جوزف عون يستعيد خطاب القسم من خاطفيه

مدة القراءة 10 د

ليست الإطلالة التلفزيونيّة لرئيس الجمهوريّة جوزف عون مع الإعلاميّ وليد عبود مقابلة رئاسيّة تقليديّة، ولا يمكن قراءتها في إطار التواصل الإعلاميّ الدوريّ لرئيس الجمهوريّة مع الرأي العامّ. ما جرى مساء الأحد كان، في جوهره، محاولة واعية لاستعادة خطابٍ سُرق منه منذ لحظة ولادته، خطاب القسم، الذي تحوّل بفعل الانقسام السياسيّ الحادّ، وبفعل التسويات الهشّة التي حكمت مرحلة ما بعد الانتخاب، إلى نصّ مفتوح على التأويل المتناقض، بل إلى ساحة صراع بين قوى تدّعي حمايته وقوى أخرى تتّهمه بالانحراف عنه.

 

 

بدا جوزف عون كمن يعيد تثبيت المعاني في مكانها، ويُغلق الهوامش التي فُتحت قسراً حول مفاهيم السيادة، حصريّة السلاح، الوفاق الداخليّ، والعلاقة مع المجتمع الدوليّ. لم يكن خطابه تصعيديّاً، ولا تصالحيّاً بالمعنى السطحيّ، بل تركيبيّاً، فهو خطاب يسعى إلى الجمع بين متطلّبات الدولة ومخاوف الجماعات الأهليّة، وبين التزامات لبنان الدوليّة وهشاشة بنيته الداخليّة، وبين نصّ الدستور ووقائع الاجتماع الأهليّ اللبنانيّ.

الأهمّ أنّ رئيس الجمهوريّة لم يتحدّث من موقع الدفاع، بل من موقع إعادة التعريف. بدا وكأنّه يقول إنّ خطاب القسم ليس ملكاً لمن يلوّح به في السجالات، ولا لمن يستخدمه عصاً في وجه خصومه، بل هو نصّ تأسيسيّ يُقرأ في سياقه التاريخيّ والدستوريّ والاجتماعيّ، لا في مزاج اللحظة السياسيّة. من هنا، يمكن اعتبار هذه الإطلالة لحظة مفصليّة في مسار العهد، لأنّها للمرّة الأولى تضع الخطاب الرئاسيّ في مواجهة مباشرة مع محاولات اختطافه، لا عبر الردّ، بل عبر استعادته.

ما جرى مساء الأحد كان، في جوهره، محاولة واعية لاستعادة خطابٍ سُرق منه منذ لحظة ولادته

معركة المعنى قبل معركة السّلطة

في هذا المشهد، لم يعد الخلاف على مضمون الخطاب، بل على من يملك حقّ تفسيره. وهنا بالضبط تدخّل الرئيس عون ليستعيد النصّ من أيدي مَن صادروا معناه، لا عبر التراجع ولا عبر التصعيد، بل عبر إعادة ضبط المفاهيم: السيادة، السلاح، القرارات الدوليّة، “الطائف”، والوفاق الأهليّ. كانت الإطلالة إعلاناً واضحاً: خطاب القسم ليس بياناً حزبيّاً، ولا عقد إذعان، ولا نصّاً يصلح للشحن الشعبويّ، بل محاولة لإعادة تأسيس الدولة في بلدٍ لم يُنجِز دولته بعد.

منذ انتخابه، وُضع جوزف عون في قلب معادلة قاسية: إمّا أن يتحوّل إلى رئيس مواجهة، أو إلى رئيس تسوية، أو إلى رئيس رمزيّ عاجز. هذا التصنيف الثلاثيّ هو بحدّ ذاته اختزال مخلّ، لأنّه يفترض أنّ الرئاسة إمّا أن تكون أداة صدام أو أداة تعطيل. ما فعله رئيس الجمهوريّة في إطلالته هو رفض هذا الابتزاز السياسيّ.

لا تتعلّق المشكلة هنا بتعدّد القراءات بحدّ ذاتها، بل بانتزاع الخطاب من سياقه الدستوريّ. خطاب القسم، في النظام اللبنانيّ، ليس بياناً حزبيّاً ولا برنامج حكم تفصيليّاً، بل التزامٌ عامّ بإطار الدولة كما نصّ عليه الدستور واتّفاق الطائف. حين قال الرئيس إنّ الدولة وحدها تحتكر السلاح، لم يكن يطلق شعاراً جديداً، بل يكرّر ما هو منصوص عليه في صلب العقد الاجتماعي. وحين تحدّث عن القرارات الدوليّة، لم يكن يستجلب أجندة خارجيّة، بل يعيد التذكير بالتزامات وافقت عليها الدولة اللبنانيّة نفسها.

في إطلالته، حاول جوزف عون أن يضع حدّاً لهذا الاستعمال الانتقائيّ للخطاب. أوضح أنّ السيادة ليست شعاراً يُرفع في وجه فريق دون آخر، بل مسارٌ سياسيّ ـ مؤسّساتيّ يتطلّب تراكماً وثقة داخليّة. السيادة، كما قدّمها، ليست نقيض الوفاق بل شرطه البعيد. وهذه نقطة مفصليّة، لأنّ فريقاً وازناً دأب على تقديم السيادة معركةَ كسر عظم لا عمليّةَ بناء دولة.

يستعيد الخطاب الرئاسيّ هنا روحه “الطائفيّة” لا بالمعنى الطائفيّ بل بالمعنى المتّصل بـ”اتّفاق الطائف”، النصّ الذي أنهى الحرب وحدّد منطق الانتقال من الميليشيا إلى الدولة. لم يُنجز “الطائف” حصريّة السلاح دفعة واحدة، لكنّه وضعها أفقاً نهائيّاً مرتبطاً بإعادة بناء المؤسّسات واستعادة الثقة بين المكوّنات. من هذا المنظور، بدا الرئيس كمن يذكّر بأنّ اختصار الطائف بشعار “نزع السلاح الآن” لا يقلّ خطورة عن تعطيله باسم “الظروف الإقليميّة” و”وجوب بقاء المقاومة” ريثما يرتفع مستوى الجيش عديداً وعُدّة.

ليس خطاب القسم، كما أراده عون، بيان مواجهة مع “الحزب”، ولا صكّ براءة له. هو التزام الدولة بنفسها: بالدستور، باتّفاق الطائف، وبالقرارات الدوليّة التي التزمتها الحكومات اللبنانيّة المتعاقبة

“عنف التّأويل” على نصّ خطاب القسم

القوى التي رفعت خطاب القسم رايةً تعاملت معه بمنطق الاستنسابيّة: اقتطعت منه جملة “حصريّة السلاح” وعزلتها عن سياقها الدستوريّ والاجتماعيّ، وحوّلتها إلى مطلب آنيّ يُستخدم في الاشتباك مع “الحزب”. في المقابل، سعى “الحزب” ومعه قوى أخرى إلى تفريغ الخطاب من مضمونه السياديّ بحجّة الواقعيّة. مارس كلا الطرفين “عنف التأويل” على النصّ.

أعاد جوزف عون، بلهجته السجاليّة الهادئة، الأمور إلى نصابها: ليست السيادة شعاراً، بل عمليّة سياسيّة ـ مؤسّساتيّة. ليست حصريّة السلاح قراراً إعلاميّاً، بل نتيجة بناء دولة قادرة وشرعيّة. والأخطر، كما لمّح رئيس الجمهوريّة، هو تحويل خطاب القسم إلى أداة صراع أهليّ مبطّن، لأنّ ذلك ينسف جوهر “الطائف” نفسه.

ليس خطاب القسم، كما أراده عون، بيان مواجهة مع “الحزب”، ولا صكّ براءة له. هو التزام الدولة بنفسها: بالدستور، باتّفاق الطائف، وبالقرارات الدوليّة التي التزمتها الحكومات اللبنانيّة المتعاقبة. وحين قال إنّه نجح في التوفيق بين شروط السيادة والوفاق الداخليّ، لم يكن يقدّم تسوية لفظيّة، بل كان يضع خطّاً فاصلاً بين منطق الدولة ومنطق الحرب الأهليّة المؤجّلة.

ليس السجال الحقيقيّ هنا في شأن السلاح فقط، بل في طبيعة الدولة اللبنانيّة: هل هي دولة كسر إرادات أم دولة إدارة تناقضات؟ فريق يريد سيادة بلا مجتمع، فيما خصومه يريدون مجتمعاً بلا سيادة. حاول خطاب الرئيس أن يقول إنّ الدولة وحدها هي القادرة على جمع الاثنين، وإنّ أيّ اختصار قسريّ يقود إلى الانفجار.

حصريّة السّلاح بين الواقعيّة السياسيّة والخداع الشّعبويّ

لا يمكن الحديث في لبنان عن السلاح خارج السياق الاجتماعيّ ـ التاريخيّ. ليس السلاح هنا أداة عسكريّة، بل تعبير عن انعدام الثقة بالدولة، وعن ذاكرة جماعيّة مليئة بالخوف والخذلان. تجاهُل هذا البعد هو ضرب من الشعبويّة السياسيّة، مهما تلحّف بشعارات السيادة.

