ترامب والعالم: السّباق نحو “صندوق” الخريف

مدة القراءة 6 د

لم تعرف الولايات المتّحدة في تاريخها رئيساً يمكن التشبيه به لفهم دونالد ترامب. يمكن أن نجد للترامبيّة منابع في يمينيّة قوميّة محافظة، بعضها عنصريّ، شهدتها البلاد وتسبّبت بعض أعراضها بالحرب الأهليّة القديمة. وإن تجمّعت عقائد متعدّدة الموارد الأيديولوجيّة والدينيّة لصناعة بيئة فكريّة لتلك الأعراض، فإنّ من الصعب أن نجد انتظاماً أيديولوجيّاً نظيراً لظاهرة دونالد التي ما تبرح تدهش العالم.

 

حين كان يسكن البيت الأبيض أيّ رئيس ديمقراطيّ أو جمهوريّ، كنّا نسأل: “ماذا تريد الولايات المتّحدة؟”. بات السؤال في عهد الرئيس الحاليّ: “ماذا يريد ترامب؟”، وكأنّه يختزل البلد في شخصه. تكمن جسامة الأمر في أنّ الولايات المتّحدة، بحكم قوّتها ونفوذها وتاريخها الحديث، تتحكّم بمسارات ومصائر بلدان وشعوب، بحيث إنّ نزق ساكن البيت الأبيض وتقلُّب مزاجه يقترب من إقناعنا، وربّما أقنع رئيس الوزراء الكنديّ مارك كارني، بأنّنا لا نعيش مرحلة انتقاليّة للنظام الدوليّ، بل قطيعة كاملة معه وربّما نهائيّة.

أتى ترامب في دافوس ببديل عن مجلس الأمن الدوليّ. جرى تخصيص الفكرة لمصلحة “مجلس سلم” مدفوع العضويّة يرأسه ترامب شخصيّاً كما يرأس عادة مجلس إدارة إحدى شركاته

سوقيّة وجلافة؟

لا تتعلّق الحكاية بمطالب الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين للانتقال إلى نظام متعدّد الأقطاب بصفته حقّاً تمليه “عظمة” روسيا، ولا بالسعي الدؤوب الهادئ للصين لتبوّؤ موقع متقدّم في الصفوف الأولى لهذا العالم. الأمر أكثر تعقيداً لجهة واقع اللانظام الذي نستنتجه يوماً بعد آخر. بات النظام الدوليّ المناط به إقامة السلام مُنتجاً للحروب من أوكرانيا إلى غزّة، مروراً بتلك “الثماني” التي ما فتئ ترامب يزعم أنّه أوقفها ويتوسّل “نوبل” مكافأة لمعجزاته بها.

مع ذلك لم يعلن بوتين أو الزعيم الصينيّ شي جين بينغ نهاية تاريخ وولادة آخر ثنائيّ أو ثلاثيّ أو متعدّد الأقطاب. أتت الشكوى للمفارقة من الدول الغربيّة التي خُيِّل لها فرض سيادتها على العالم بزعامة الولايات المتّحدة في اللحظة التي انهار فيها الاتّحاد السوفيتيّ واندثرت الحرب الباردة. وما لا يُقال في موسكو وبكّين يُقال بهلع في باريس ولندن وبرلين وأوتاوا وغيرها من العواصم الأطلسيّة: “إنّه زمن أميركا” بلا منازع.

لم توارِ المشاهد في منتدى دافوس الأخير الجلافة التي صارت عليها الولايات المتّحدة والسوقيّة التي يقارب بها رئيسها العالم. أعاد ترامب وكرّر قصائده بشأن الصالح لأوكرانيا والنافع لغرينلاند والمقبل لأوكرانيا والمجهول لغزّة، موزّعاً مروحة من أبيات الهجاء لزعماء فرنسا وبريطانيا وكندا وصكوك الرضا، في تلك الساعة على الأقلّ، على من اعتبره زعيماً رائعاً أو شخصيّة محبّبة إلى قلبه. وفق تلك القواعد البسيطة يقود الرئيس الأميركيّ بلاده لتقود بدورها هذا العبث في النظام الدوليّ.

يمكن التسليم بأنّ هذا العالم بدا في العقود الأخيرة بليداً مضجراً، وأنّ عجز إدارات واشنطن عن إقفال الملفّات والاكتفاء بالتمتّع بإدارة الأزمات استدرجا “عمليّة خاصّة” في أوكرانيا لامست في بعض مراحلها حدود الحرب النوويّة، واستدرجا “طوفاناً” في منطقتنا أطلق جراحات من دون ضمان مآلات آمنة. وربّما احتاج تفاقم الأورام إلى “بروتوكولات” من خارج الصندوق على يد زعامة من خارج مؤسّسات أميركا والسياق الكلاسيكيّ الأميركيّ الذي عرفناه في تعامل واشنطن مع العالم من حروب ومشاريع سلم.

