“قسد” أمام خيارين: الاندماج أو الهزيمة

مدة القراءة 7 د

هل شكّل الانسحاب من الشيخ مقصود والأشرفيّة بداية تراجع أوسع لقوّات سوريا الديمقراطيّة؟ وهل كانت دير حافر محطّة مؤجَّلة في مسار فرضته موازين القوى لا خياراً سياسيّاً طوعيّاً؟ إلى أيّ حدّ قلّصت التطوّرات الميدانيّة هامش المناورة أمام “قسد”؟ وهل ما جرى يعكس تحوّلاً مرحليّاً أم بداية مرحلة طويلة الأمد؟

 

 

بعد معركة حيَّي الشيخ مقصود والأشرفيّة في مدينة حلب، اتّجهت الأنظار إلى مدينة دير حافر في ريف حلب الشرقيّ، بوصفها الساحة التالية للتطوّرات الميدانيّة. في هذا السياق، اتّخذ الرئيس السوريّ أحمد الشرع قرار الانتقال إلى حسم المرحلة التالية، في توجُّه اعتُبر محاولة لإنهاء حالة المراوحة وفرض وقائع جديدة على الأرض.

وساطات متصاعدة وموازين غير مؤاتية

بحسب معلومات “أساس”، تزامن ذلك مع تزايد الاتّصالات والوساطات في محيط دير حافر، في ظلّ معطيات عسكريّة وسياسيّة دفعت باتّجاه تجنّب مواجهة مباشرة. وفي هذا الإطار، تلقّت قوّات سوريا الديمقراطيّة نصائح بالانسحاب، على خلفيّة ما وُصف بعدم ملاءمة موازين القوى.

شرح مصدر مطّلع لـ”أساس” أنّ “قسد” كانت تدرك أنّ أيّ قتال داخل دير حافر ستترتّب عليه كلفة عسكريّة مرتفعة، في ظلّ تفوّق واضح للجيش السوريّ، وتراجع فرص الصمود أو الدفاع الثابت عن المدينة في حال اندلاع معركة واسعة النطاق.

أظهرت القراءة الجغرافيّة والعسكريّة للمنطقة أنّ دير حافر تمثّل نقطة مكشوفة غرب الفرات، وتفتقر إلى عمق لوجستيّ داعم، وهو ما يجعل خطوط الإمداد فيها عرضة للاستهداف.

يؤكّد المصدر أنّ مستقبل “قسد” بات مرتبطاً بشكل وثيق بتوازنات التحالفات الدوليّة والمعادلات الإقليميّة المتغيّرة، أكثر منه نتاج قرار داخليّ منفرد

الحضور الأميركيّ ورسائل التّحذير

بحسب معلومات “أساس”، توجّهت سيّارات عسكريّة تابعة للولايات المتّحدة إلى محيط مدينة دير حافر، في وقت ساد تخوّف واضح من أن يؤدّي أيّ هجوم سوريّ جديد ضدّ “قسد” إلى حملة أوسع نطاقاً يصعب احتواؤها.

بالتوازي مع نقل رسائل تحذير من مخاطر اتساع رقعة القتال.

تؤكّد معلومات “أساس” أنّ “قسد” تلقّت نصائح أميركيّة وأوروبيّة بعدم الانخراط في مواجهة داخل دير حافر، انطلاقاً من تقديرات عسكريّة اعتبرت أنّ القتال هناك سيكون مرتفع الكلفة، مع غياب أيّ أمل واقعيّ للصمود.

من الجدير ذكره أنّ القواعد الأميركيّة المنتشرة في الحسكة ودير الزور والشدادي والرميلان شكّلت مظلّة أمان منحت “قسد” هامشاً واسعاً للمناورة سابقاً، ومكّنتها من فرض شروط سياسيّة في مسارات تفاوضيّة مع دمشق وموسكو، وحتّى في مقارباتها غير المباشرة مع أنقرة.