القوى التي ترفع اليوم شعار “نزع السلاح فوراً” تعرف في قرارة نفسها أنّها غير قادرة على تحمّل تبعات هذا الشعار. فهي لا تملك دولة بديلة، ولا مؤسّسات أمنيّة مكتملة، ولا إجماعاً وطنيّاً. ومع ذلك، تستمرّ في استخدام هذا الخطاب لأنّه مربح شعبويّاً، حتّى لو كان مدمّراً وطنيّاً.

يعرف جوزف عون، بخلفيّته العسكريّة، أنّ احتكار الدولة للعنف لا يتحقّق بالقوّة فقط، بل بالشرعيّة التي لا تُفرض على جماعات تشعر بأنّ الدولة لم تكن يوماً حامية لها. من هنا، لم يجئ تشديده على الوفاق الأهليّ ليكون بديلاً عن السيادة، بل شرط لها.

ليس القرار 1701، الذي شدّد عليه عون، نصّاً مُقدّساً ومُنزلاً، بل اتّفاق سياسيّ ـ أمنيّ يهدف إلى منع الحرب. ولا يعني التزامه تسليم لبنان للخارج، بل محاولة لحمايته من نفسه ومن الآخرين. غير أنّ تحويل هذا القرار إلى أداة اشتباك داخليّ يُفرغه من مضمونه ويحوّله إلى عنصر توتير إضافيّ.

السجال الحقيقيّ الذي فتحه الرئيس هو مع الخطاب الذي يريد سيادة بلا كلفة اجتماعيّة، أو “مقاومة” بلا أفق دولتيّ. يهرب كلا الخطابين من سؤال الدولة، وتعني استعادة خطاب القسم هنا إعادة النقاش إلى مكانه الصحيح: كيف نبني دولة قادرة على إنهاء السلاح لا كيف نرفع شعاراً يعجز عن إنهائه؟

في العمق، يدرك رئيس الجمهوريّة أنّ الأزمة اللبنانيّة ليست فقط أزمة سلاح أو سيادة، بل أزمة دولة لم تكتمل. مؤسّسات منهارة، اقتصاد مدمّر، مجتمع منهك، وطوائف تعيش قلق البقاء. في مثل هذا السياق، يصبح تنفيذ القرارات الدوليّة بلا إعادة بناء داخليّة وصفة للفشل.

يحاول خطاب عون، كما بدا في المقابلة، أن يوازن بين الواقعيّة السياسيّة والطموح الدستوريّ. لا يقدّم حلولاً سحريّة، لكنّه يعيد ترتيب الأولويّات: لا سيادة بلا دولة، ولا دولة بلا وفاق، ولا وفاق بلا عدالة سياسيّة في التعامل مع المخاوف والهواجس.

لا يعِد خطاب القسم، كما استعاد الرئيس روحه، بالحياد الكامل، بل بدولة تفاوض من موقع ذاتيّ، لا من موقع التبعيّة أو الارتهان

وهْم الحياد أم ضرورة الدّولة؟

من بين أهمّ ما تضمّنته الإطلالة، ولو بشكل غير مباشر، إعادة طرح مسألة استقلاليّة لبنان عن المحاور الإقليميّة. هذا الشعار، الذي يُستخدم غالباً شعاراً أخلاقيّاً أو طوباويّاً، أراده جوزف عون هدفاً سياسيّاً واقعيّاً لا إنكاراً للجغرافيا.

ليس لبنان دولة حياديّة بالمعنى السويسريّ، ولا يمكنه أن يكون كذلك في محيط مشتعل. لكنّه أيضاً ليس قدراً محتوماً أن يكون في محور. لا تعني الاستقلاليّة هنا الانفصال عن الصراعات، بل عدم التحوّل إلى أداة فيها. وهذا تحديداً ما قصده الرئيس حين ربط السيادة بالوفاق، وربط القرارات الدوليّة بالدستور.

يختزل الفريق الداعي إلى “نزع السلاح فوراً” الاستقلاليّة بالعداء لـ”الحزب” ومن ورائه إيران، فيما يختزلها خصومه بالعداء لأميركا وإسرائيل. يمارس كلا الطرفين تبسيطاً خطِراً. فالاستقلاليّة الحقيقيّة هي أن تكون الدولة قادرة على قول “لا” للجميع عندما تتعارض مصالحهم مع مصلحة لبنان.

لا يعِد خطاب القسم، كما استعاد الرئيس روحه، بالحياد الكامل، بل بدولة تفاوض من موقع ذاتيّ، لا من موقع التبعيّة أو الارتهان. وهذا بالضبط ما يخيف القوى التي تعيش على منطق المحاور، أيّاً كان اتّجاهها.

ليست استعادة خطاب القسم نهاية المعركة، لكنّها شرطها الأوّل. وفي لبنان، أحياناً، يكون الدفاع عن المعنى هو آخر ما بقي من السياسة

رفض منطق الاستتباع

لا يمكن فصل النقاش اللبنانيّ عن المشهد الإقليميّ المتفجّر. حرب غزّة، التصعيد على الجبهة الجنوبيّة، الصراع الإيرانيّ ـ الأميركيّ، والتهديد الإسرائيليّ الدائم، كلّها عوامل تضغط على الداخل اللبنانيّ. ليس السؤال هل يتأثّر لبنان، بل كيف يدير هذا التأثّر؟ وعون بدا واعياً لهذه المعادلة. لم ينكر الترابط، لكنّه رفض منطق الاستتباع. لبنان ليس غزّة، وليس ساحة ردّ إيرانيّة، وليس خطّ دفاع إسرائيليّ متقدّم، ولا ورقة تفاوض أميركيّة. هو دولة هشّة تحاول النجاة.

في هذا السياق، لا يصبح الالتزام بالقرار 1701 خياراً تقنيّاً، بل خيار وجوديّ، وأيّ انزلاق إلى الحرب سيعيد لبنان سنوات إلى الوراء. لكنّ في الوقت نفسه تجاهُل العدوان الإسرائيليّ أو تحويل لبنان إلى ساحة صمت ليس حلّاً.

حاول الكلام الرئاسيّ في الإطلالة أن يرسم خطّاً دقيقاً: دعم الحقّ الفلسطينيّ سياسيّاً وأخلاقيّاً، حماية الجنوب من الحرب، ومنع تحويل لبنان إلى رسالة دمويّة بين طهران وواشنطن. هذا توازن شبه مستحيل، لكنّه الخيار الوحيد المتاح.

إقرأ أيضاً: المسيحيّون اللّبنانيّون: من فائض الدّور إلى ارتباك الخيار

استعادة الدّولة تبدأ باستعادة اللّغة

ما فعله جوزف عون في هذه الإطلالة هو استعادة اللغة السياسيّة من فوضاها. في بلد تُختطف فيه المفاهيم قبل أن تُختطف السياسات، تصبح استعادة خطاب القسم معركة بحدّ ذاتها.

قد لا يرضي هذا الخطاب “دعاة الحسم السريع”، ولا “أنصار الانتظار المفتوح”. لكنّه يضع البلاد أمام خيار واضح: إمّا دولة تُبنى بالتدرّج والعقلانيّة، أو بلد يُدار بالشعارات حتّى الانفجار.

ليست استعادة خطاب القسم نهاية المعركة، لكنّها شرطها الأوّل. وفي لبنان، أحياناً، يكون الدفاع عن المعنى هو آخر ما بقي من السياسة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

ترامب يحشر إيران في زاوية اللايقين

لا تُقاس قرارات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بميزان السياسة التقليديّة. فبينما كان العالم ينتظر، يوم الأربعاء الماضي، ضربة “صدمة وترويع” على غرار العراق عام 2003،…

“قسد” أمام خيارين: الاندماج أو الهزيمة

هل شكّل الانسحاب من الشيخ مقصود والأشرفيّة بداية تراجع أوسع لقوّات سوريا الديمقراطيّة؟ وهل كانت دير حافر محطّة مؤجَّلة في مسار فرضته موازين القوى لا…

زخم فرنسي بغطاء سعودي: محاولة “متقدّمة” لإنقاذ لبنان

هل تحمل عودة المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت أكثر من طابعٍ استطلاعي؟ وما دلالة تزامنها مع الحضور السعودي المتقدّم؟ وهل نحن أمام…

قانون الأحزاب الفلسطينيّ: إصلاح مؤسّسيّ أم إقصاء سياسيّ؟

يرسم الرئيس محمود عبّاس ملامح النظام السياسيّ الفلسطينيّ المستقبليّ وفق رؤيته الخاصّة، مستنداً إلى واقع سياسيّ وقانونيّ استثنائيّ يملك فيه صلاحيّات شبه مطلقة، في ظلّ…