يدرك ترامب أنّها بضعة أشهر وحسب، وهو يسابق الزمن ساعة بعد ساعة من فنزويلّا إلى دافوس، مروراً بما قد ينتظر إيران وما بعد إيران، لجعل الانتصارات المرجوّة في الخارج تصبّ في صناديق الخريف

تختصر واقعة فنزويلا الترامبيّة في تجلّياتها القصوى. تقرِّر أميركا الأمر من خارج النظام الدوليّ وقوانينه ومؤسّساته، ومن دون مشورة، حتّى صوريّة، للحلفاء في أيّ شأن يخصّ “أميركا أوّلاً”. يتأمّل هذا الغرب ما يرويه “كليلة ودمنة” عن مقولة “أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض”. بات الأطلسيّون يتذوّقون مرارة ما أذاقوه مع واشنطن لبلدان أخرى. لم تعد “أوروبا” ركناً للولايات المتّحدة. وبدا الاستغناء عن الناتو من عاديات الزمن وأبجديّات “زمن أميركا”.

ينتظرون المعجزة؟

أتى ترامب في دافوس ببديل عن مجلس الأمن الدوليّ. جرى تخصيص الفكرة لمصلحة “مجلس سلم” مدفوع العضويّة يرأسه ترامب شخصيّاً كما يرأس عادة مجلس إدارة إحدى شركاته. اندفع العالم قبل أشهر إلى الاقتراح كخلاص للمقتلة في غزّة، فإذ به واحد من تجلّيات ترامب لصناعة عالم على مقاسه. يخبرنا جاريد كوشنر، الصهر، أنّ غزّة ما تزال مشروعاً عقاريّاً لإقامة “ريفييرا” من ضمن مشاريع رجل صنعت منه العقارات رئيساً لا سابق له في تاريخ أميركا.

يمثّل ترامب فرصة لبلدان في العالم ونقمة لبلدان أخرى. هنا يكمن التناقض بين من يصلّي له لـ”البقاء والتمدّد” ومن يستعجل مغادرته البيت الأبيض إلى غير رجعة. بهذا المعنى قد لا يمثّل الرجل السياسة الحقيقيّة للولايات المتّحدة ولا نهائيّتها. يعرف ترامب أنّه بعدما أنهى ولاية أولى من 4 سنوات جاء خليفته جو بايدن ليبشّر بعودة الولايات المتّحدة (America Is Back) في غمز من قناة أنّها كانت غائبة في عهد ترامب. ولا عجب أنّ زعيم كندا كما زعامات صديقة له تعوّل على تلك العودة الميمونة.

إقرأ أيضاً: خوف لبنان من “سوريا الجديدة”: حقيقيّ أم مفتعَل؟

تكمن السورياليّة في منطقتنا في الترجيح أنّ إيران ومحورها وميليشياتها كما بنيامين نتنياهو في إسرائيل يتشاركون خندقاً واحداً يستبشر معجزة جديدة تعيد واشنطن القديمة الرتيبة إلى عهدها الذي يدير الصراعات ولا يحسمها. في الهمس عدم انتظار لبديل في البيت الأبيض بعد 3 سنوات وتعويل على الانتخابات النصفيّة في تشرين الثاني المقبل. لن يكون ترامب كما ترامب الذي نعرفه هذه الأيّام إذا خسر أغلبيّته في مجلسَي الكونغرس.

يدرك ترامب أنّها بضعة أشهر وحسب، وهو يسابق الزمن ساعة بعد ساعة من فنزويلّا إلى دافوس، مروراً بما قد ينتظر إيران وما بعد إيران، لجعل الانتصارات المرجوّة في الخارج تصبّ في صناديق الخريف، وتحمي زخمه الجارف، وتفرضه مُمدّداً من واشنطن على العالم أجمع.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

نوري المالكي مجدّداً.. المرشد “يستنفز” جنوده!

هل يحتاج العراق اليوم إلى استعادة وجوه الماضي أم إلى فتح صفحة جديدة؟ هل يعكس ترشيح نوري المالكي قراءة داخليّة لمصلحة البلاد أم استدعاءً إقليميّاً…

اليَمَنُ وسُؤال الدولةِ الغائبةِ: متى يعود سعيداً؟

لم يعد استدعاء تسمية “اليمن السعيد” فعلاً لغوياً أو حنيناً تاريخياً، بل بات مدخلاً ضرورياً لفهم واحدة من أكثر أزمات العالم العربي تعقيداً وخطورة. فاليمن،…

المفاوضات الرّوسيّة – الأوكرانيّة…تدير السّلام ولا تُنهي الصّراع

بدأت مفاوضات السلام الروسيّة – الأوكرانيّة، لكنّها لم تتّخذ صفة محطّة تفاوضيّة عاديّة، بل كانت حدثاً محمّلاً بدلالات تتجاوز الجغرافيا والزمان. لا تُقرأ المفاوضات فقط…

إيران وأميركا: حربٌ مؤجّلة وأذرع بلا مخالب

تتبادل واشنطن وطهران التهديدات فيما تواصل الولايات المتّحدة تعزيز حضورها العسكريّ في المنطقة، وهو ما يفتح الباب أمام تفسيرات متناقضة. فهناك من يعتبر أنّ هذا…