بعد “قسد”… السّويداء على طاولة الاختبار الأخير

مدة القراءة 6 د

مع انتقال ملفّ “قوّات سوريا الديمقراطيّة” (قسد) إلى مسار تفاهم سياسيّ– أمنيّ، تتّجه بوصلة دمشق جنوباً نحو محافظة السويداء، بوصفها الاستثناء الأخير خارج نموذج الحسم التقليديّ.

 

يقول مصدر مقرّب من الرئاسة لـ”أساس” إنّ ذراعَي دمشق ما تزالان مفتوحتين لأهل السويداء، مؤكّداً أنّ الحكومة السوريّة لا تعتمد أيّ مقاربة عسكريّة في تعاملها مع المحافظة، بل تفضّل مسارات الاحتواء والتفاهم. يطرح المصدر تساؤلاً عمّا إذا كانت إسرائيل، في حال انتقلت إلى مرحلة مصالح مباشرة مع الدولة السوريّة، ستتخلّى عن الذين تحميهم اليوم في السويداء.

يشير المصدر إلى أنّ السويداء لا يمكنها العيش بعيداً عن الدولة السوريّة، حتّى في حال طُرحت سيناريوهات ممرّات اقتصاديّة. في هذا الإطار، يؤكّد أنّ الولايات المتّحدة تسعى إلى إعادة اللحمة إلى بنية الدولة السوريّة، وأنّ ما جرى في ملفّ “قسد” شكّل رسالة سياسيّة أيضاً إلى إسرائيل وإلى السويداء.

يُطرح في هذا السياق سؤال عمّا إذا كان الشيخ حكمت الهجري سيفتح باب الحوار مع دمشق بعد هذه المتغيّرات، إلّا أنّ المعطيات المتوافرة لدمشق تشير إلى أنّه لا يُبدي رغبة في الحوار مع الدولة السوريّة. بحسب المعلومات تتعامل الدولة السوريّة مع السويداء بوصفها ملفّاً سياديّاً طويل النفس، لا أزمة طارئة، بانتظار اتّضاح الصورة النهائيّة لمسار التفاهمات بعد “قسد”.

يقول مصدر حقوقيّ لـ”أساس” إنّ السويداء لا تشبه غيرها من المناطق السوريّة. لا تخضع لسيطرة فصيل منظّم، ولا تمثّل حالة تمرّد عسكريّ مباشر، لكنّها في الوقت نفسه خارج السيطرة الكاملة للدولة. مجتمع درزيّ متماسك، سلاح محلّيّ، ورفض تاريخيّ لدخول الجيش بالشكل التقليديّ، كلّها عناصر تجعل من السويداء ملفّاً اجتماعيّاً –أمنيّاً معقّداً، لا يُدار بمنطق الاقتحام ولا يُحسم بمنطق الغلبة.

تقوم المقاربة المعتمَدة اليوم على الاحتواء التدريجيّ، عبر ترتيبات أمنيّة محليّة، وضبط السلاح الثقيل، والاستعانة بوجهاء ومشايخ ليكونوا قنوات تواصل

لماذا السّويداء بعد “قسد”؟

الانتقال من ملفّ “قسد” إلى السويداء ليس تفصيلاً في الترتيب الزمنيّ، بل يعكس توجّهاً عامّاً لدى الدولة السوريّة لإغلاق ملفّات النفوذ غير المكتملة. إلّا أنّ الفارق الجوهريّ يكمن في أنّ السويداء لا تُعامل كملفّ سيطرة، بل كملفّ توازنات دقيقة، تتداخل فيه الحسابات المحليّة مع اعتبارات إقليميّة حسّاسة، بحسب مصدر مطّلع.

تقع السويداء في جنوب شديد الحساسيّة، قريب من الأردن والجولان، وفي منطقة تعتبرها إسرائيل جزءاً من عمقها الأمنيّ غير المعلن. من هنا، تُعدّ المحافظة منطقة مراقبة لصيقة، بل محميّة بحكم الأمر الواقع من أيّ تغيير جذريّ قد يخلّ بالتوازن القائم، وهو ما يفرض قيوداً إضافيّة على خيارات دمشق.

لا حسم عسكريّاً… بل احتواء محسوب

يؤكّد مصدر عسكريّ لـ”أساس” أنّ المؤشّرات السياسيّة والأمنّية تفيد بأنّ خيار الحسم العسكريّ في السويداء غير مطروح في المرحلة الراهنة. لا تقتصر تكلفته على الداخل، بل تمتدّ إلى الخارج لأنّ أيّ تصعيد واسع قد يُستثمر إقليميّاً أو يستدعي ردود فعل غير محسوبة.

السويداء

تقوم المقاربة المعتمَدة اليوم على الاحتواء التدريجيّ، عبر ترتيبات أمنيّة محليّة، وضبط السلاح الثقيل، والاستعانة بوجهاء ومشايخ ليكونوا قنوات تواصل، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام تسويات مرنة، من دون فرض وقائع بالقوّة.

بحسب معطيات أمنيّة ومحليّة لـ”أساس” لا يعكس الهدوء النسبيّ الذي تشهده السويداء استقراراً فعليّاً بقدر ما يمثّل إدارة مؤقّتة للتوتّر. لا تزال تشهد المحافظة خروقات محدودة واحتكاكات متقطّعة، في ظلّ غياب اتّفاق أمنيّ شامل، وهو ما يدفع دمشق إلى التعامل مع الملفّ بحذر مضاعف.