انسحاب متزامن وبوادر سياسيّة

أعلن قائد قوّات سوريا الديمقراطيّة مظلوم عبدي مساء الجمعة سحب قوّاته من مناطق التماسّ الحاليّة شرق حلب، على أن يبدأ الانسحاب اعتباراً من الساعة السابعة صباح يوم السبت.

أوضح عبدي أنّ القرار جاء بناءً على دعوات من دول صديقة ووسطاء، وإبداءً لحسن النيّة في إتمام عمليّة الدمج، والتزام تنفيذ بنود اتّفاق العاشر من آذار.

في التوقيت نفسه، أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً خاصّاً يضمن حقوق الأكراد في سوريا وخصوصيّاتهم، داعياً إلى تجاهل “روايات الفتنة”.

بحسب مصدر لـ”أساس”، تكثّفت الوساطات بسرعة بين الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي، وتركّزت على دفع الطرفين نحو تقديم تنازلات متبادلة بهدف خفض التصعيد، وهو ما تُرجم إلى خطوات ملموسة على الأرض.

تؤكّد معلومات “أساس” أنّ “قسد” تلقّت نصائح أميركيّة وأوروبيّة بعدم الانخراط في مواجهة داخل دير حافر، انطلاقاً من تقديرات عسكريّة اعتبرت أنّ القتال هناك سيكون مرتفع الكلفة

في موازاة ذلك، أكّد مصدر مقرّب من الرئاسة أنّ مجموعات كبيرة من فلول النظام السابق جرى استقدامها من الساحل، وانضمّت إلى مواقع تابعة لحزب العمّال الكردستانيّ في المنطقة.

يقول مصدر أمنيّ لـ”أساس” إنّ الملفّ الكرديّ تستخدمه الولايات المتّحدة ورقةً بشكل غير مباشر في إدارة علاقتها المعقّدة مع تركيا، على الرغم من إدراك واشنطن لحساسيّة أنقرة تجاه أيّ كيان مرتبط بحزب العمّال الكردستانيّ على حدودها الجنوبيّة.

جاءت الترتيبات السياسيّة اللاحقة لتنظيم واقع فرضه ميزان القوى الميدانيّ أكثر ممّا كان نتيجة تفاهم كامل ومسبق بين الأطراف. وتشير المعطيات إلى أنّ “قسد” تعتمد مقاربات مختلفة تبعاً للجغرافيا، مع تمركز أقوى شرق الفرات وانتشار أكثر مرونة غربه، فيما ساهم ضعف التنسيق واختلاف التوقيتات في تعميق الفجوة بين المسار السياسيّ المُعلن والواقع الميدانيّ.

خسارة معنويّة واضحة

مُنيت قوّات سوريا الديمقراطيّة بخسارة معنويّة واضحة في أعقاب انسحابها من مواقع كانت تمثّل لها ثقلاً سياسيّاً وميدانيّاً، ولا سيما في محيط مدينة حلب.

لم يقتصر هذا التراجع على البعد العسكريّ، بل انعكس على موقع “قسد” التفاوضيّ، وعلى الصورة التي تُظهرها قوّةً قادرة على فرض وقائع ثابتة خارج نطاق انتشارها التقليديّ.

تشير المعلومات إلى أنّ الانسحاب من أحياء حسّاسة ثمّ إعادة التموضع شرق نهر الفرات أُخذا على نطاق واسع مؤشّراً على تقلّص هامش المناورة وتراجع القدرة على الصمود في مناطق التماسّ، وهو ما شكّل ضربة معنويّة لقيادة “قسد” وقواعدها.

ترافق هذا التطوّر مع إدراك داخليّ لدى “قسد” أنّ الحفاظ على بعض المواقع بات أعلى كلفة من خسارتها، وهو ما عزّز الانطباع بأنّ مرحلة تثبيت النفوذ انتهت، وأنّ مرحلة دفاعيّة أكثر حذراً قد بدأت.

