تحت ضغط شعبيّ غير مسبوق، تعهّد قادة الأحزاب العربيّة داخل الخطّ الأخضر، أي الداخل الفلسطينيّ المحتلّ عام 1948 (“التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ”، “الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة”، “الحركة العربيّة للتغيير”، “القائمة الموحدة”)، مساء الخميس، بالعمل على إعادة تشكيل القائمة المشتركة لخوض انتخابات الكنيست الإسرائيليّة المقبلة في تشرين الأوّل 2026 موحّدين، في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في المزاج السياسيّ الفلسطينيّ داخل الخطّ الأخضر، وتكشف في الوقت نفسه حجم القلق الإسرائيليّ من احتمال استعادة العرب وزنهم السياسيّ بعد سنوات من التفكّك والتهميش.
القائمة المشتركة هي تحالف سياسيّ يضمّ الأحزاب العربيّة الرئيسة في إسرائيل، التي تشارك في انتخابات الكنيست، وقد رأت النور لأوّل مرّة في عام 2015، وكانت قائمة انتخابيّة موحّدة جمعت أربعة أحزاب أساسيّة، تمكّنت آنذاك من حصد 13 مقعداً في الكنيست، لكنّها تفكّكت قبل انتخابات الكنيست عام 2021 بسبب خلافات بين الأحزاب.
جاء إعلان عودة تشكيل القائمة المشتركة خلال اجتماع تشاوريّ عُقد في بلديّة سخنين، عقب التظاهرة الكبرى التي شارك فيها عشرات الآلاف احتجاجاً على استفحال الجريمة المنظّمة وتواطؤ الشرطة الإسرائيليّة مع عصابات العنف، في مشهد أعاد الشارع العربيّ إلى موقع الفاعل الضاغط، لا المتلقّي أو المتفرّج.
على الرغم من الترحيب الواسع بالإعلان، لا تزال إعادة تشكيل القائمة المشتركة في طورها الأوّل، وتُعدّ خطوة افتتاحيّة في مسار معقّد محفوف بالخلافات البنيويّة والأيديولوجيّة التي سبق أن أدّت إلى تفكّكها. غير أنّ السياق السياسيّ الراهن يجعل هذا التفاهم أقرب إلى اتّفاق اضطراريّ فرضته الوقائع منه إلى خيار تكتيكيّ.
الخشية من خسارة ثقة الجمهور
لا يكمن التحوّل الأبرز في هذه الخطوة في اجتماع الأحزاب الأربعة فقط، بل في الجهة التي دفعت إليه. شكّل الحراك الشعبيّ الأخير، ولا سيما تظاهرة سخنين، مركز ثقل ضاغطاً أعاد ترتيب أولويّات القيادات السياسيّة، بعدما بات واضحاً أنّ استمرار الانقسام يعني خسارة ما بقي من ثقة الجمهور، وتسليم المجتمع الفلسطينيّ في الداخل لمسار الشطب السياسيّ والتفكّك الاجتماعيّ.
لا يكمن التحوّل الأبرز في هذه الخطوة في اجتماع الأحزاب الأربعة فقط، بل في الجهة التي دفعت إليه
يرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية د. محمد خلايلة أنّ ما جرى لا يمكن فصله عن التحوّلات العميقة التي فرضتها حرب الإبادة على غزّة، وما رافقها من تصعيد غير مسبوق في القمع والملاحقة داخل الخطّ الأخضر. يقول خلايلة لــ”أساس” إنّ تفكّك القائمة المشتركة سابقاً جاء في سياق سياسيّ مختلف، وأمّا اليوم فإنّ “السياسة لم تعد منفصلة عن الواقع الاجتماعيّ، ووصلت حالة الإسكات والتجريم التي تعاظمت منذ الحرب إلى مستوى يهدّد الوجود السياسيّ للفلسطينيّين في الداخل”.

يضيف أنّ الحراك الشعبيّ ضدّ العنف والجريمة لم يكن احتجاجاً اجتماعيّاً فقط، بل تحوّل إلى فعل سياسيّ مباشر فرض على الأحزاب إعادة النظر في حساباتها، معتبراً أنّ التفاهم الحاليّ هو “نتاج ضغط جماهيريّ حقيقيّ، لا مبادرة حزبيّة فقط”.
تشير التقديرات المتداوَلة إلى أنّ القائمة المشتركة، في حال خاضت الانتخابات موحّدة، قادرة على حصد ما لا يقلّ عن 15 مقعداً، وقد تصل إلى 17 أو 18 مقعداً في حال ارتفعت نسبة التصويت إلى نحو 70%. هذه الأرقام، وفق خلايلة، كفيلة بإحداث هزّة داخل النظام السياسيّ الإسرائيليّ لأنّها تعني عمليّاً استحالة حصول بنيامين نتنياهو وائتلافه اليمينيّ الحاليّ على أغلبيّة الـ61 عضواً اللازمة لتشكيل حكومة.
يؤكّد خلايلة أنّ “ارتفاع نسبة التصويت العربيّ سيغيّر توزيع المقاعد داخل الكنيست، ويمنع نتنياهو من إعادة إنتاج ائتلافه”، مشيراً إلى أنّ إسرائيل لا تواجه أصلاً حالة استقطاب حادّ على أساس أيديولوجيّ تقليديّ بل وفق طبيعة الدولة واتّجاهها، خاصّة بعدما كشفت الحرب عن قبول واسع داخل المجتمع الإسرائيليّ لأفكار الترانسفير وإغلاق الملفّ الفلسطينيّ بالقوّة.
