مجلس السلام: إدارة النّزاع أم مشروع القوّة الجديد؟

مدة القراءة 5 د

حين يُقترح في السياسة الدوليّة كيانٌ يحمل اسم “مجلس السلام”، فإنّ أوّل ما ينبغي الشكّ فيه ليس التفاصيل، بل اللغة نفسها. الأسماء، في عالم القوّة، لا تُختار اعتباطاً، بل تُصاغ لتُطمئن، لا لتُفسِّر. السلام هنا لا يُقدَّم حصيلةَ عدالة، بل منتج إداريّ وكأنّ العالم لم يعد قادراً على تحمّل كلفة الحقّ، فاختار كلفة التنظيم.

 

في القرن الحادي والعشرين، لم تعد الحروب تُخاض باسم الأيديولوجية فقط، بل تُدار باسم الاستقرار. ليس هذا الانتقال شكليّاً، بل بنيويّ. لم تعد القوّة بحاجة إلى الاحتلال المباشر، بل إلى إدارة ذكيّة للفوضى. مجلس السلام، في هذا السياق، ليس مبادرة دبلوماسيّة وحسب، بل أداة لإعادة هندسة الصراعات على مستوى النظام الدوليّ بأسره. السلام، كما يُطرَح اليوم، لم يعد نهاية الصراع، بل مرحلته الأكثر تهذيباً، لحظة انتقال الأسلحة من الميدان إلى الطاولة، وتحويل الحرب إلى إدارة مخاطر يمكن التحكّم بها، بدل مواجهتها.

حين تتحدّث القوّة عن السلام، لا تتخلّى عن مصالحها، بل تعيد صياغتها بلغة أخلاقيّة هادئة. الهيمنة الصلبة تُستبدل بهيمنة ناعمة، والاحتلال المباشر يُستبدل بالوصاية، والسيطرة تُستبدل بالإدارة. يجعل هذا التحوّلُ السلطةَ أقلّ وضوحاً وأكثر قبولاً في نظر النظام الدوليّ، بينما تبقى الآثار العميقة على السيادة والفعل السياسيّ واضحة على الشعوب والأمم الصغيرة.

من يملك القدرة… لا الحقّ

تجد الأمم المتّحدة، التي قامت على فكرة الشرعيّة القانونيّة، نفسها اليوم محاصَرة بشرعيّة بديلة: شرعيّة الفاعليّة. لم يعد السؤال “من يملك الحقّ؟”، بل أصبح “من يملك القدرة؟”، ومن يملك القدرة يبتكر أُطُراً جديدة تتجاوز بطء المؤسّسات وتقييدات القانون، وتنتج حلولاً سريعة لكن هشّة. من هنا، لا يبدو المجلس مكمّلاً للمنظومة الدوليّة، بل مؤشّر إلى أزمة هذه المنظومة، وإلى أنّ الإدارة الفعّالة حلًّاً للأزمات باتت أكثر قبولاً من العدالة القانونيّة.

ليس مجلس السلام، في هذه القراءة، وعداً بإنهاء الحروب، بل إعلان لمرحلة جديدة من إدارتها، مرحلة تُدار فيها النزاعات

يُقدَّم مثل هذا المجلس بوصفه إنسانيّاً وأخلاقيّاً، بينما جوهره سياسيّ بحت. السلام، في هذه الصيغة، يُقاس بمدى السيطرة على النزاعات، لا بمدى تحقيق الحقوق. تتحوّل الشعوب إلى موضوعات إدارة، لا فاعلين في صنع السلام. الدولة، حين تُدار من الخارج، لا تُبنى، بل تُدار، والقرارات تُتّخذ في العواصم الكبرى، لا في قلب الشعب المعنيّ.

يتحوّل أيُّ مجلس لا يخضع لمساءلة قانونيّة واضحة إلى سلطة فوق القانون، وأيّ سلطة فوق القانون، مهما ارتدت أقنعة إنسانيّة، هي سلطة سياسيّة خالصة. يعني غياب آليّات الرقابة أنّ السلام سيُدار بلا ضمانات، وأنّ أيّ تعهّدات أخلاقيّة ستصبح عرضاً شكليّاً أكثر منها التزاماً حقيقيّاً. من هنا يُطرح السؤال الأعمق: هل يمكن فصل السلام عن العدالة؟ وهل يمكن بناء استقرار دائم على أساس إدارة المظالم لا إزالتها؟

