تلقى العاهل الأردني والرئيسان المصري والتركي دعوات للانضمام إلى “مجلس السلم” لإنهاء حرب غزّة، والذي ما زال قيد التشكل. شيء ما ما زال غامضاً في تشكيله المجلس ومهام الدول، لا سيما مصر وتركيا وقطر المناط بها حلّ إشكالية السلاح. لا شي جلياً في مسألة تشكّل قوة الاستقرار والدول التي سترسل بقوات للمساهمة بها. ربما أحد أبرز الأسئلة يدور حول موقف السعودية التي تبدو غائبة عن المجلس، ومراقبة بهدوء لورشة ما زال دونالد ترامب يرتجلها ويتمهل في إزالة اللبس عنها.
فيما كان يُعدّ العدّة لمهاجمة إيران، ويحمّل الرئيس الأوكرانيّ مسؤوليّة عدم التوصّل إلى حلّ ينهي حرب أوكرانيا، ويعلن خططاً للاستيلاء على جزيرة غرينلاند بالقوّة أو اللين، أعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب تشكيل “مجلس السلم”. أعلن أيضاً تشكيل لجنة فلسطينيّة من التكنوقراط، وعيّن اللواء غاسبر جيفرز (القائد السابق للجنة “الميكانيزم” الخاصّة بلبنان) قائداً لقوّة الاستقرار الدوليّة في غزّة.
بدا ترامب الذي عيّن نفسه رئيساً لمجلس السلم مشرفاً على مصير غزّة وما وراء غزّة. وعد في مضمون النقاط العشرين لخطّته بمسار موثوق لإنشاء دولة فلسطينيّة. ظهر هذا الهدف في ذيل الخطّة بنداً لرفع العتب يُقنع عواصم في المنطقة بأنّ واشنطن بدّدت تلعثماً في قبولها مبدأ قيام تلك الدولة التي تشترطها المملكة السعوديّة مثالاً قبل أيّ نقاش في إقامة علاقات مع إسرائيل وفق الطبعة “الإبراهيميّة” العزيزة على قلب الرئيس الأميركيّ.
يهمل ترامب مشروعه لإنشاء ريفييرا في غزّة من أجل بديل يَعِدُ بسلم وإعمار ومسار لحلّ شامل
من يتفقّد لائحة أعضاء “مجلس السلم” فسيجد خلطة دوليّة إقليميّة ذات ثقل أميركيّ وازن من الرئيس وأصدقائه وعائلته ومستشاريه، وبينهم “الصهر” جاريد كوشنر و”الصديق” ستيف ويتكوف والوزير ماركو روبيو، وأنّ الترامبيّة تخترق المجلس من داخل كتلة متعدّدة الجنسيّات، عربيّة (قطر، مصر، الإمارات) وإقليميّة (تركيا) وإسرائيليّة وغربيّة. على الرغم من “عصبة الأمم” التي يجمعها ترامب داخل مجلسه، وعلى الرغم ممّا تمتلكه الدول الممثَّلة من باع في ملفّ القضيّة الفلسطينيّة، يستنتج المراقب أنّ رجل البيت الأبيض قدّم تصميماً لهيكل عامّ من دون التورّط في تفاصيله وفحوى مهامّه وطبيعة أدواته.
القضيّة على طاولة البحث
تخرج خطّة ترامب في ظلّ انكفاء إيران وضمور أذرعها وتلاشي محورها. تدخل المنطقة بشكل غير مسبوق في مرحلة تضع فيها واشنطن القضيّة الفلسطينيّة على طاولة البحث. على الرغم من انخراط الولايات المتّحدة سابقاً في جهود جدّيّة لإبرام اتّفاقات سلم إسرائيليّ مع مصر في كامب ديفيد (1979)، ومع الأردن في وادي عربة (1994)، ومع منظّمة التحرير في أوسلو (1993) وغيرها، إضافة إلى الاتّفاقات الإبراهيميّة (2020) مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، غير أنّها المرّة الأولى التي تتولّى فيها واشنطن برئيسها وإدارتها الرعاية الكاملة لأكبر مشروع لبناء سلم “لم تعرفه المنطقة منذ 3 آلاف عام” (حسب ما يحلو لترامب ترداده)، يبدأ بإنهاء الحرب في غزّة وإعادة إعمارها وتعبيد السبيل نحو الدولة الفلسطينيّة المنشودة.
لن تجد أيّ خبير في الشأن الفلسطينيّ أو حتّى أيّ قياديّ في رام الله وغزّة والشتات يعرف خريطة الطريق الممكن أن تؤدّي يوماً ما إلى “الدولة” والسلام. لن تجد أيّ نصّ في الولايات المتّحدة يمكن أن يكون مرجعاً للاستدلال على الورشة التي باشرها الرئيس الأميركيّ والتي يبدو أنّها تستند إلى نفوذه لممارسة الضغوط لحمايتها والانتقال بها إلى المرحلة الثانية من خطّة دخلت مرحلتها الأولى حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأوّل 2025.