يؤكّد خلايلة أنّ “ارتفاع نسبة التصويت العربيّ سيغيّر توزيع المقاعد داخل الكنيست، ويمنع نتنياهو من إعادة إنتاج ائتلافه”
السّيناريوهات السّياسيّة المحتملة
– الأوّل: فشل اليمين وتعميق الشّلل السّياسيّ:
يرجّح د. محمد خلايلة أن يؤدّي خوض الأحزاب العربيّة الانتخابات ضمن قائمة مشتركة، مع ارتفاع نسبة التصويت، إلى منع بنيامين نتنياهو وائتلافه اليمينيّ من الوصول إلى 61 مقعداً. في هذه الحالة، تدخل إسرائيل مرحلة انسداد سياسيّ متجدّد، مع احتمال الذهاب إلى جولات انتخابيّة إضافيّة، من دون مخرج حقيقيّ سوى تسوية داخليّة قد تفضي إلى إخراج نتنياهو من المشهد السياسيّ، في ظلّ عجزه عن تشكيل حكومة مستقرّة.
– الثّاني: حكومة وحدة على قاعدة نزع الشّرعيّة:
يتمثّل السيناريو الثاني، وفق خلايلة، في تشكيل حكومة وحدة وطنيّة واسعة بذريعة “التحدّيات الأمنيّة”، تهدف أساساً إلى احتواء التأثير المتصاعد للقائمة المشتركة. وقد تُقام هذه الحكومة حول نتنياهو مع استبعاد إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، مقابل إطلاق حملة تحريض ونزع شرعيّة غير مسبوقة ضدّ التمثيل السياسيّ العربيّ، في محاولة لتحييده داخليّاً وترميم صورة إسرائيل خارجيّاً.
– الثّالث: حكومة أقلّيّة و”الكتلة المانعة”
أمّا السيناريو الأضعف فيقوم على محاولة قوى المعارضة تشكيل حكومة أقليّة لإسقاط نتنياهو، من دون إشراك القائمة المشتركة مباشرة، والاكتفاء بأن تكون “كتلة مانعة” أو شبكة أمان برلمانيّة. غير أنّ خلايلة يستبعد نجاح هذا المسار، في ظلّ رفض معظم الأحزاب الصهيونيّة الارتكاز العلنيّ على دعم عربيّ، وخشيتها من كلفة سياسيّة داخل المجتمع اليهوديّ.
لم يتأخّر ردّ الفعل الإسرائيليّ. فقد هاجم وزير الأمن القوميّ إيتامار بن غفير الإعلان، واصفاً الأحزاب العربيّة الموقّعة عليه بأنّها “وحدة ممثّلي الإرهاب”، في خطاب تحريضيّ يعكس محاولة مبكرة لنزع الشرعيّة السياسيّة عن أيّ تمثيل عربيّ موحّد.
أمّا وزير شؤون الشتات عميحاي شكلي فذهب أبعد حين ربط الوحدة العربيّة بهتافات “الله أكبر”، واتّهم قادتها بدعم “حماس” و”الحزب”، في محاولة واضحة لشيطنة المشاركة السياسيّة الفلسطينيّة، وربطها بالأمن والإرهاب، تمهيداً لتبرير أيّ إجراءات إقصائيّة مستقبليّة.
القائمة المشتركة هي تحالف سياسيّ يضمّ الأحزاب العربيّة الرئيسة في إسرائيل، التي تشارك في انتخابات الكنيست
سيناريوهات ما بعد الوحدة
من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسيّ الإسرائيليّ د. أحمد رفيق عوض أنّ إعادة تشكيل القائمة المشتركة، إذا ما استُكملت، ستغيّر شكل الخارطة السياسيّة في إسرائيل، ليس فقط من حيث عدد المقاعد، بل من حيث موقع العرب في معادلة تشكيل الحكومات.
يقول عوض إنّ حصول القائمة على 15 مقعداً على الأقلّ سيجعلها قوّة لا يمكن تجاوزها، وسيقطع الطريق على اليمين، حتّى لو لم تكن جزءاً من أيّ ائتلاف. لكنّه يحذّر في الوقت نفسه من المبالغة في التفاؤل، معتبراً أنّ ما جرى “خطوة أولى تحتاج إلى جهد هائل للحفاظ عليها”.
إقرأ أيضاً: معاناة الغزّيّين… بؤس لا يتوقف
يشير عوض إلى أنّ الخلافات داخل المجتمع الفلسطينيّ في الداخل ليست فقط حزبيّة، بل مناطقيّة ومرجعيّاتيّة، وأنّ تقسيم “الكعكة” قد يعيد إنتاج التوتّرات إذا لم يُدَر بحكمة. مع ذلك، يؤكّد أنّ الجميع بات يدرك أنّ التيّار الصهيونيّ العامّ يسعى إلى شطب العرب وإنجازاتهم، وأنّ الاتّفاق الحاليّ جاء لأنّ الأحزاب “اكتشفت أنّها إذا لم تتوحّد، فستُؤكل فرادى”.
