برّر دونالد ترامب الأربعاء الماضي تأجيل الضربة الخاطفة التي كان يخطّط لها ضدّ ما بقي من مواقع قوّة في النظام الإيرانيّ بتوقّف القتل والإعدامات. مع ذلك أكّد البيت الأبيض أنّ خيار الضربة ما يزال على الطاولة، في انتظار اتّضاح تعاطي طهران مع الشروط الأميركيّة للتفاوض. فيما كشفت الاحتجاجات الشعبيّة غير المسبوقة عن مستوى جديد من صراع الأجنحة في النظام الإيرانيّ، واهتزازاً في أدائه، انعكس توتّراً شديداً لدى ذراعه الرئيسة “الحزب” في لبنان.
من علامات اهتزاز النظام الإيرانيّ مسارعته إلى وقف الإجراءات القمعيّة الفائقة الوحشيّة ضدّ معارضيه في الشارع، بعدما كانت السلطة القضائيّة قرّرت إعدام من اتّهمتهم بـ”إثارة الشغب”.
تراجع النّظام ووهن “الحزب”
تراجع النظام أمام تهديد ترامب بتوجيه ضربة عسكريّة وتلويحه بمعاقبة مَن قتل المتظاهرين، لعلّه يتفادى قرار ترامب استخدام الخيار العسكريّ ضدّه. أمّا “الحزب” فلم يبقَ في يده سوى التلويح اليائس بالحرب الأهليّة التي باتت ورقة محروقة، لأنّه لن يجد من ينجرّ إليها في البلد.
أدرك “الحزب” أنّ الوهن الذي ظهر لدى حكّام طهران سيزيد من الضغوط عليه لسحب سلاحه. وذهب مراقبون إلى حدّ الاعتقاد أنّ الغموض الذي يلفّ تحديد السقف الزمنيّ لتنفيذ المرحلة الثانية من سحب السلاح شمال نهر الليطاني وصولاً إلى نهر الأوّلي، بدأ ينجلي بفعل ما يجري في طهران. فعلى الرغم من امتناع “الحزب” عن التجاوب مع مواصلة تطبيق خطّة حصر السلاح بيد الدولة، بدا أنّ التراجع الإيرانيّ يضع “الحزب” مجدّداً في موقع لا يُحسد عليه، تماماً مثلما أفضى الغضب الشعبيّ وسياسة الضغط الأقصى على إيران إلى وضع النظام أمام خيارين: بين خوض معركة مفتوحة قد تقود إلى السقوط وبين تغيير السلوك.
برّر دونالد ترامب الأربعاء الماضي تأجيل الضربة الخاطفة التي كان يخطّط لها ضدّ ما بقي من مواقع قوّة في النظام الإيرانيّ بتوقّف القتل والإعدامات
إلّا أنّ ثمّة أسباباً ظاهرة وأخرى عميقة استدعت التريّث في الضربة العسكريّة الأميركيّة التي كان ترامب ينوي توجيهها للنظام الإيرانيّ، ولا يقف الأمر عند حدود استجابة النظام لمطلبه وقف القتل والإعدامات التي أخذ يهيّئ لها. من هذه الأسباب:
عراقجي يمهّد للتّفاوض المباشر تفادياً للضّربة؟
- استكشاف مدى استعداد طهران للتفاوض وفق الشروط التي طرحتها واشنطن، والتي تبدأ بأن يكون التفاوض مباشراً بدلاً من الإصرار على أن يكون غير مباشر كما حصل في جولات التفاوض التي جرت في عُمان وروما خلال الربيع الماضي. أبلغت نائبة رئيس البعثة الأميركيّة في الأمم المتّحدة مورغان أورتاغوس السفير الإيرانيّ في نيويورك في جلسة علنيّة بأنّ على بلاده “وقف الألاعيب” وقبول عرض الرئيس ترامب التفاوض المباشر مع أميركا على قاعدة وقف تخصيب اليورانيوم نهائيّاً تمهيداً لإيجاد صيغة تخصيب خارج إيران.
بدا أنّ طهران صارت أكثر استعداداً للانتقال إلى التفاوض المباشر بدليل إعلان وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي مراراً خلال زيارته بيروت، ثمّ في مقابلته مع “فوكس نيوز” قبل يومين، أنّه اتّصل بموفد ترامب ستيف ويتكوف لمنع الضربة العسكريّة على بلاده. في المقابلة مع المحطّة الأميركيّة وجد عراقجي حرجاً في الإجابة على أسئلة حول فائدة التفاوض مع أميركا بينما يواصل المرشد علي خامنئي الهجوم على الرئيس الأميركيّ من جهة، ويستمرّ النظام في رفع شعار “الموت لأميركا” من جهة أخرى. حاول عراقجي الالتفاف على الأسئلة في هذا الصدد مكرّراً الرغبة بالتفاوض.
