قانون الأحزاب الفلسطينيّ: إصلاح مؤسّسيّ أم إقصاء سياسيّ؟

مدة القراءة 6 د

يرسم الرئيس محمود عبّاس ملامح النظام السياسيّ الفلسطينيّ المستقبليّ وفق رؤيته الخاصّة، مستنداً إلى واقع سياسيّ وقانونيّ استثنائيّ يملك فيه صلاحيّات شبه مطلقة، في ظلّ حلّ المجلس التشريعيّ وغياب أيّ رقابة مؤسّسيّة منتخبة أو توازن حقيقيّ بين السلطات.

 

 

أتاح هذا الواقع للرئيس عبّاس إعادة تشكيل المشهد السياسيّ بما يتوافق مع تصوّراته، وبما ينسجم في الوقت ذاته مع متطلّبات وضغوط دوليّة وإقليميّة متزايدة تطالب بإجراء إصلاحات سياسيّة وإداريّة وماليّة داخل بنية السلطة الفلسطينيّة.

طوق سياسيّ وقانونيّ

على الرغم من أنّ هذه الإصلاحات تُقدَّم رسميّاً بوصفها استجابة لحاجة داخليّة ملحّة لتحديث مؤسّسات السلطة وتعزيز كفاءتها، إلّا أنّ طريقة إدارتها تكشف عن توجّه مختلف. فقد أحاط عبّاس مسار “الإصلاح” بسلسلة من الإجراءات القانونيّة والتشريعيّة التي تضمن له الهيمنة على القرار السياسيّ، وتُبقي مركز الثقل في يده وحده. وبدل أن تشكّل هذه الإصلاحات مدخلاً لتوسيع المشاركة السياسيّة وتعزيز التعدّديّة، تحوّلت، وفق مراقبين، إلى أدوات ضبط وتحكّم تعيد إنتاج النظام السياسيّ نفسه لكن بقواعد أكثر صرامة وتقييداً.

يرسم الرئيس محمود عبّاس ملامح النظام السياسيّ الفلسطينيّ المستقبليّ وفق رؤيته الخاصّة، مستنداً إلى واقع سياسيّ وقانونيّ استثنائيّ يملك فيه صلاحيّات شبه مطلقة

في هذا السياق، لم يكتفِ الرئيس عبّاس بتعديل قانون الانتخابات العامّة، وإدراج بند يُلزم المرشّحين بالتعهّد الصريح بالتزام اتّفاقات منظّمة التحرير الفلسطينيّة، بل انتقل خطوة أبعد عبر العمل على إعداد قانون جديد للأحزاب السياسيّة من المتوقّع أن يرى النور قريباً، وقبل أيّ إمكان لإجراء انتخابات عامّة، سواء كانت رئاسيّة أو تشريعيّة أو حتّى انتخابات المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ. يُنظر إلى هذا القانون باعتباره حلقة إضافيّة في سلسلة تشريعات تهدف إلى إعادة هندسة المشهد السياسيّ الفلسطينيّ وفق معايير محدّدة سلفاً.

يُعتقد أنّ قانون الأحزاب الجديد سيشكّل طوقاً سياسيّاً وقانونيّاً إضافيّاً حول القوى والأحزاب التي تعارض النهج السياسيّ الرسميّ لمنظّمة التحرير، وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلاميّ. فالقانون، بحسب هذا التصوّر، لن يسمح لهذه القوى بالاندماج الحقيقيّ في المؤسّسات الرسميّة، سواء التابعة للسلطة الفلسطينيّة أو لمنظّمة التحرير.

برز هذا التوجّه بوضوح في كلمة الرئيس عبّاس أمام المجلس الثوريّ لحركة فتح في الثامن من كانون الثاني، حين أكّد أنّ قانون الأحزاب السياسيّة الجديد يشكّل ركيزة أساسيّة في أجندة الإصلاح السياسيّ والمؤسّساتيّ التي تتعهّد السلطة بتنفيذها.

من المتوقّع أن يتضمّن القانون مجموعة من المحدّدات والشروط المتعلّقة بتأسيس الأحزاب السياسيّة، آليّات تسجيلها، مصادر تمويلها، ومتطلّبات الشفافيّة والمساءلة، إضافة إلى تنظيم العلاقة بين العمل الحزبيّ والوظيفة العامّة.

يهدف الرئيس عبّاس، بشكل واضح، إلى ربط قانون الأحزاب ببرنامج منظّمة التحرير وبالالتزامات الدوليّة المتّفق عليها، بما فيها الاتّفاقات الموقّعة مع إسرائيل. يثير هذا الربط انتقادات واسعة وتساؤلات عن مساهمة القانون فعلاً في تنظيم العمل الحزبيّ، واستخدامه أداة لتقييد حرّية العمل السياسيّ الحقيقيّ وتهميش قوى المعارضة مقابل بناء نظام سياسيّ يخضع بدرجة كبيرة لشروط الخارج ويفتقر إلى استقلاليّة القرار والسيادة الوطنيّة.

من المرجّح أن يخلق قانون الأحزاب، عند إقراره، جدلاً سياسيّاً وحقوقيّاً واسعاً داخل الشارع الفلسطينيّ. فمن جهة، ستُطرح تساؤلات حادّة عن شروط ترشيح الأحزاب والأفراد في أيّ انتخابات مقبلة، وهي شروط غالباً ما تشكّل بؤر خلاف وصدام سياسيّ. ومن جهة أخرى، سينعكس هذا الجدل على حجم مشاركة الأحزاب في الانتخابات أو مقاطعتها، الأمر الذي سيؤثّر مباشرة في شكل النظام السياسيّ الناتج، ومدى تمتّعه بقيم الديمقراطيّة والتعدّديّة والحرّيات، أو انزلاقه نحو نموذج أقرب إلى النظام الشموليّ.

في هذا السياق، حذّر مركز “كارنيغي” للسلام الدوليّ، في تحليل أعدّه الباحث ناثان براون، من أنّ مسوّدة قانون الأحزاب المقترح لعام 2026 قد تنطوي على مخاطر حقيقيّة تهدّد التعدّديّة السياسيّة بدلاً من تعزيزها. وأشار التحليل إلى أنّ صياغة القانون بطريقة إقصائيّة قد تجعله أداة لتقليص المشاركة السياسيّة، وإبقاء السلطة في أيدي نخبة محدودة، بدل أن يكون إطاراً ديمقراطيّاً يوسّع قاعدة التمثيل والمنافسة.

لا يبدو الجدل الدائر حول قانون الأحزاب الفلسطينيّ نقاشاً قانونيّاً أو تنظيميّاً عابراً، بل يعكس صراعاً أعمق على شكل النظام السياسيّ الفلسطينيّ ومستقبل التمثيل الوطنيّ

رأى براون أنّ الهدف غير المعلن لبعض بنود القانون قد يكون إقصاء حركة حماس أو الحدّ من تأثيرها السياسيّ، وهو ما قد يؤدّي إلى إضعاف مؤسّسات النظام السياسيّ الفلسطينيّ، وإخراجها من دائرة التمثيل الوطنيّ الشامل. وأكّد أنّ تمرير القانون بهذه الصيغة لن يؤسّس لنظام حزبيّ عصريّ، بل سيكرّس هيمنة نخبة بعينها، ويغلق الباب أمام القوى السياسيّة المستقلّة أو الجديدة.

في السياق ذاته، أكّد الباحث في قضايا الحكم والسياسة ومدير مركز “ثبات” للبحوث واستطلاعات الرأي جهاد حرب أنّه لا توجد حتّى الآن مسوّدة متداولة لمشروع القانون، مشيراً إلى أنّ محاولات سابقة لإصدار قانون للأحزاب رُفضت بسبب أنّ طبيعة المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطينيّ مرحلة تحرّر وطنيّ. ولفت حرب إلى وجود تخوّفات حقيقيّة تتعلّق بإمكان فرض قيود على حرّية تشكيل الأحزاب، أو استهداف تيّارات بعينها، مثل الأحزاب المرتبطة بالإسلام السياسيّ، أو فرض شروط تقليديّة كانت سائدة في أنظمة استبداديّة.

إقرأ أيضاً: النّزاع العربيّ – الإسرائيليّ: سقوط الشّعارات وبقاء الذّرائع

خلص حرب إلى أنّ القانون يأتي ضمن خطّة إصلاح أوسع، لكنّه يُستخدم في الوقت ذاته أداةً لهندسة النظام السياسيّ المستقبليّ، عبر فرض شروط التزام برنامج منظّمة التحرير ليكون مدخلاً إلى المشاركة السياسيّة. بما يعيد تشكيل المشهد الفلسطينيّ وفق معادلات جديدة تحمل في طيّاتها مخاطر عميقة على الديمقراطيّة والتعدّديّة.

في المحصّلة، لا يبدو الجدل الدائر حول قانون الأحزاب الفلسطينيّ نقاشاً قانونيّاً أو تنظيميّاً عابراً، بل يعكس صراعاً أعمق على شكل النظام السياسيّ الفلسطينيّ ومستقبل التمثيل الوطنيّ. فبين خطاب رسميّ يتحدّث عن الإصلاح والتحديث، وواقع سياسيّ يتّسم بتركيز الصلاحيّات وغياب المؤسّسات المنتخَبة، يبرز خطر حقيقيّ من أن يتحوّل القانون المرتقب إلى أداة لإدارة التعدّديّة لا لتكريسها، ولضبط المشاركة السياسيّة لا لتوسيعها.

مواضيع ذات صلة

ترامب يحشر إيران في زاوية اللايقين

لا تُقاس قرارات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بميزان السياسة التقليديّة. فبينما كان العالم ينتظر، يوم الأربعاء الماضي، ضربة “صدمة وترويع” على غرار العراق عام 2003،…

“قسد” أمام خيارين: الاندماج أو الهزيمة

هل شكّل الانسحاب من الشيخ مقصود والأشرفيّة بداية تراجع أوسع لقوّات سوريا الديمقراطيّة؟ وهل كانت دير حافر محطّة مؤجَّلة في مسار فرضته موازين القوى لا…

زخم فرنسي بغطاء سعودي: محاولة “متقدّمة” لإنقاذ لبنان

هل تحمل عودة المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت أكثر من طابعٍ استطلاعي؟ وما دلالة تزامنها مع الحضور السعودي المتقدّم؟ وهل نحن أمام…

الشّرع يربك “قسد”: صفعة عسكريّة وقنبلة سياسيّة

فاجأ الرئيس السوريّ أحمد الشرع تنظيم “قسد” ثلاث مرّات متتالية: أوّلاً بقدرته الفائقة على إخراج التنظيم من قلاعه في حلب بأقلّ خسارة وأدنى ضجيج، وثانياً…