دلالات الانسحاب الرّوسيّ من شرق سوريا

مدة القراءة 5 د

في الوقت الذي كان الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في العاصمة الروسية موسكو في زيارة هي الثانية له خلال عام واحد، كان الجيش الروسي يستكمل انسحابه من مطار القامشلي. هل يشكّل هذا الانسحاب خطوة تقنيّة أم تحوّلاً سياسيّاً عميقاً في مقاربة موسكو للملفّ السوريّ؟ وماذا يعني تزامنه مع التوجّه الأميركيّ إلى الانسحاب من شرق الفرات؟ هل نحن أمام فراغ قوى كبرى أم إعادة توزيع للنفوذ؟

 

 

استجابةً لطلب الرئيس السوريّ أحمد الشرع، وافق الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين على سحب القوّات الروسيّة من مطار القامشلي المدنيّ، حيث باشرت الوحدات الروسيّة تفكيك الثكنات والتحصينات المحيطة بالمطار في الجهة الجنوبيّة من المدينة، بالتوازي مع تقليص انتشارها الميدانيّ، ليقتصر الوجود الروسيّ في هذه المرحلة على مرافق محدّدة داخل المطار، وهو ما يعكس تنسيقاً دبلوماسيّاً عالي المستوى بين دمشق وموسكو.

من المرجّح أن يكتمل هذا الانسحاب عقب إعلان اتّفاقات عسكريّة جديدة بين دمشق وموسكو تهدف إلى دعم الحكومة السوريّة في إعادة بناء الجيش السوريّ، وتشمل تزويده بقطع تبديل للمجنزرات والمدرّعات، إلى جانب برامج دعم لوجستيّ وتقنيّ.

استجابةً لطلب الرئيس السوريّ أحمد الشرع، وافق الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين على سحب القوّات الروسيّة من مطار القامشلي المدنيّ

سحب الذّرائع التّركيّة؟

في هذا الإطار، يُتوقّع أن يتوصّل الرئيسان إلى تفاهم يفضي إلى خفض عدد القوّات الروسيّة في قاعدة حميميم الجوّيّة، مع الإبقاء على الوجود الجوّيّ الروسيّ فيها، وإتاحة تشغيل المطار جزئيّاً لأغراض مدنيّة وتجاريّة. وبذلك يسعى الرئيس الشرع للحفاظ على حاجة موسكو إلى قاعدة حميميم بوصفها نقطة إمداد لوجستيّ أساسيّة للقوّات شبه الحكوميّة الروسيّة العاملة في عدد من الدول الإفريقيّة، ضمن معادلة تضمن تقليص الوجود العسكريّ الروسيّ داخل سوريا، مع الاحتفاظ بالدور الاستراتيجيّ للقاعدة.

يُجسّد الانسحاب الروسيّ من مطار القامشلي تحوّلاً استراتيجيّاً واضحاً في مقاربة موسكو للملفّ السوريّ، ولا يمكن التعامل معه بوصفه إجراءً عسكريّاً تقنيّاً أو إعادة انتشار محدودة. بل يأتي هذا القرار ضمن سياق إقليميّ ودوليّ أوسع يتقاطع مع توجّه الولايات المتّحدة نحو الانسحاب الكامل من الأراضي السوريّة، ومع إسناد مسؤولية إدارة ملفّ مكافحة تنظيم داعش ميدانيّاً إلى الحكومة السوريّة الشرعيّة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع. وفي ظلّ هذا المتغيّر، تتّجه دمشق إلى تقليص الوجود الأجنبيّ على أراضيها، حيث لم تعد موسكو ترى ضرورة للاحتفاظ بتموضع عسكريّ مباشر في القامشلي، مفضّلة إعادة ترتيب حضورها بما ينسجم مع المرحلة السياسيّة الجديدة.

من شأن انسحاب واشنطن وموسكو من شرق الفرات، إلى جانب التوصّل إلى اتّفاق بين الرئيس الشرع وقائد قوّات سوريا الديمقراطيّة مظلوم عبدي، أن يقلّلا تبريرات استمرار الوجود العسكريّ التركيّ. وفي المقابل، يُرجَّح أن يؤدّي هذا التحوّل إلى تصاعد المخاوف الإسرائيليّة ودفع حكومة بنيامين نتنياهو نحو مزيد من التشدّد تجاه دمشق، وهو ما قد يفتح المجال أمام مطالب سوريّة لتخفيف الوجود التركيّ، ولا سيما في محافظتَي الحسكة والرقّة.

يجسّد الانسحاب الروسيّ من مطار القامشلي تحوّلاً استراتيجيّاً واضحاً في مقاربة موسكو للملفّ السوريّ، ولا يمكن التعامل معه بوصفه إجراءً عسكريّاً تقنيّاً أو إعادة انتشار محدودة

تاريخيّاً، تعزّز الوجود الروسيّ في شرق سوريا عقب عمليّة “نبع السلام” عام 2019 بوصفه أداة ضغط سياسيّة وعسكريّة موجّهة نحو كلٍّ من الولايات المتّحدة وتركيا، ولا سيما خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. وفي تلك المرحلة، لجأت قوات سوريا الديمقراطيّة إلى إدخال حكومة النظام إلى بعض مناطق الشمال الشرقيّ عبر ترتيبات تنسيقيّة محدودة، وهو ما أتاح عودة جزئيّة لمؤسّساتها الأمنيّة. وعلى هذا الأساس، انتقلت القوّات الروسيّة إلى القامشلي بهدف ضبط توازنات ما بعد العمليّة، وإدارة التداخل بين الفاعلين المحليّين والدوليّين، إضافة إلى ممارسة ضغط مباشر على قوّات التحالف الدوليّ والوجود الأميركيّ في المنطقة. غير أنّ هذه الوظيفة فقدت جزءاً كبيراً من أهميّتها مع تغيّر البيئة السياسيّة والميدانيّة.

إعادة تعريف الدّور الروسي

الانسحاب فعليّاً في 26 كانون الثاني 2026، وشمل سحب القوّات والمعدّات الثقيلة، بما في ذلك طائرات مقاتلة ومروحيّات وأنظمة رادار، جرى نقلها عبر طائرات شحن من طراز “إليوشن-76″، بالتوازي مع تفكيك البنية العسكريّة داخل المطار. يشير هذا النمط المنظّم من الإخلاء إلى انسحاب شبه كامل من قاعدة شكّلت نقطة ارتكاز روسيّة لما يقارب ستة أعوام، ويتمّ ذلك بالتنسيق مع الحكومة السوريّة الانتقاليّة.

تتجاوز دلالات هذا الانسحاب البعد الجغرافيّ، إذ تعكس استعداد موسكو للتخلّي عن مواقع تماسّ عالية الحساسيّة مقابل تثبيت مصالحها الاستراتيجيّة الأهمّ في الساحل السوريّ، لا سيما في قاعدتَي حميميم وطرطوس. ففي حين ستحافظ روسيا على جزء من مطار حميميم ليكون قاعدة لوجستيّة نشطة باتّجاه إفريقيا، إلى جانب القاعدة البحريّة في طرطوس، جرى نقل بعض القوّات والمعدّات إلى تلك المواقع، دون التخلّي الكامل عن نفوذها في شرق المتوسّط.

لا يشير الانسحاب الروسيّ من مطار القامشلي إلى تراجع عن الدور الروسيّ في سوريا، بقدر ما يعكس إعادة تعريف مدروسة لهذا الدور تقوم على تقليص الحضور العسكريّ المباشر والانتقال إلى إدارة النفوذ عن بُعد، والتحوُّل من فرض التوازن بالقوّة إلى توظيف الأدوات السياسيّة والدبلوماسيّة، بما ينسجم مع التحوّلات الجارية في المشهدين السوريّ والإقليميّ.

 

* كاتب سوريّ.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ManhalBaresh

مواضيع ذات صلة

هرمز.. هرٌّ بمخالب مزدوجة

تُعتبر المضائق البحريّة شرايين حيويّة، سواء لناحية التجارة العالميّة أو للناحية الجيوسياسيّة والعسكريّة. بسبب موقعها الجغرافيّ، تتبوّأ هذه المضائق موقعاً مهمّاً للتحكّم في حركة ناقلات…

الاختبار الأصعب: الداخل التركي يطالب بالرّد على إيران؟

تعيد الحرب الدائرة على إيران اليوم، بشقّها الإقليميّ، اختبار واحد من أقدم التوازنات السياسيّة في الشرق الأوسط، وهو العلاقات التركيّة – الإيرانيّة. على الرغم من…

نعيم قاسم: سرديّة “النّصر” الإيرانيّ

هو الأسلوب الإيرانيّ نفسه وقد انتقل إلى لبنان: قتالٌ من دون التفات إلى موازين القوى، ومن دون مبالاة بالخسائر، مع التشبّث بسرديّة النصر، وما يترتّب…

حرب الأجندات المستحيلة

لا يعرف صنّاع هذه الحرب، ولو على وجه التقريب، متى تنتهي وكيف، مع أنّهم يعرفون لماذا أشعلوها.   المشتبكون مباشرةً فيها: إيران المُعتدى عليها، وإسرائيل…