يستنكر نتنياهو تشكيل “اللجنة الوطنيّة الفلسطينيّة لإدارة قطاع غزّة” من دون استشارته
كرهت إسرائيل دائماً التلويح بأيّ مؤتمر دوليّ لحلّ أزمة الشرق الأوسط. لم تعترف من بين المتدخِّلين في شؤون الصراع إلّا بالولايات المتّحدة حصريّاً. بدا أنّ ترامب أكثر رؤساء أميركا تأييداً ودعماً لإسرائيل، وفق وصف رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو، وهو نفسه الذي أتى بالمؤتمر الدوليّ إلى حضن إسرائيل. يكفي استعراض البلدان الممثَّلة في “مجلسه” لاستنتاج مشهد ذلك المؤتمر الذي لطالما مقتت إسرائيل سيرته واحتمالاته.
عضوية جماعة الدحلان؟
لم ترحب البلدان العربيّة أن يتولّى رئيس الحكومة البريطانيّة الأسبق توني بلير المنصب التنسيقيّ الأوّل للمجلس. لا يملك الرجل السمعة الحسنة، وله مواقف غير محايدة لا توفّر له شروط تولّي تلك المهمّة. لا يهمّ. يسهل على ترامب إزاحته وأن يأتي بالمبعوث الأمميّ السابق البلغاريّ الجنسيّة نيكولاي ملادينوف بديلاً، على أن يحتفظ بلير بعضويّة داخل المجلس. على هذا تظهر مواهب ترامب في سرعة تدوير الزوايا واستخدام أقصى درجات المرونة للخروج بهيكل المتاح والممكن والمقبول.

يستنكر نتنياهو تشكيل “اللجنة الوطنيّة الفلسطينيّة لإدارة قطاع غزّة” من دون استشارته. لا تحبّ السلطة الفلسطينيّة ذلك “الاختراع” الذي أوجده ترامب برئاسة المهندس الغزّيّ علي شعث، وتشتبه في أن تُفرض تلك الآليّة على شرعيّة الهيكل القياديّ الفلسطينيّ. لم ترتَح رام الله لوجوه تلك اللجنة التي قالت مصادر إعلاميّة فلسطينيّة إنّ كثيراً من أعضائها مقرّبون من “التيّار الإصلاحيّ الديمقراطيّ”، الذي يقوده القياديّ الفلسطينيّ محمد دحلان.
لا تحبّ حركة حماس ذلك الكيان المؤلّف من 15 شخصيّة من ذوي الكفاية التقنيّة المستقلّة، والذي ستضطرّ إلى تسليمه يوماً ما زمام إدارة القطاع والتخلّي له عن سلطة احتكرتها بالبأس والقوّة والحديد والنار منذ طرد السلطة الفلسطينيّة من القطاع عام 2007. وقد يتسرّب من تلك اللجنة نموذج إدارة وحكم قد ينذر بتأسيس بدائل حكم قد تقصي الواجهات التي حكمت رام الله وغزّة.
بدا ترامب الذي عيّن نفسه رئيساً لمجلس السلم مشرفاً على مصير غزّة وما وراء غزّة
يهمل ترامب مشروعه لإنشاء ريفييرا في غزّة من أجل بديل يَعِدُ بسلم وإعمار ومسار لحلّ شامل. لم تخرج خطّته البديلة إلّا بعد عناد دول المنطقة في رفض خطط التهجير الجماعيّ ورفض سلم تفرضه اللحظة الإسرائيليّة بعد “طوفان الأقصى”. لم يخرج ذلك المشروع إلّا من ضمن سياق أميركيّ يدعمه “يهود الإدارة”، ولم يستطِع نتنياهو وحكومته اليمينيّة المتطرّفة إلّا مجاراته بانتظار ظروف مؤاتية تجهضه. على الرغم من الطابع المسرحيّ لقيام هياكل خطّة ترامب، تحجب عتمة الكواليس ما يمكن الركون إليه لبناء استشراف وازن.
إقرأ أيضاً: قانون الأحزاب الفلسطينيّ: إصلاح مؤسّسيّ أم إقصاء سياسيّ؟
فشل صفقة القرن
في ولايته الأولى قال ترامب إنّه لم يفهم لماذا لا يمكن حلّ الصراع في فلسطين، فهو كأيّ مشكلة يمكن الاهتداء إلى مفاتيح حلّ لها. فشلت “صفقة القرن” التي وعد بها حينها. لكنّه في ولايته الحاليّة يعيد تمرير شيء من تلك الصفقة، داخل شيء يشبه مؤتمراً دوليّاً، بصناعة من “خارج الصندوق” لإنتاج شيء قد يشبه الدولة الفلسطينيّة التي لا تقبل بها إسرائيل، لكنّه ليس طبعاً تلك التي حلم الفلسطينيّون بقيامها.
لمتابعة الكاتب على X:
