قطع الإنترنت في إيران ليس إجراءً أمنيّاً بقدر ما هو اعتراف صريح بالعجز، ولو جرى تغليفه بلغة “الضرورة”، عجزٍ عن مجاراة إيقاع الشارع، وعجزٍ أعمق عن استيعاب حقيقة أنّ زمن السيطرة على المجتمعات عبر زرّ الإطفاء قد انقضى.
حين تختار دولة في القرن الحادي والعشرين إسكات شعبها بإغراقه في عتمة رقميّة شاملة، فهي لا تُظهر قوّة الدولة، بل تكشف هشاشة نظام لم يعد قادراً على اللحاق بسرعة الاحتجاج، ولا على استيعاب تحوّلاته المتسارعة.
ما جرى في إيران يؤكّد أنّ الحراك الشعبيّ كان أكثر تقدّماً ونضجاً ممّا افترضته دوائر القرار، فبدا قطع الإنترنت محاولة يائسة لشراء الوقت، وتحوّل سريعاً إلى فعل ارتداديّ أشعل موجات التعاطف مع الشارع بدل أن يحدّ منها. ففي زمن الصورة الفوريّة والتواصل العابر للحدود، يكفي أن يُمنع الناس من الكلام حتّى يصبح المنع نفسه خبراً عالميّاً ودليلاً إضافيّاً على أنّ النظام يخشى الكلمة بقدر ما يخشى الهتاف.
ليس الظلام الرقميّ سياسة، بل إقرار بالفشل، والفشل مضاعَف حين يصدر عن نظام قدّم نفسه طويلاً لاعباً إقليميّاً متمرّساً في إدارة الصراعات المركّبة
كذب سياسيّ وتخلّف تقنيّ
ليس الظلام الرقميّ سياسة، بل إقرار بالفشل، والفشل مضاعَف حين يصدر عن نظام قدّم نفسه طويلاً لاعباً إقليميّاً متمرّساً في إدارة الصراعات المركّبة.
ما قيمة كلّ هذا الخطاب عن النفوذ والقوّة إذا كان أوّل ردود الفعل أمام احتجاج داخليّ هو قطع الإنترنت عن ملايين المواطنين؟ وأيّ رسالة تُوجَّه إلى الداخل، وأيّ صورة تُصدَّر إلى الخارج، حين يُختزل مفهوم الأمن القوميّ بزرّ “إيقاف الشبكة”؟
الأدهى من هذا الظلام غياب أيّ سرديّة مقنعة، بحيث لجأ النظام إلى أسلوب أكثر فجاجة تمثّل باستخدام رديء للذكاء الاصطناعيّ لتوليد صور ومقاطع قيل إنّها تُظهر تظاهرات “مليونيّة” داعمة له.
صور مصقولة أكثر ممّا يلزم، وجوه متشابهة على نحو يفضح الصنعة، وحشود بلا نبض ولا ضجيج.
لم يحتَج الأمر إلى خبراء لكشف الزيف، فأيّ مراقب عاديّ، بل أيّ مستخدِم بسيط، يستطيع أن يرى الفبركة بالعين المجرّدة.
هنا لا نتحدّث عن كذب سياسيّ فحسب، بل عن تخلّف تقنيّ أيضاً، فالذكاء الاصطناعيّ، حين يُستخدم بهذه السذاجة، ينقلب من أداة تضليل إلى فضيحة بصريّة. والأسوأ أنّ النظام بدا وكأنّه يخاطب شعبه بلغة، ويخاطب الخارج بلغة أخرى تماماً.
في الداخل، صور مصطنعة تقول إنّ “الشارع معنا”، وفي الخارج رسائل استجداء تفاوض،وطلب وساطات، وفتح قنوات خلفيّة، كما أكّدت دوائر البيت الأبيض نفسها.
ليس هذا التناقض جديداً، لكنّه هذه المرّة أكثر انكشافاً، فمن يدّعي امتلاك الشارع لا يفاوض من موقع القلق، ومن يملك ملايين المؤيّدين لا يعمد إلى قطع الإنترنت عنهم. وبذلك يكون مشهد الأرقام “المليونيّة” المصنوعة رقميّاً لا يعني سوى الذهاب إلى حفلة نفاق جديدة، يُطلب فيها من الشعب تصديق رواية رسميّة لم تعد تقنع حتّى من يروّج لها.
بين الظلام الرقميّ والذكاء الاصطناعيّ الرديء، تبدو إيران اليوم أقلّ هيبة ممّا تريد، وأكثر انكشافاً ممّا تعترف
ترجمة الشّعارات
تزامناً، يعاود النظام الإيرانيّ الرهان على مبادرات خليجيّة لخفض التصعيد، وكأنّ التجربة الطويلة لم تُنتج دروسها بعد. صحيح أنّ الوساطات الإقليميّة قد تخفّف الاحتقان مؤقّتاً، لكنّها لا تضمن نتائج إيجابيّة ما بقيت ذهنيّة شراء الوقت هي الحاكمة.
أدّت هذه الذهنيّة نفسها خلال السنوات الماضية إلى تشظّي الثقة الخليجيّة وضرب استقرار المنطقة، من استهداف قطر إلى التهديدات المتواصلة للملاحة الدوليّة، وصولاً إلى تحويل الجغرافيا العربيّة إلى ساحات رسائل ونزاعات بالوكالة.
المفارقة أنّ النظام الذي يطالب اليوم بتهدئة إقليميّة هو ذاته الذي استثمر طويلاً في رفع منسوب التوتّر، تصدير الأزمات، والتلويح بالقوّة بديلاً عن الحلول. وحين عاد الحريق إلى الداخل، اكتشف أنّ الأدوات التي استخدمها في الخارج لا تصلح لإخماد غضب الشارع.
ربّما آن الأوان لأن تثبت إيران قدرتها وقوّتها بمعزل عن إقحام المنطقة كلّها في حسابات بقائها.
إقرأ أيضاً: هل يتجرّع خامنئي كأس السُّمّ؟
آن الأوان لترجمة الشعارات التي صدحت بها حناجر أذرعها الإقليميّة إلى واقع داخليّ مقنع، لا إلى صور مزيّفة وخطوات مرتجفة. فالقوّة لا تُقاس بقطع الإنترنت ولا بتزييف الحشود ولا بتعدّد المنصّات التي تروّج صورة مستحيلة.
تُقاس القوّة بالثقة، وتُبنى الثقة بالصدق، والصدق هو أوّل ما افتقده النظام في هذه اللحظة المفصليّة.
بين الظلام الرقميّ والذكاء الاصطناعيّ الرديء، تبدو إيران اليوم أقلّ هيبة ممّا تريد، وأكثر انكشافاً ممّا تعترف.
أمّا الشارع، حين يُترك في العتمة، يتعلّم أن يرى… لكن بوضوحٍ أكبر.
