يبدو أنّ الإدارة الأميركيّة حسمت خيارها في الشمال السوريّ بعد تردّد طويل، فتخلّت عن “قسد” وانحازت إلى حكومة الرئيس أحمد الشرع. ستجني الحكومة السوريّة من هذه التطوّرات أمرين مهمّين: مكاسب اقتصاديّة كبيرة وتراجع الطموحات الانفصاليّة في بعض المناطق السوريّة.
استعادت الدولة السوريّة بلمح البصر أكبر وأهمّ حقول الطاقة التي كانت تقع تحت سيطرة “قسد”. يُعدّ حقل العمر في ريف دير الزور أكبر الحقول النفطيّة في سوريا، سواءً من حيث حجم الإنتاج أو المساحة. وكان أكثر الحقول النفطيّة إنتاجاً قبل الحرب التي اندلعت منذ خمس عشرة سنة، ثمّ سيطر عليه “داعش” قبل أن تنتزعه منه “قسد”.
أمّا حقل كونيكو للغاز، الذي أصبح بدوره تحت سلطة الجيش السوريّ، فهو أهمّ منشأة للغاز الطبيعيّ في البلاد، وسيساهم بشكل مباشر في تشغيل محطّات توليد الكهرباء، وهو ما يساعد في خفض أسعار الكهرباء وتقليل ساعات التقنين. لذا ستؤدّي هذه التطوّرات إلى زيادة احتياطات مصرف سوريا المركزيّ بالعملات الأجنبيّة
من شأن سيطرة الحكومة المركزيّة على شمال شرقيّ سوريا ضمان الأمن الغذائيّ، وتمكينها من تحقيق إدارة فضلى للثروة المائيّة والكهربائيّة والتحكّم بالمعابر الحدوديّة، وهي مصدر مهمّ للرسوم الجمركيّة.
لكنّ الرابح الأكبر في هذه التطوّرات السريعة ليس الاقتصاد السوريّ بل وحدة سوريا لأنّ نتيجتها البديهيّة هي انكفاء كلّ مشاريع التقسيم والانفصال في مختلف المناطق السوريّة. كانت سلطة “قسد” بمنزلة العمود الفقريّ للطموحات الانفصاليّة في سوريا. إذ لم تكتفِ بإضعاف وحدة سوريا عن طريق إقامة سلطتها الخاصّة المستقلّة عن الحكومة المركزيّة في دمشق، بل تدخّلت بصورة سلبيّة في المناطق السوريّة الأخرى ذات الميل إلى الاستقلال عن دمشق وقدّمت الدعم لطموحاتها الانفصاليّة.
هناك أخبار متداوَلة وشبهات في وجود صلات أقامتها “قسد” مع جماعات في منطقة الساحل تموّلها وتغذّيها شخصيّات تنتمي إلى نظام الأسد
“قسد” تحرّض جماعات السّاحل
هناك أخبار متداوَلة وشبهات في وجود صلات أقامتها “قسد” مع جماعات في منطقة الساحل تموّلها وتغذّيها شخصيّات تنتمي إلى نظام الأسد وتحضّرها للانقضاض على النظام السوريّ الجديد وإعلان نوع من الاستقلال عن الحكم المركزيّ.
شكّلت “قسد” سنداً ومتنفّساً للمشروع الانفصاليّ في السويداء الذي ترعاه إسرائيل وتشجّعه وتحميه، ضمن مشروع لإقامة ممرّ يصل إسرائيل بمناطق “قسد” وصولاً إلى الحدود العراقيّة السوريّة.
بسبب حماية إسرائيل ودعم “قسد”، خرج الشيخ حكمت الهجري، الزعيم الروحيّ في السويداء، عن كلّ الخطوط الحمر وعن القواعد الثابتة في تاريخ طائفة الموحّدين الدروز، وأعلن بلغة مستفزّة أنّ مشروعه يهدف إلى استقلال السويداء والانفصال عن دمشق والالتحاق بإسرائيل. قال: “نحن نرى أنفسنا جزءاً لا يتجزّأ من منظومة وجود دولة إسرائيل”. هذا الخطاب فاجأ نسبة كبيرة من دروز لبنان وسوريا الذين يعتبرون أنّ تاريخهم هو جزء من التاريخ الإسلاميّ والعربيّ ولا يتقبّلون أيّ علاقة خاصّة مع إسرائيل. إنّ ما تعرّض له المدنيّون في السويداء من مذابح لا يبرّر تحويل الدروز إلى حفنة من العملاء لإسرائيل.
تاريخ الدّروز عربيّ
لا حاجة إلى استرجاع المواقف الواضحة لدروز سوريا ولبنان، الذين شكّلوا فرقة درزيّة خاصّة خلال أحداث فلسطين، ضمن جيش الإنقاذ العربيّ، لمقاتلة المشروع الصهيونيّ دفاعاً عن حقّ الفلسطينيّين في أرضهم. لا حاجة أيضاً إلى سرد خطاب سلطان الأطرش وكمال جنبلاط وشكيب وعادل أرسلان وسواهم. تكفي العودة إلى مواقف دروز فلسطين الذين أصرّ معظمهم على انتمائهم العربيّ، فيما هم رازحون تحت الاحتلال الصهيونيّ لفلسطين.
من شأن سيطرة الحكومة المركزيّة على شمال شرقيّ سوريا ضمان الأمن الغذائيّ
الشيخ أمين طريف (1889 – 1993)، الرئيس الروحيّ لدروز فلسطين، كافح ضدّ التجنيد الإجباريّ للدروز في الجيش الإسرائيليّ. صرّح في أحد اجتماعات المشايخ الدروز بأنّ التجنيد “يجلب إلى شبابنا قيماً أخلاقيّة سيّئة ويلطّخ اسم الطائفة في البلدان العربيّة”. اجتمع الشيخ طريف لهذه الغاية مع رئيس وزراء إسرائيل الثاني موشيه شاريت الذي كتب في يوميّاته عن المقابلة: “مع أمين طريف المسنّ الذي يتّجه في نظره إلى دروز الجهة الأخرى من الحدود (سوريا ولبنان) وينصح أبناء طائفته ألّا يهدموا الجسور مع العالم العربيّ من خلال مزيد من الخنوع لإسرائيل”.
في إطار المعركة نفسها، أذاع سلطان باشا الأطرش بصوته نداء بثّته الإذاعة السوريّة حذّر فيه من “الوقوع في شباك حيل السلطات الصهيونيّة الساعية للتفرقة بين الدروز وباقي العرب”. وأصدر الأطرش مع زعماء دروز من سوريا ولبنان بياناً شدّدوا فيه على أنّ “هدف إسرائيل من فرض التجنيد على الدروز هو “دقّ إسفين” التفرقة وإفساد علاقاتهم بسائر العرب”.
في شباط من سنة 1957، رفع عدد من مشايخ مدينة شفاعمرو والقرى المجاورة عريضة إلى رئيس حكومة إسرائيل ديفيد بن غوريون جاء فيها: “نحن عرب في إسرائيل… لكنّ من المهمّ جدّاً قبل كلّ شيء أن تعرفوا أنّنا عرب والعربيّ لا يحارب أخاه العربيّ”.
لا يحقّ لأيّ مرجع أيّاً كان موقعه أن يقفز فوق تاريخ بأكمله ليكتب تاريخاً جديداً لا يشرّف الدروز وأجيالهم المقبلة.