محاذير تغيير النّظام والفوضى
- ردّدت بعض الأوساط معطيات تفيد بأنّ توجيه أيّ ضربة عسكريّة لإيران يحتاج إلى مزيد من الاحتياط لمواجهة ردّة الفعل الإيرانيّة بقصف مواقع أميركيّة في المنطقة. وهذا ما أدّى إلى قرار نقل حاملة طائرات ومدمّرة أميركيّة من بحر الصين الجنوبيّ إلى الشرق الأوسط، قيل أنّهما قد تصلان بعد أسبوع.
- تعني الضربة العسكريّة لـ”حرس الثورة” مواكبة جهود تغيير النظام في وقت لا تبدو إدارة ترامب قد سلكت هذا الخيار، خلافاً لإسرائيل. ولا يبدو أنّ لدى فريق ترامب تصوّراً لبدائل إسقاط النظام وسط المخاوف من غرق بلاد الفرس بالفوضى في هذه الحال.
ردّدت بعض الأوساط معطيات تفيد بأنّ توجيه أيّ ضربة عسكريّة لإيران يحتاج إلى مزيد من الاحتياط لمواجهة ردّة الفعل الإيرانيّة بقصف مواقع أميركيّة في المنطقة
حتّى إشعار آخر يتّجه فريق ترامب إلى رفض الانزلاق إلى التجارب الأميركيّة الفاشلة في تغيير الأنظمة مثلما حصل في العراق وأفغانستان. وعبّر لـ”رويترز” عن شكوكه في قدرة وليّ العهد رضا بهلوي على حشد الدعم داخل إيران لتولّي السلطة في نهاية المطاف، مكتفياً بالقول إنّه “لطيف للغاية”. يفضّل خياراً يشبه سلوكه في فنزويلّا حيث تعامل مع نائبة نيكولاس مادورو التي باتت رئيسة البلاد وانفتحت على التعاون مع واشنطن بتغيير نهج وسياسة النظام القائم. حتّى بعض القوى الإيرانيّة المعارضة والداعية إلى التغيير تتوجّس من سقوط النظام.
من جهته، اعتبر الرئيس الإيرانيّ الأسبق محمد خاتمي أنّه “إذا زال هذا النظام مع كلّ نواقصه وعيوبه، فسيكون مصير إيران أشدّ مرارة… النزعات الانفصاليّة (العرقيّة والطائفيّة…)، التدخّل الخارجيّ والاختراقات ستؤدّي إلى تدمير إيران”.
تفضيل الثّنائيّ بزشكيان-عراقجي للتّفاوض؟
- تفضّل واشنطن الانخراط في صراع الأجنحة الذي برز قبل وأثناء الاحتجاجات بين تيّار “حرس الثورة” المتشدّد والرموز القريبة من خامنئي من جهة، وبين تيّار الرئيس مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عراقجي الداعي إلى التفاوض. فمع الأنباء عن أنّ بعض الرموز الإصلاحيّة الداعية إلى تغيير السلوك أمثال الوزير السابق محمّد جواد ظريف والرئيس الأسبق حسن روحاني قد أُحيلوا إلى الإقامة الجبريّة، يغلب التوجّه لاختبار استعداد الثنائيّ بزشكيان وعراقجي لتقديم تنازلات. أعطت إدارة ترامب إشارة إلى ما تفضّله، أوّل من أمس، بفرضها عقوبات على مستشار المرشد وممثّله في مجلس الأمن القوميّ علي لاريجاني، ورموز من “حرس الثورة” وأجهزة الأمن.
- لم يكن عن عبث ما نقلته وكالة “فرانس برس” عن مسؤول سعوديّ رفيع من أنّ الرياض والدوحة ومسقط طلبت من ترامب إعطاء فرصة لإيران. فالدول الثلاث تخشى من أن تؤدّي الضربة إلى “ردّات فعل خطِرة في المنطقة”، وإضافة إلى تركيا التي تتواصل مع الجانب الإيرانيّ لتشجيعه على التفاوض.
إقرأ أيضاً: إيران: ثورة الأسئلة المفتوحة
مقابل تصريحات مستشار المرشد علي ولايتي بأنّ إيران و”جبهة المقاومة أقوى بكثير من ذي قبل”، ثمّة قناعة لدى العديد من الدول بأنّ طهران أخذت تتصرّف على أنّ دورها الإقليميّ فشل وتراجع، وهو ما يعطي فسحة للتفاوض معها.
لمتابعة الكاتب على X:
