ترامب في دائرة الخطر

مدة القراءة 5 د

في عالم يتّسم بتصاعد الانقسامات السياسيّة وتراجع الضوابط التقليديّة للعلاقات الدوليّة، لم تعد مسألة سلامة قادة الدول شأناً أمنيّاً محضاً، بل باتت جزءاً من المشهد السياسيّ نفسه. كلّما ازداد التوتّر الداخليّ واحتدمت المواجهات الخارجيّة، ارتفع منسوب المخاطر المحيطة بموقع القيادة. في حالة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، تتقاطع هذه العوامل على نحو يجعل السؤال الأمنيّ سياسيّاً بامتياز، يعكس طبيعة المرحلة أكثر ممّا يعكس وضعاً فرديّاً استثنائيّاً ويضع ترامب في دائرة الاستهداف الدائم.

 

منذ تأسيس الولايات المتّحدة، شكّلت الرئاسة هدفاً للعنف السياسيّ في لحظات التحوّل الكبرى. اغتيل أربعة رؤساء أثناء ولاياتهم: أبراهام لينكولن عام 1865، جيمس غارفيلد عام 1881، ويليام ماكينلي عام 1901، وجون كينيدي عام 1963. وتعرّض أكثر من عشرين رئيساً أو رئيساً سابقاً لمحاولات اغتيال أو مخطّطات أُحبطت في مراحل مختلفة، من أندرو جاكسون وثيودور روزفلت إلى رونالد ريغان وجيرالد فورد.

يوضح هذا السجلّ التاريخيّ أنّ الرئاسة الأميركيّة لم تكن يوماً محصّنة بالكامل، وأنّ العنف السياسيّ غالباً ما يظهر في الفترات التي تتعمّق فيها الانقسامات الاجتماعيّة وتحتدم فيها المواجهات السياسيّة.

واجه ترامب، أكثر من معظم أسلافه المعاصرين، سلسلة من التهديدات الموثّقة وغير الموثّقة. في تمّوز 2024، وخلال تجمّع انتخابيّ في ولاية بنسلفانيا، أطلق مسلّح النار من موقع مرتفع، فأصاب ترامب إصابة طفيفة وقتل أحد الحاضرين وأصاب آخرين، قبل أن يتمّ تحييد المهاجم. بعد ذلك بشهرين، في أيلول 2024، أُلقي القبض على رجل مسلّح داخل نادي ترامب للغولف في ويست بالم بيتش بعد الاشتباه في تحضيره لاستهداف، وأُدين لاحقاً بمحاولة اغتيال الرئيس.

منذ دخوله الحياة السياسيّة، واجه دونالد ترامب تهديدات متعدّدة، بعضها موثّق وبعضها بقي في إطار التحقيقات الأمنيّة

منذ دخوله الحياة السياسيّة، واجه دونالد ترامب تهديدات متعدّدة، بعضها موثّق وبعضها بقي في إطار التحقيقات الأمنيّة. عام 2016، حاول أحد الأشخاص انتزاع سلاح خلال تجمّع انتخابيّ في لاس فيغاس، وأُرسلت رسائل تحتوي على مادّة الريسين السامّة إلى عناوين مرتبطة بالبيت الأبيض في عامَي 2018 و2020. منذ عام 2022، حذّرت أجهزة الاستخبارات الأميركيّة من تهديدات مرتبطة بإيران، على خلفيّة اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني عام 2020.

التّهديدات قائمة

مع بداية عام 2026، لا تزال التهديدات قائمة، لا سيما في ظلّ التوتّر المستمرّ بين واشنطن وطهران. أعلن ترامب أنّ أيّ محاولة لاستهدافه ستقابل بردّ أميركيّ حاسم، في وقت تشير تقارير أمنيّة إلى استمرار التعامل مع هذه التهديدات بجدّية عالية داخل المؤسّسات الأميركيّة.

داخليّاً، كشفت قضايا حديثة عن بروز نمط من التطرّف الفرديّ، إذ أقرّ أحد الأشخاص في ولاية ويسكونسن بارتكاب جريمة قتل بهدف تمويل مخطّط لاستهداف الرئيس. يعكس ذلك المناخ الداخليّ المشحون، الذي يضيف بعداً جديداً للمخاطر الأمنيّة لا يقلّ تعقيداً عن التهديدات الخارجيّة. المواجهات اليوميّة بين جهاز إنفاذ القانون وملاحقة المهاجرين غير الموثّقين لترحيلهم ومواطنين أميركيّين يرفضون أسلوب ICE (أسلوب شرطة الهجرة والجمارك في التوقيف والترحيل) زادت من حالة التشنّج التي ينجم عنها عمل أشخاص بشكل منفرد وقيامهم باغتيالات.

يرى كثير من المراقبين أنّ أسلوب ترامب في السياسة الخارجيّة، القائم على الضغط المباشر والقرارات الصداميّة، ساهم في توسيع دائرة التهديدات المحتملة. سياسات “أميركا أوّلاً”، وما رافقها من استخدام مكثّف للأدوات الاقتصاديّة والعسكريّة، عزّزت صورة الولايات المتّحدة كقوّة تفرض إرادتها بالقوّة، الأمر الذي يفتح الباب أمام ردود فعل غير متكافئة من خصوم دوليّين أو جهات غير حكوميّة ترى في استهداف الرئيس الأميركيّ رسالة سياسيّة بحدّ ذاتها.

واجه ترامب، أكثر من معظم أسلافه المعاصرين، سلسلة من التهديدات الموثّقة وغير الموثّقة

إلى ذلك يزيد توتّر العلاقات مع حلفاء تقليديّين وارتفاع منسوب الاحتكاك مع قوى دوليّة كبرى من تعقيد المشهد الأمنيّ، ويجعلان الرئيس هدفاً رمزيّاً في بيئة دوليّة أقلّ استقراراً ممّا كانت عليه في العقود الماضية.

تُضاف إلى ذلك المخاوف من ارتدادات محتملة لعمليّات أميركيّة واسعة ضدّ شبكات تهريب المخدّرات في أميركا اللاتينيّة، إذ يُخشى أن تدفع المواجهات المفتوحة بعضَ هذه الجماعات إلى استهداف رموز السلطة الأميركيّة. على الرغم من عدم توافر معلومات مؤكّدة عن مخطّطات مباشرة، يجعل تاريخ هذه الشبكات في استخدام العنف السياسيّ هذا الاحتمال جزءاً من الحسابات الأمنيّة القائمة.

أعلى من المتوسّط

تشير هذه المعطيات مجتمعةً إلى أنّ مستوى المخاطر المحيطة بالرئيس ترامب أعلى من المتوسّط، حتّى وفق معايير الرئاسة الأميركيّة. يوفّر جهاز الخدمة السرّية طبقات حماية متقدّمة، إلّا أنّ التجربة التاريخيّة تظهر أنّ الحماية المطلقة غير ممكنة، وأنّ الرئاسة في مراحل التحوّل الكبرى تصبح، بحكم الواقع، موقعاً مكشوفاً بقدر ما هي موقع سلطة.

إقرأ أيضاً: إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

بهذا المعنى، لا تعكس سلامة الرئيس ترامب مسألة شخصيّة فحسب، بل تختصر حال نظام دوليّ يزداد اضطراباً، وتذكّر بأنّ القوة، حين تتقدّم على التوازن، تجعل حتّى أقوى المناصب عرضة للمخاطر.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

الإصلاح المستحيل: لماذا لا يملك خامنئي منح واشنطن ما تريد؟

تفترض بعض الأصوات في الإدارة الأميركيّة، لا سيما الموفد الرئاسيّ ستيف ويتكوف، أنّ إيران لا تستطيع مقاومة إغراءات الصفقة المعروضة عليها، والتي تتطلّب تنازلات جوهريّة…

عودة المالكي بمواصفات “التوافق اللبناني”

يواجه المشهد السياسيّ في العراق تداخلاً غير مسبوق في العديد من الملفّات المعقّدة والمفصليّة، تبدأ من تحدّي الالتزام بالتوقيتات الدستوريّة لإنهاء انتخاب الرئاسات الثلاث، الذي…

خوف لبنان من “سوريا الجديدة”: حقيقيّ أم مفتعَل؟

لا تتعامل بعض التيّارات السياسيّة في لبنان مع المتغيّرات في المنطقة والعالم إلّا من بوّابة الخوف على مصالحها، وصيانة خطابها ودفاعاً عن وجاهته الدائمة، فكيف…

رفعت الأسد… الأوّل في الدّولة المتوحّشة

يعبّر رفعت الأسد، الذي غيّبه الموت قبل أيّام، عن التحوّل السوريّ الكبير نحو الدولة المتوحّشة التي اعتمدت في إثبات شرعيّتها على القمع وتماسك الطائفة والبحث…