الانتقال من ملفّ “قسد” إلى السويداء ليس تفصيلاً في الترتيب الزمنيّ، بل يعكس توجّهاً عامّاً لدى الدولة السوريّة لإغلاق ملفّات النفوذ غير المكتملة

لماذا لا تستعجل الحكومة الحسم في السّويداء؟

يقول مصدر دبلوماسيّ متابع للأحداث في دمشق لـ”أساس” إنّ تريّث دمشق في هذا الملفّ لا يعكس ضعفاً في القرار، بل قراءة دقيقة لموازين المخاطر. تدرك الحكومة أنّ أيّ خطأ في السويداء سيؤدّي إلى ضغط دوليّ فوريّ، نظراً لحساسيّة الملفّ الطائفيّة وقابليّته السريعة للتدويل.

إلى جانب ذلك، تعلم دمشق أنّ السويداء تمثّل ساحة قابلة للاستثمار الإقليميّ، لا سيما في ظلّ واقع أنّ المحافظة تقع ضمن هامش أمنيّ تعتبره إسرائيل خطّاً أحمر غير معلن. يجعل هذا الواقع أيّ تصعيد عسكريّ واسع مخاطرة قد تجرّ تدخّلاً غير مرغوب فيه، مباشراً أو غير مباشر، في توقيت إقليميّ بالغ التعقيد.

لذلك لا يبدو خيار المواجهة الشاملة وارداً، بل تعتمد الدولة سياسة إدارة طويلة النفس تقوم على ضبط الإيقاع لا كسره، وتأجيل الصدام لا تفجيره. في هذا السياق، يمكن تلخيص المقاربة الحاليّة بجملة واحدة بحسب المصدر: “السويداء تُدار… لا تُكسر”.

تباين بين الهجري وباقي المشايخ

في موازاة مقاربة الدولة الحذرة، برز تباين داخل المرجعيّات الدينيّة الدرزيّة في المحافظة. فقد رفع الشيخ حكمت الهجري سقف الخطاب السياسيّ، وقال: “نحن نرى أنفسنا جزءاً لا يتجزّأ من منظومة وجود دولة إسرائيل، ونرى أنفسنا ذراعاً أبرم تحالفاً مع إسرائيل. مطلبنا هو الاستقلال التامّ، لكن يمكن أن نقبل بمرحلة انتقاليّة بإشراف جهة ضامنة، وإسرائيل هي الجهة الضامنة والمخوّلة الوحيدة في أيّ اتّفاق مستقبليّ”.

يقول مصدر حقوقيّ لـ”أساس” إنّ السويداء لا تشبه غيرها من المناطق السوريّة

في المقابل، أكّد أحد الوجهاء في السويداء لـ”أساس” تمسّك مشايخ دروز آخرين بخطّ أكثر توازناً، ورفضهم الصدام مع الدولة والارتهان العلنيّ للخارج. شددّ هؤلاء على أنّ السويداء جزء من الدولة السوريّة، وأنّ الحلّ يجب أن يكون سوريّاً– محليّاً، عبر تفاهمات وضمانات متبادلة، مع السعي إلى احتواء التصعيد ومنع نقل المحافظة إلى قلب صراع إقليميّ مفتوح.

من جهة أخرى، أكّد مصدر مطّلع في السويداء لـ”أساس” أنّ الاتّصالات بين الشيخ حكمت الهجري والشيخ موفّق طريف والقيادة في إسرائيل تكثّفت بشكل ملحوظ بعد أحداث “قسد”. بحسب المصدر، يتولّى طريف في هذه المرحلة دور قناة الطمأنة الأساسيّة، مؤكّداً للهجري أنّ إسرائيل لن تسمح بأيّ مساس بالدروز في السويداء، وأنّ هذا الملفّ بات جزءاً من حساباتها المباشرة، لا التزاماً معنويّاً أو موقفاً تضامنيّاً وحسب.

في المحصّلة، تشير المعطيات إلى أنّ الولايات المتّحدة تتحرّك اليوم بهدوء لتقريب وجهات النظر وإيجاد مخرج لملفّ السويداء، انطلاقاً من فهمها لتعقيداته الخاصّة، ولا سيما الخصوصيّة الدرزيّة وتشابك البعدين العائليّ والاجتماعيّ مع إسرائيل.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@LaraMounif

مواضيع ذات صلة

الجيش على ثلاث “جبهات”

تتزامن زيارة قائد الجيش رودولف هيكل لواشنطن، بعد التأجيل الأميركيّ لها، مع سلسلة معطيات أفرزتها مرحلة الخوض في نزع السلاح شمال الليطاني. ربّما المعطى الأهمّ…

إسرائيل تُسقط “الميكانيزم”: لمفاوضات ثنائيّة برعاية أميركيّة

بعدما نجح لبنان في تسجيل نقطة لمصلحته أمام المجتمع الدوليّ، عبر تعيين السفير سيمون كرم رئيساً مدنيّاً للوفد اللبنانيّ المفاوض في لجنة “الميكانيزم”، يبدو أنّ…

برّي يدعو لجلسة “انتخابيّة” قبل 10 شباط؟

من دون أدنى شكّ تبدو الحكومة مُقبلة على “خبّوصة” انتخابيّة تشكّل استكمالاً للمسار المضطرب الذي يَطبَع القرار السياسيّ الغامض حتّى الآن بـ”إجراء هذه الانتخابات حتماً…

تعطيل “الميكانيزم”: إسرائيل تفرض شروطها بالنّار

لا موعد لاجتماع لجنة “الميكانيزم” العسكريّة ولا السياسيّة. والسبب ليس تقنيّاً فحسب، بل سياسيّ بامتياز. هي مواجهة مباشرة لبنانيّة – إسرائيليّة، أوّلاً على آليّة العمل،…