً مستقلاً له خصوصياته وتناقضاته، بل بوصفه حلقة ضمن “مشروع واحد” يستهدفه “العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي” في آنٍ معاً، من غزة إلى سوريا إلى إيران.
هذا التحوّل بالغ الدلالة. فالتحالف يفترض التمايز، أما الاندماج فيلغي الحدود. وحين يُعلن بوضوح أن الحزب “يؤمن بقيادة الولي الفقيه إيماناً ومنهجاً”، وأن أي تهديد باغتيال المرشد الإيراني هو تهديد “لعشرات الملايين”، فإن مركز الثقل في القرار والشرعية ينتقل من المجال الوطني إلى المجال العقائدي، ومن السياسة القابلة للنقاش إلى الإيمان غير القابل للمساءلة. هنا لا يعود النقاش محصوراً في جدوى “المقاومة” أو مشروعيتها، بل في إعادة تعريف السيادة نفسها.
في خطابه، تجاوز الشيخ قاسم منطق التحالف السياسي إلى منطق الذوبان والاندماج الوجودي. فلبنان، وفق هذا التصور، لا يُفهم بوصفه كياناً مستقلاً له خصوصياته وتناقضاته
يتسم خطاب الشيخ قاسم بتفرد واضح، أساسه اليقين الكامل. يقين لا يعترف بشرعية السؤال، ولا يقرّ بإمكان الاختلاف داخل المجال اللبناني، بل يُعيد تصنيف الاعتراض بوصفه خضوعاً للوصاية الأميركية أو تنفيذاً لمشروع معادٍ.
وحين يُعلن أن حزبه “ليس حيادياً”، وأن قرار التدخل أو عدمه “يُحدَّد في وقتها” وفق المعركة والمصلحة، فإن ذلك يعني عملياً تعليق مصير بلد كامل على تقدير تنظيمي ـ عسكري، لا على قرار مؤسسات دولة، ولا على توافق داخلي كحدٍ أدنى. وهذا التفرد لا يُعبّر فقط عن قوة تنظيمية، بل عن غياب أي تصور تشاركي للقرار الوطني اللبناني.
كيان التعدد لا يحتمل اليقين الواحد
لبنان، في تكوينه السياسي والسوسيولوجي، هو نقيض الدولة العقائدية. هو كيان نشأ من استحالة الغلبة، ومن توازنات دقيقة بين طوائف وجماعات وهويات متناقضة، ومن تسويات تاريخية هشّة حالت دون تفككه الكامل. وهو بلد التوازنات الهشة، والتسويات المؤلمة، والعيش على حافة الانقسام الدائم. قيامه نفسه كان نتيجة استحالة الإلغاء، واستحالة توحيد المجتمع تحت عقيدة واحدة أو سردية واحدة.
أي محاولة لإخضاع هذا الكيان لمنطق عقائدي واحد، أو لإدخاله في مشروع فوق ـ وطني ذي مرجعية دينية محددة وهي بالتعريف “الولي الفقيه”، تصطدم مباشرة بتركيبة المجتمع اللبناني نفسه. فالمسيحي، والسني، والدرزي، والشيعي في حركة أمل غير الملتزم بخيار ولاية الفقيه، والعلماني، واليساري، واليميني جميعهم يجدون أنفسهم خارج تعريف “الانتماء الصحيح”، أو في موقع التابع لمشروع لا يمثلهم.
هنا لا يعود السؤال: هل “المشروع مقاوم” أم لا؟ بل: هل لبنان، بتركيبته هذه، قابل أصلًا لأن يكون جزءاً من مشروع كهذا؟ هنا لا يعود السؤال: هل هذا المشروع مقاوم أم لا؟ وهل هذا المشروع قابل للحياة داخل تركيبة لبنان أصلاً؟
يقدّم الخطاب خيارين لا ثالث لهما: الاستسلام أو الدفاع. غير أن هذه المعادلة تعبويّة أكثر مما هي سياسية
الطائفة الشيعية: من المطالبة بـ “حقوق” إلى فائض المخاطرة
يعتمد الشيخ قاسم خطاب على ثنائية حادة: استكبار مقابل مقاومة، طغيان مقابل أحرار. هذه الثنائية تمنح وضوحاً تعبوياً، لكنها تُبسّط العالم إلى حدٍ خطير. فهي تُقصي التعقيدات الداخلية، وتُسقط من الحساب الانهيار البنيوي، والفساد، وتعطيل مؤسسات الدولة، وتُعيد تفسير كل أزمة داخلية بوصفها نتيجة عدوان خارجي.
غير أن التجربة اللبنانية تُظهر أن الانهيار لم يكن فقط نتيجة الضغوط الأميركية أو الإسرائيلية، بل نتيجة تضافر عوامل داخلية عميقة، من نظام سياسي مأزوم، إلى تحالفات سلطوية، إلى شلل قضائي، شاركت فيها قوى متعددة ومنها “الحزب”، بصورة مباشرة أو عبر الحماية السياسية. وتحويل كل ذلك إلى مجرد تفاصيل ثانوية في “معركة كبرى” هو إلغاء للسياسة، لا تعبير عن قوتها.
لا يمكن فهم خطاب الشيخ قاسم من دون التوقف عند موقع الطائفة الشيعية في لبنان. تاريخياً، شكّلت هذه الطائفة، شأنها شأن طوائف غيرها، إحدى الجماعات الأهلية التي عانت اختلالات بنيوية في التمثيل والإنماء داخل الدولة اللبنانية، ما أسهم في نشوء حركات احتجاجية وسياسية حملت مطالب اجتماعية وسيادية خصوصاً على الحدود مع فلسطين المُحتلة. لكن الخطاب ذاته يجعل من الجماعة الشيعية مِن مُطالبة بـ “حقوق” إلى جماعة أهلية تنحو نحو فائض المغامرة بلبنان واجتماعه الأهلي السياسي.
لبنان لا يُدار بالعقائد المطلقة، بل بتوازنات دقيقة، وبإدارة الخلاف، وبالاعتراف بأن لا أحد يملك الحقيقة كاملة، ولا يملك حق تقرير مصير الجميع
فائض اليقين كخطر سياسي
يقدّم الخطاب خيارين لا ثالث لهما: الاستسلام أو الدفاع. غير أن هذه المعادلة تعبويّة أكثر مما هي سياسية. فبين الاستسلام والحرب المفتوحة، هناك طيف واسع من الخيارات: بناء الدولة، تحصين الداخل، إدارة الصراع بأدوات متعددة، وتقليل كلفة المواجهة على مجتمع منهك.
ثم إن الحديث عن “استعادة لبنان كرامته ومكانته” يصطدم بواقع اقتصادي واجتماعي لا يمكن تجاهله: دولة مفلسة، خدمات منهارة، هجرة واسعة، ومجتمع يعيش على حافة الانهيار. الكرامة الوطنية لا تُقاس فقط بقدرة الردع، بل بقدرة الدولة على تأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة لمواطنيها.
التحذير من حرب على إيران واقعي، لكن تحويل لبنان تلقائياً إلى جزء من هذه الحرب ليس قدراً محتوماً. لبنان لا يملك ترف الانخراط الدائم في حروب وجودية. كل حرب إضافية تُراكم هشاشته، وتُعمّق انقساماته، وتدفعه خطوة إضافية نحو التفكك. وربط مصيره بصراع أكبر منه، وبقرار لا يشارك في صنعه، هو تثبيت لوضعه كبلد مُعلّق، مؤجل، بلا أفق سيادي واضح.
إقرأ أيضاً: جوزف عون يستعيد خطاب القسم من خاطفيه
خطاب الشيخ نعيم قاسم ضمن منطقه الداخلي، واضح في خياراته، وصريح في مرجعياته. لكن هذا الوضوح نفسه هو مكمن خطورته. فهو لا يترك للبنان مساحة ليكون كياناً تعددياً، ولا يسمح بإدارة الاختلاف بوصفه عنصر قوة، بل يُخضع السياسة لمنطق العقيدة، والدولة لمنطق الالتزام. وهو خطاب لا يترك للبنان هامشاً ليكون بلداً مُستقلاً، ولا للطائفة الشيعية هامشاً لتكون جزءاً طبيعياً من وطن متعدد.
لبنان لا يُدار بالعقائد المطلقة، بل بتوازنات دقيقة، وبإدارة الخلاف، وبالاعتراف بأن لا أحد يملك الحقيقة كاملة، ولا يملك حق تقرير مصير الجميع. وفي بلد كلبنان، فائض اليقين ليس عنصر استقرار، بل عامل تفكيك. وحين يتحول “الإيمان” إلى سياسة قسرية، يصبح لبنان أول الضحايا.
لمتابعة الكاتب على X:
