هل يحتاج العراق اليوم إلى استعادة وجوه الماضي أم إلى فتح صفحة جديدة؟ هل يعكس ترشيح نوري المالكي قراءة داخليّة لمصلحة البلاد أم استدعاءً إقليميّاً لأدوار تجاوزها الزمن؟ وهل تمثّل هذه الخطوة قوّة سياسيّة حقيقيّة أم مؤشّراً إلى قلق من تحوّلات لم تعد تحتمل أدوات قديمة؟
جاء ترشيح “الإطار التنسيقيّ” في العراق لنوري المالكي لمنصب رئاسة الوزراء خطوة ثقيلة الوطأة، فالحدث ليس سياسيّاً عابراً يمكن إدراجه في خانة المناورات الداخليّة المعتادة، ليس بسبب الاسم بحدّ ذاته فحسب، بل بسبب التوقيت والسياق والمسار الذي بدا وكأنّه ينقلب على كلّ ما راكمه العراق خلال المرحلة الماضية من محاولات خجولة للانفتاح واستعادة شيء من التوازن.
ليست المفاجأة هنا في عودة وجه سياسيّ قديم، بل في الإصرار على إعادة فتح أكثر صفحات العراق إيلاماً في لحظة كان يمكن فيها البناء على مناخ مختلف تماماً.
لقد شكّل الدعم العربيّ الذي حظي به محمد شياع السوداني استعداداً إقليميّاً لمنح بغداد فرصة جديدة، فرصة مشروطة بالاستقرار وضبط الإيقاع وعدم الارتهان لمحاور الصدام. من هنا، كان بالإمكان، بل من المنطقيّ، أن يلتقط “الإطار التنسيقيّ” هذه الإشارة، وأن يرسو على اسم أقلّ استفزازاً، وأقلّ ارتباطاً بأسوأ سنوات التفكّك الأمنيّ والسياسيّ، وأكثر قدرة على مخاطبة الداخل والخارج بلغة عقلانيّة.
لكنّ ما حدث هو العكس تماماً: عودة إلى اسم موسوم في الذاكرة العراقيّة والعربيّة والدوليّة بأيّام الفوضى والانقسام وانكسار الثقة.

معادلة رديئة
لا يمكن فصل هذا الانحدار في الاختيار عن البعد الإقليميّ، وتحديداً عن رغبة مرشد إيران علي خامنئي في تفعيل دور قدامى جنوده في المنطقة، فاستدعاء نوري المالكي إلى الواجهة يبدو أقرب إلى كونه ورقة ضغط سياسيّة تُستخدم في مواجهة الضغوط الأميركيّة والدوليّة المتزايدة على طهران، أكثر ممّا هو خيار عراقيّ نابع من قراءة داخليّة واقعيّة لمصلحة البلاد.
كلّ ما في الأمر معادلة إيرانيّة رديئة كالعادة تقول إنّ وجود المالكي في هذا السياق يُراد له أن يكون تذكيراً بأنّ لإيران أدواتها، وأنّ لديها القدرة على الإزعاج، حتّى لو لم تعد قادرة على فرض الوقائع كما في السابق.
غير أنّ هذا الرهان، مهما بدا صاخباً في الشكل، يبقى محدود الفاعليّة في الجوهر، فالهامش الذي يمكن لنوري المالكي أن يعمل ضمنه اليوم أضيق بكثير ممّا كان عليه في ذروة نفوذه، بحيث تبدو قواعد المواجهة مع إيران أوضح من أيّ وقت مضى، والقرار الأميركيّ محسوم بأنّ طهران لن تعود إلى سابق عهدها، لا سياسيّاً ولا أمنيّاً، في حين أنّ المنطقة تغيّرت، ومعادلات النفوذ لم تعد تحتمل مغامرات من طراز قديم، ولا أسماء تستحضر ذاكرة الخسائر أكثر ممّا توحي بإمكانات المستقبل.
أيّ محاولة من المالكي للعب أدوار إقليميّة تتجاوز السقف المرسوم ستصطدم سريعاً بجدار صلب من الرفض والاحتواء، فهناك اتّفاق غير معلن، لكن راسخ، على تجنيب المنطقة تداعيات التصعيد الإقليميّ، خصوصاً في ملفّين حسّاسين هما محاربة الإرهاب وتنظيم داعش، وعدم التشويش على المسار السوريّ الذي يُدار اليوم بدقّة بالغة.
يفيد استعراض إقليميّ مختصر بأنّ أيّ مغامرة في هذين المسارين لن تُقرأ كقوّة، بل كتهوّر، وستُواجَه بحزم يفوق قدرة أيّ طرف محلّي على تحمّله.
لن يكون وصول المالكي إلى رئاسة الحكومة العراقيّة سوى معركة رمزيّة، هدفها إبقاء عين إيرانيّة، ولو غير فعّالة، على المشهد الإقليميّ.
يحتاج العراق اليوم إلى أسماء تُطفئ الحرائق، لا إلى من يستحضرها، وإلى خيارات تبني على فرص الاستقرار لا على ذاكرة الانقسام
استعادة الأوراق القديمة
عين تراقب أكثر ممّا تؤثّر، وتحضر أكثر ممّا تقرّر، وذلك انطلاقاً من أنّ الخارطة الإقليميّة الجديدة تُرسم بأدوات مختلفة، وبلاعبين مختلفين، وبمنطق يحدّ من قدرة الأسماء المستهلَكة على تغيير المسارات الكبرى. فالعراق “الساحة المفتوحة” سابقاً، بات محكوماً بتوازنات دقيقة لا تسمح بالتراجع الكامل إلى الوراء.
هنا يمكن تسجيل مفارقة مشرقة على الرغم من سوداويّة الخطوة، فذاك الخيار غير الموفّق قد يحمل، من حيث لا يريد أصحابه، فرصة داخليّة ثمينة.
إقرأ أيضاً: العراق: عودة المالكي المعلَّقة
قد تساهم إعادة طرح المالكي بهذا الشكل في تعزيز الصوت الشيعيّ الرافض لهيمنة طهران على القرار العراقيّ، وفي بلورة وعي أوسع داخل البيئة الشيعيّة نفسها لضرورة الفصل بين المصلحة الوطنيّة وأجندات الخارج. وهذا الصوت، إذا ما أُحسن تنظيمه والتقاطه، يمكن أن يشكّل مبادرة يُعوَّل عليها لزيادة المناعة العراقيّة، وترسيخ مفهوم الدولة السيّدة، لا الدولة التابعة.
لا يبدو ترشيح نوري المالكي خطوة إلى الأمام، بل ارتداد سياسيّ يعكس قلقاً أكثر ممّا يعكس قوّة.
هي محاولة فقط لإعادة تدوير أوراق قديمة في زمن تغيّرت فيه قواعد اللعبة، بحيث يحتاج العراق اليوم إلى أسماء تُطفئ الحرائق، لا إلى من يستحضرها، وإلى خيارات تبني على فرص الاستقرار لا على ذاكرة الانقسام.