مجلس السلام

تقول التجربة التاريخيّة إنّ الاستقرار غير العادل هو أكثر أشكال العنف تهذيباً، عنف بلا ضجيج لكن أكثر ديمومة. ليس مجلس السلام، في هذه القراءة، وعداً بإنهاء الحروب، بل إعلان لمرحلة جديدة من إدارتها، مرحلة تُدار فيها النزاعات بدل أن تُحلّ، وتُراقَب فيها السيادات بدل أن تُستعاد، وتُثمّن فيها قيمة السلام بدل أن تُحقَّق، أي أنّ المشروع لا يُغيّر منطق الحرب أو النزاع، بل يغيّر طريقة التعامل معه، من إدارة مؤقّتة إلى إدارة محتملة طويلة الأمد تُعيد إنتاج مفهوم السلطة والسيادة على نحو يفرض شروط اللعبة الكبرى على الجميع، الصغير قبل الكبير.

إدارة العالم من فوق

في هذا السياق، لا يُعرَّف السلام بعد اليوم بعدد الحقوق المستعادة، بل بعدد الاضطرابات التي جرى احتواؤها، وعدد الفرص التي تتيحها القوى الكبرى لتدعيم نفوذها. إنّ المجلس، في صورته المطروحة، ليس وسيلة لإنهاء النزاعات فحسب، بل تجربة نموذجيّة في إدارة العالم من فوق، حيث تتحوّل القيم الأخلاقيّة إلى أدوات سياسيّة، والتحكّم في الواقع إلى غاية أرقى من تحقيق العدالة.

حين يُقترح في السياسة الدوليّة كيانٌ يحمل اسم “مجلس السلام”، فإنّ أوّل ما ينبغي الشكّ فيه ليس التفاصيل، بل اللغة نفسها

من هنا، يصبح السؤال الجوهريّ الذي يطرحه المجلس على النظام الدوليّ كلّه: أما يزال العالم قادراً على إنتاج العدالة أم اكتفى بإدارة الظلم؟ هل يمكن لمفهوم السلام أن يصمد خارج إدارة القوّة؟ هل يمكن لأيّ هيئة دوليّة أن تتجاوز الفجوة بين شرعيّة الحقّ وشرعيّة القدرة؟

تكشف هذه الأسئلة، بلا أجوبة واضحة، أنّ المجلس ليس مشروعاً سياسيّاً محليّاً وحسب، بل إعلان عن التحوّل البنيويّ في كيفيّة إدارة العلاقات الدوليّة بأكملها، وعلامة على أنّ النظام العالميّ بصدد إعادة تعريف السيادة، السلطة، المساءلة، والعدالة نفسها.

إقرأ أيضاً: غزّة: “مجلس” ترامب بديل “الصّفقة” ولجنة تكنوقراط بديلة للفصائل

هنا يكمن جوهر التحوّل: إدارة النزاع لا حلّ النزاع، وسلطة من دون مساءلة لا حكم بالعدالة، وسلام يُثمَّن ولا يُحقَّق.

 

*كاتب وصحافي أردني

مواضيع ذات صلة

لبنان… والفرصة السورية

يحتاج لبنان من جنوبه إلى شماله، حيث مأساة طرابلس، إلى تذكير نفسه بتحوله إلى بلد إضاعة الفرص. لم يستفد، مثلا، من فرصة تفاديه المشاركة في…

إسرائيل: نصف اتّفاق مع إيران أخطر من القنبلة

أثار قلقاً بالغاً في إسرائيل إعلانُ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ارتياحه لنتائج الجولة الأخيرة من المحادثات في مسقط بين الأميركيّين والإيرانيّين، ووصفه إيّاها بأنّها “جيّدة…

فرنسا في سوريا: هاجس الأمن وحسابات النّفوذ

كثّفت باريس حضورها في الملفّ السوريّ عبر جولة وزير الخارجيّة جان نويل بارو في دمشق وإربيل، مؤكّدةً مواصلة محاربة تنظيم داعش، ومشيدةً بدور المقاتلين الأكراد…

أردوغان في الرّياض والقاهرة: توازن إقليميّ جديد؟

لم تأتِ فكرة التحالف الثلاثيّ التركيّ – السعوديّ – المصريّ صدفة، بل هي نتاج سنوات من التوتّرات والتحدّيات المشتركة والفرص الضائعة في المنطقة. ويبرز التعاون…