أكّد مصدر مقرّب من الرئاسة أنّ مجموعات كبيرة من فلول النظام السابق جرى استقدامها من الساحل، وانضمّت إلى مواقع تابعة لحزب العمّال الكردستانيّ في المنطقة

مستقبل غير محسوم

بحسب مصادر من داخل “قسد”، جرى التعامل مع التطوّرات الأخيرة باعتبارها خطوة اضطراريّة فُرضت بفعل معطيات ميدانيّة وسياسيّة متداخلة، أكثر ممّا كانت خياراً عسكريّاً مفضّلاً أو نتيجة هزيمة مباشرة.

ترى هذه المصادر أنّ قرار الانسحاب وإعادة التموضع جاء في إطار إدارة المخاطر وتقليص الخسائر، وتفادي الانجرار إلى مواجهة واسعة كانت ستؤدّي إلى كلفة بشريّة وميدانيّة مرتفعة من دون مكاسب واضحة.

يقول مصدر مطّلع لـ”أساس” إنّ قوّات سوريا الديمقراطيّة تواجه مخاطر جدّيّة تتعلّق بمستقبل سيطرتها شرق سوريا، في حال لم يطرأ تغيير على مستوى الدعم الخارجيّ، أو لم تُحسم خياراتها السياسيّة ضمن تسوية واضحة مع دمشق.

إقرأ أيضاً: الشّرع يربك “قسد”: صفعة عسكريّة وقنبلة سياسيّة

يؤكّد المصدر أنّ مستقبل “قسد” بات مرتبطاً بشكل وثيق بتوازنات التحالفات الدوليّة والمعادلات الإقليميّة المتغيّرة، أكثر منه نتاج قرار داخليّ منفرد.

في ختام هذا المسار، طالبت هيئة العمليّات في الجيش السوريّ قيادة قوّات سوريا الديمقراطيّة بالوفاء الفوريّ بتعهّداتها، والانسحاب الكامل إلى شرق نهر الفرات، في رسالة عكست انتقال الملفّ من مرحلة التفاهمات والوساطات إلى مرحلة فرض الالتزامات.

هكذا بدا المشهد متّجهاً نحو تضييق هامش المناورة أمام “قسد”، ووضعها أمام استحقاق واضح: إمّا التزام المسار المتّفَق عليه، أو مواجهة واقع ميدانيّ وسياسيّ جديد لم تعُد فيه شروط المرحلة السابقة قائمة كما كانت.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@LaraMounif

مواضيع ذات صلة

ترامب يحشر إيران في زاوية اللايقين

لا تُقاس قرارات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بميزان السياسة التقليديّة. فبينما كان العالم ينتظر، يوم الأربعاء الماضي، ضربة “صدمة وترويع” على غرار العراق عام 2003،…

زخم فرنسي بغطاء سعودي: محاولة “متقدّمة” لإنقاذ لبنان

هل تحمل عودة المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت أكثر من طابعٍ استطلاعي؟ وما دلالة تزامنها مع الحضور السعودي المتقدّم؟ وهل نحن أمام…

قانون الأحزاب الفلسطينيّ: إصلاح مؤسّسيّ أم إقصاء سياسيّ؟

يرسم الرئيس محمود عبّاس ملامح النظام السياسيّ الفلسطينيّ المستقبليّ وفق رؤيته الخاصّة، مستنداً إلى واقع سياسيّ وقانونيّ استثنائيّ يملك فيه صلاحيّات شبه مطلقة، في ظلّ…

الشّرع يربك “قسد”: صفعة عسكريّة وقنبلة سياسيّة

فاجأ الرئيس السوريّ أحمد الشرع تنظيم “قسد” ثلاث مرّات متتالية: أوّلاً بقدرته الفائقة على إخراج التنظيم من قلاعه في حلب بأقلّ خسارة وأدنى ضجيج، وثانياً…